إبراهيم عبدالفتاح: لا تستهينوا بتأثير القوى الناعمة.. والشعب واجه الإنجليز بـ«شكوكو» (حوار)

كتب: محرر

إبراهيم عبدالفتاح: لا تستهينوا بتأثير القوى الناعمة.. والشعب واجه الإنجليز بـ«شكوكو» (حوار)

إبراهيم عبدالفتاح: لا تستهينوا بتأثير القوى الناعمة.. والشعب واجه الإنجليز بـ«شكوكو» (حوار)

أجرى الحوار: السيد العديسي - تصوير: عدنان عماد

«لما الشتا يدق البيبان» تلك الأغنية التى كتبها فى بداياته واستمر تأثيرها لفترات طويلة، ليتبعها بأغانٍ كثيرة نابضة ومعبرة عن عذابات الشاب البسيط وهمومه وحنينه للحب والحياة.. هكذا كان الشاعر إبراهيم عبدالفتاح دائماً مرآة لأبناء جيله ومعبراً دائماً بالكلمة عما يعتمل فى نفوسهم وعن أحلامهم، لسبب بسيط أنه يحمل معهم هذا الهم ويعيش الحلم ذاته.

أحلام كثيرة ما زالت بداخل الشاعر الكبير، تحدث معنا عنها وعن أشياء كثيرة تشغله.

■ فى رأيك ما تأثير القوى الناعمة فى مصر، وكيف يمكن الاستفادة منها؟

- القوى الناعمة إذا وُجد الإيمان بها فهى قادرة على صنع الكثير، وتأثيراتها قد تمتد لمساحات واسعة. ولنا فى الماضى القريب مثال واضح حين بلغت الثقافة الجماهيرية أوج مجدها، إذ لم يكن هناك إقليم يخلو من مركز ثقافى أو بيت ثقافة، لكن حينما تم إخلاء هذه البيوت والمراكز، خاصة فى ظل صعود المد الإسلامى السياسى، تحولت إلى أماكن سيطر عليها المتطرفون من جهة، والمشردون والمدمنون من جهة أخرى، فتحولت إلى بؤر خطيرة بدلاً من كونها منارات للفن والفكر. وهنا يظهر جلياً أن إخلاء الأماكن الثقافية ترك فراغاً تم ملؤه بأفكار هدامة وبعنف شديد، لأن القوة الناعمة حين تغيب عن المسرح والسينما والشعر والندوات، فإن المساحة التى تتركها تحتلها قوى أخرى مضادة.

يضاف إلى ذلك أن القوى الناعمة نفسها قد أسىء التعامل معها، إذ جرى اعتبارها شيئاً من الكماليات التى يمكن الاستغناء عنها. وأنا أتذكر أننا، ونحن أطفال نعيش فى المساكن الشعبية بعين الصيرة فى مصر القديمة، كنا نشهد يومياً فرقاً تأتى لتقديم الفنون الشعبية أو العروض الغنائية أو الاسكتشات المسرحية أو الأراجوز. بل إن جدران البيوت نفسها كانت تتحول إلى شاشات لعرض الأفلام، وشاهدنا ونحن صغار عشرات الأفلام على جدران البيوت دون أن نتكلف شيئاً. هذه الفعاليات كانت تقرّبنا من الفن والثقافة والفكر، وتهيئ لنا حياة مختلفة أكثر وعياً مما عرفته الأجيال اللاحقة التى عاشت فى ظل الفراغ الناتج عن غياب هذه الأنشطة.

■ وضِّح لنا، كيف يمكن للأغنية أن يكون لها هذا التأثير؟

- للأسف نستهين كثيراً بتأثير الأغنية، رغم أنها تعد من أكثر العناصر قدرة على إحداث تراكم معرفى وتنمية الوعى الجمعى، شرط أن تكون منتجة بروح سليمة ونية صافية، وأن تُبنى على مفاهيم صحيحة تضع نصب عينيها إيصال رسائل مهمة لأبناء الوطن.

■ نعود لسؤالنا مرة أخرى.. هل ترى تأثيراً ملموساً لهذه القوى حالياً؟

- إذا حاولنا قياس فاعلية القوة الناعمة فى الواقع الراهن، فسوف نجد أن تأثيرها سلبى أو عكسى فى كثير من الأحيان. لقد أصبحت الساحة الآن مزدحمة بما يسمى «نجوم السوشيال ميديا» والراب الشعبى ومغنى المهرجانات، وهذه الظواهر باتت ذات تأثير كبير على الذائقة العامة. وما يثير الدهشة أن هذه الأنماط لم تقتصر على الطبقات الشعبية، بل امتدت إلى الطبقات الراقية وصفوة المجتمع، حتى إنهم صاروا يستعينون بهؤلاء المغنين فى حفلات أعياد الميلاد والأفراح والمناسبات الخاصة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد نفوذ هذه الظواهر إلى الدراما نفسها. ومن أبرز الأمثلة فى الدراما مثلاً أغنية التتر. فقد كنت دائماً أرى أن الأغنية الدرامية فى المسلسلات والأفلام تمثل «حائط الصد الأخير» لحماية الأغنية المصرية من التردى الذى أصابها، لا سيما فى عنصر الكلمة. ذلك أن جميع عناصر الأغنية المصرية -من موسيقى وألحان وغناء- ظلت فى تطور وازدهار، بينما ظل عنصر الكلمة هو الأضعف، بسبب أن معظم من يكتبون الأغانى لا يضعون فى أذهانهم رسالة أو حالة درامية، بل يكتبون بهدف الربح السريع فقط، وهناك بالطبع استثناءات محدودة.

لكن الخطر الحقيقى ظهر عندما فقدت الأغنية الدرامية ارتباطها بالنصوص الدرامية ذاتها. ففى الماضى، كان المنتج يتواصل مع شعراء كبار من أمثال عبدالرحمن الأبنودى، وسيد حجاب، وأحمد فؤاد نجم رحمهم الله، ليكتبوا أغنية التتر بعد أن يقرأوا نَص المسلسل أو الفيلم. أى إنهم كانوا يتعاملون مع الأغنية باعتبارها جزءاً من النسيج الدرامى نفسه. أما الآن، فقد غاب هذا النهج تماماً، وصارت الأغنية تُصنع فى استوديوهات صغيرة تحت بير السلم بوسائل تقنية متواضعة، حيث يجتمع المطرب والملحن والموزع ليختاروا اسم مسلسل من المعروض فى السوق، ثم يكتبون أغنية لا علاقة لها بالعمل، مجرد كلمات عابرة تتوافق مع اسم المسلسل فقط.

والأسوأ من ذلك أن هذه الأغانى غالباً ما تحاكى أغانى المهرجانات وأسلوبها، وتكرّر نفس المفردات حول الغدر والخيانة و«أصدقاء السوء»، وهى موضوعات مأخوذة من الأغنية الشعبية ولكن دون جمالياتها وعمقها، بل جاءت فى صورة باهتة وسطحية.

■ كيف يكون لدينا أجيال قادرة على الإبداع والتنوير وتستطيع المساهمة فى إيجاد حالة فنية مدهشة تفيد المجتمع المصرى؟

- الإجابة ببساطة، توفير المكان والمساحة والمناخ الملائم للمبدعين للعمل والإبداع. يجب أن نفتح لهم الأبواب ونمنحهم المنصات التى يستحقونها، فبدون ذلك ستظل القوى الناعمة فى مصر معطلة، عاجزة عن أداء دورها الحيوى فى بناء وعى الأمة وصياغة وجدانها.

■ بشكل أوضح، ما الذى يمكن أن تفعله الدولة أو توفره حتى تتيح المناخ المناسب لهذه القوى الإبداعية كى تعمل؟

- أول ما يجب التفكير فيه هو فتح الأماكن الثقافية، وتعزيزها ودعمها بالأجهزة والإمكانات والكوادر المؤهلة التى تمتلك القدرة على الفرز والتمييز. لأن الاكتفاء بالدعم العام فقط، كما اعتدنا أن نقول، وترك الأمور لكل من يقترح أسماءً أو تصورات، سيجعل النتائج خاضعة للذائقة الفردية التى قد تكون متحيزة أو مضللة، خصوصاً أن هناك ذائقة عامة مسيطرة. وربما تكون الفلاتر التى تمر عبرها هذه الاختيارات غير سليمة. ومع ذلك، فإن مجرد توفير مناخ ملائم للمبدعين فى مختلف المجالات كفيل بمرور الوقت بأن يفرز وحده ما هو جيد وصحيح.

■ وهل ترى أن الأماكن الثقافية، أو هيئة قصور الثقافة، أو وزارة الثقافة، بالطريقة التى تُدار بها الآن، تؤدى هذا الغرض؟ أم أننا بحاجة إلى تغيير؟

  • بالتأكيد هناك ملامح بدأت تظهر، مثلاً تجربة «مسرح المواجهة». هذه التجربة تحولت إلى فرقة قائمة بذاتها، لها كيان ومكان وإدارة، وتخرج إلى الأقاليم. وهى لا تعرض مسرحية فحسب، بل تعمل على تكوين فريق من المكان الذى تزوره. وهذا هو المطلوب بالفعل: أن تُفعَّل الأقاليم وسكانها وشبابها فى عمل فنى، سواء كان دراما مسرحية أو أمسيات شعرية أو أى أنشطة فنية أخرى. من ناحية أخرى، نحن بحاجة إلى مشروع، مشروع يعمل عليه متخصصون بوعى ورؤية.

.

■ ما ملامح هذا المشروع؟

- أنا وحدى لا أستطيع أن أحدد كل ملامحه بالتفصيل، لكن أستطيع القول إن الأمر يحتاج أولاً إلى توفير مناخ عام يشبه ذلك الذى كان موجوداً منذ ثورة 1919 وامتد حتى السبعينات. تخيل أن ذلك المدّ الكبير هو الذى ما زال يحملنا حتى الآن. نحن نتحدث عن 120 عاماً من الرواية، والقصة القصيرة، والأغنية، والشعر. عصر ذهبى للأغنية والمسرح، عصر أم كلثوم وعبدالحليم. ولو أحببت أن تعدّ الروائيين فى ذلك الزمن ستجد كثيرين، وكذلك المفكرين والمنظرين والنقاد والشعراء وكتاب القصة والفنانين التشكيليين والسينمائيين، أى مشهد إبداعى غنى للغاية. أحياناً أقول لنفسى: هل كان حظنا سيئاً لأن كل هؤلاء الكبار ظهروا فى عصر واحد؟ أم كان حظنا حسناً لأنهم اجتمعوا معاً؟ لكننى أظن أن لكل عصر خصوصيته، وأنا على يقين بأن مصر ولادة ومليئة بالمواهب، وإذا توفر المناخ المناسب فإن هذه المواهب ستثمر كما أثمرت من قبل.

وهذا المشروع الذى أعنيه هو الذى يخلق المناخ العام الذى يسمح بتطور كل العناصر والمجالات. وحينها سيكون طبيعياً، دون أى افتعال أو تكلف، أن تجد مسرحية جيدة، أو رواية مميزة، أو قصيدة جميلة. مصر مليئة بالمواهب بالفعل، لكن المطلوب هو التفعيل، وإلقاء بقع الضوء عليها.

ثم إن المسئولين عن بعض الأماكن الثقافية أو الدوريات أو السلاسل ينبغى أن يتحروا الدقة الشديدة فى كل إصدار. فما يهمنا ليس الأسماء، بل المحتوى. ومع أن كل جهاز فنى أو إدارى يعرف جيداً من يعمل ومن ينتج، إلا أن المشكلة أن هذه الأعداد الكبيرة لا تجد من يستوعبها أو ينتخب منها. هناك استسهال دائم: أسماء جاهزة دائماً، لذلك نحن بحاجة ماسة إلى عملية انتقاء دقيقة، وإلى مسئولين لديهم القدرة على الاختيار الواعى. تخيل مثلاً أن هناك شعراء كثيرين قادرين على كتابة الأغانى للدراما، سواء للمسرح أو المسلسلات أو الأفلام، ومع ذلك يظلون بعيدين تماماً عن هذا المجال ولا يطلبهم أحد.

.

■ لماذا توقفت عن كتابة التترات رغم نجاح تتر مسلسل «جزيرة غمام»؟

- أدهشنى أن الأغنية التى كتبتها وقتها حققت كل هذا النجاح الجماهيرى رغم كونها أغنية لمسلسل، وكتبت عنها الصحافة كما لم يُكتب عن أى تتر من قبل. ورغم ذلك كانت تلك آخر تجربة لى. ثلاث سنوات لم يُطلب منى شىء جديد.. ليست هناك أزمة، أنا أعتبر نفسى أديت ما علىّ، لكن من المؤسف أن تُعطّل هذه المساحات والطاقة التى يمكن أن تكون مفيدة. ولذلك أكرر: المطلوب هو وجود مشروع، ووجود مسئولين قادرين على الانتقاء، بدلاً من الاعتماد على الأسماء الثابتة منذ عقود.

خذ مثالاً آخر: فى إحدى السنوات اتصل بى أحد المنتجين وقال لى إنه ينتج خمسة مسلسلات، ومع ذلك لا يجد من يكتب تترات لها. كيف؟! فى بلد ملىء بالشعراء والكتاب، لا يجد من يكتب تتراً لمسلسل؟ هذا أمر غير مفهوم.

■ وما تفسيرك أنت لذلك؟

- هى آليات السوق. النجوم يفرضون مجموعاتهم: المطربة التى تدخل مجال الدراما مثلاً تأتى بفرقتها الخاصة، وشاعرها المفضل، وملحنها، وموزعها، فيُفرض على العمل طاقم كامل من «أهل الثقة»، لكن من زاوية أخرى هذه المرة: زاوية النجم. ثم تجد الأخطاء الصارخة تمر دون أن يلتفت إليها أحد: الشاعر لم يراجع النص، الملحن لم ينتبه، الموزع لم يتوقف، المهندس الصوتى لم يلاحظ، المطرب لم يعترض، المخرج لم يراجع. كيف يمر هذا الخطأ الواضح على كل هؤلاء؟

إذاً نحن بحاجة إلى مشروع متكامل، إلى منظومة كاملة، وإلى إرادة لتصحيح المسار. ولو نظرت إلى لبنان، لرأيت الفارق. المشهد الغنائى هناك متنوع للغاية. كل الألوان موجودة: فيروز، جوليا، ماجدة الرومى، زياد، إليسا، نانسى، وائل كفورى، جورج وسوف، وغيرهم كثير. لكل واحد مساحة وجمهور، وكلهم يعملون، وكلهم ينجحون. لا يوجد اكتفاء بلون واحد أو اثنين. أما عندنا، فنحن منذ سنوات لا نرى ملامح مشروع متكامل فى الغناء أو المسرح أو الدراما.

فى الحقيقة، أنا لدىّ يقين بأن لدينا أشخاصاً قادرين على إنجاز كل شىء، ولكننا نحن من لا نريد ذلك. وأتذكر أستاذنا العظيم الراحل نجيب محفوظ فى مقابلة سريعة كانت فيها المذيعة تمسك بالميكروفون وتخرج إلى الشارع لإجراء حوارات، فقابلت الأستاذ نجيب محفوظ وسألته المذيعة: «لماذا لا نصنع فيلماً يحصل على جائزة الأوسكار، أو كان، أو برلين؟»، فأجابها قائلاً: «نعرف، لكننا لا نريد». نعم، هذه الإجابة بالفعل كانت شافية وكافية.

■ تقصد أن الأزمة الحقيقية فى توظيف المواهب والإمكانيات؟

- نعم، هناك إمكانيات رائعة، لكنها اتجهت فى الاتجاه الخاطئ. مثال محمد سعد، فهو كوميديان عظيم وممثل شامل، ومن وجهة نظرى هو من أهم المواهب التى ظهرت فى تاريخ السينما المصرية. لكن ماذا أنجز؟ المحتوى الذى يقدمه قد يقتلنى من الضحك، لكنه فى النهاية لا يترك أثراً عميقاً. كان بالإمكان استثمار هذه الطاقات فى شىء جميل ولامع، ليضع مصر فى مرتبة مهمة ضمن صُناع السينما فى العالم.

المسألة ليست موهبة فقط، بل وعى وذهنية أيضاً. محمد صلاح، مثلاً، تطورت موهبته بفضل البيئة التى انتقل إليها، هذه البيئة طوَّرت فكره وشخصه، فأصبح يقرأ ويؤدى واجباته على أكمل وجه كرجل نجم يعمل على نفسه، بينما المناخ الأصلى لم يكن يسمح بذلك. أما نموذج محمد سعد فقد بقى سنوات طويلة غير معروف، يؤدى مشاهد بسيطة حتى جاء الدور الذى صنع نجاحه. المنتج من القطاع الخاص أدرك النجاح، فاستثمر فيه وكرَّر النموذج نفسه، وهذا هو ما نسميه «عبادة النموذج». المطرب أو المطربة إذا نجح نموذج معين، سيحاول الجميع تقليده، وهذا يفسر لماذا تُنتج مئات الأغانى ويحقق نجاحها اثنان أو ثلاثة فقط. الجميع يبحث عن الفرصة الآمنة للربح، ولا يغامر.

حتى فى المسرح والسينما، تجد نفس التوجه، فالنجاح يصبح نموذجاً يُتبع، والمنتج لا يغامر بخلاف ذلك. ولكن عند العمل مع شخص جديد، لأول مرة، يجب أن يضيف كل طرف شيئاً للآخر، لتكون هناك إضافة حقيقية، وليس مجرد تقليد للنماذج السابقة..

■ لك فى السينما أغانٍ جميلة، كان أغلبها مع المخرج خالد يوسف.. حدثنا عن علاقتكما معاً وكيف أثمرت هذه الأعمال.

  • بداية علاقتى بخالد يوسف كانت فى بيت صديق فلسطينى، رياض أبوعواد، حيث التقينا لأول مرة فى صالون يجتمع فيه الناس لقراءة الشعر ونقاشه. ولكن قبل ذلك كانت لى علاقة سابقة مع يوسف شاهين، إذ كنت أزوره من حين لآخر، لكن «خالد» كان مبتدئاً آنذاك. كان مقر عمله بعيداً فى مدينة نصر، كنا نراجع الأعمال ونبحث فى المراجع، وكان من المفترض أن أكتب أغانى فيلم «المصير». حصل خلاف بعد فترة، لأن يوسف شاهين كان يتطلب التفرغ التام للعمل معه، وأنا كنت أستقبل مشاريع مسرحية ومسلسلات أخرى، مما صعّب الاستمرار.

.

لاحقاً، جاءنى ناصر عبدالرحمن ليطلب منى أغانى لفيلم، وكانت تلك بداية العمل مع خالد يوسف، بعيداً عن مشروع «هى فوضى» الذى كان مرتبطاً بـ«خالد». الأغنية كانت خارج الفيلم، لاستخدامها فى الدعاية، وقرأت السيناريو وبدأت العمل. وكما شاهدتم، الفيلم هو فيلم يتسم بالمأساة والدراما. هذه النوعية من الأفلام دائماً تستقى مادتها من قاع المجتمع، ويبدو أن الفيلم كان كابوسياً بعض الشىء. وكان همّى أن أفهم مأساة البطل؛ ففى الماضى كنا نقرأ عن مأساة البطل فى التراجيديا، وكان من الضرورى معرفة دوافعه. البطل هنا «حاتم» هو أمين الشرطة الفاسد المهيمن، المتحرش والمتنمر، وكل هذه التصرفات يقوم بها لأنه لم يتحقق فى الحب. لذلك، شعرت أن الوجع الشخصى هنا هو الوجع الحقيقى. ولهذا السبب بدت أغنية الفيلم أغنية عاطفية لا علاقة لها بسياق الفيلم، لأنها تتعلق بشخصية البطل ودوافعه.

.

يظهر لك البطل وكأنه يفعل المستحيل: يقوم بكل شىء، يرتدى باروكة، يستخدم نفوذه وقوته، وينفق المال بلا حساب فى سبيل الوصول إلى محبوبته، لكنه يفشل فى النهاية. هذه الفوضى كانت جزءاً من الفيلم، وخلال هذه الفوضى بدأنا العمل على فيلم «حين ميسرة». وكان الفيلم تحدياً بالنسبة لى فى كتابة أغانٍ شعبية لفيلم شعبى، وهو فى رأيى امتداد لفيلم «هى فوضى». وقد علّق بعض أصدقائنا الشعراء: إذا كنت تعرف كتابة الأغانى الشعبية فلا بد أن تعمل معنا فى الدراما، لأن شخصيات مثل عمرو سعد وشخصيات «حين ميسرة» لم يكن من المعقول أن تغنى أوبرا.

كان من المفترض أن أكتب أغانى أيضاً لفيلم «دكان شحاتة»، لكن حدث شىء ما لم أجد له تفسيراً، وفى النهاية تبقى أغنية واحدة فى الفيلم غناها أحمد سعد، وهى الأغنية التى نجت من كل الأغانى التى كتبت للفيلم.

■ حدثنا عن الكتابة.

- أنا أكتب بشكل يومى تقريباً، فمنذ البداية لم يكن لى عمل آخر سوى الكتابة، ولم أمتهن مهنة أخرى، بل كنت طوال حياتى مع الكتابة فقط. وكان ذلك اختياراً صعباً فى مصر، أن تعيش من الكتابة أمرٌ مخيف. أتذكر أن والدى -رحمه الله- كان يحاول دفعـى إلى أى وظيفة، لكننى كنت أجيبه بأننى لا أستطيع الالتزام بنظام الحضور والانصراف، فهو أمرٌ مرهق لى. فقال لى: «ما دمت اخترت هذا الطريق، فدافع عن اختيارك».

هكذا ظللت أعانى وأكتب باستمرار، حتى ولو لم أعرف إلى أين ستذهب هذه الكتابة. لدىّ مشاريع كتب، مثل كتاب «زياد»، وهى أحياناً بديل عن مشاريع درامية لم أجد من يؤمن بها لينتجها، فأحوّلها إلى كتب بصرية. هذه الكتب ليست سرداً توثيقياً، بل مقترحات بصرية لسيرة ذاتية، تمزج بين الشعر والمسرح والغناء وغيرها. إنها نصوص إنسانية متنفّسة، تتوغّل فى أعماق الشخصية، وتكشف الفراغات الصغيرة التى لا يلحظها أحد. هذا هو العالم الذى أرى أنه ينبغى أن يُقدّم عن الشخصية، وليس ما هو معروف وشائع عنها.

خذ مثلاً محمود شكوكو. بالنسبة لى هو شخصية تراجيدية أشبه بأبطال شكسبير، مثل عطيل. فقد تمرّد فى بداياته على مهنة أبيه، ثم قرر أن يتعلّم رغم رفض والده، فعلّم نفسه من دون مدارس. هذه محطات فارقة فى حياته. فى البداية فكرت فيه كمشروع سينمائى، لكن عندما تعمقت فيه أردت أن أجمع مادة ضخمة عنه. لماذا شكوكو تحديداً؟ لأنه كان مُلهماً، شخصية عظيمة، حتى قيل عنه يوماً «شارلى شابلن الشرق»، وأراه أهمّ من ذلك. لقد أحدث ثورة فى فن المونولوج، وفى البيئة الشعبية، وأعاد إحياء الأراجوز حتى عاد ينتشر فى الشوارع.

بل إن اسمه ارتبط بحركة وطنية؛ فقد أطلقوا على دمية الأراجوز التى تحمل اسمه «شكوكو بإزازة»، وجمع الناس من خلالها زجاجات فارغة استخدموها لصنع قنابل المولوتوف فى مواجهة الإنجليز. صار نجماً كبيراً، غنياً، يسافر ويقيم حفلات، حتى اشترى سيارة بنتلى حمراء كالتى يملكها الملك، فغضب القصر وسُحبت منه. هذا وحده مشهد درامى مذهل.

ومن ملامح عظمته أيضاً أنه علّم نفسه القراءة والكتابة بطريقة بدائية: يقف فى الشارع ليسأل عن اسم المكان، فيكتب الحروف الأولى، ويكرر ذلك حتى كوّن حصيلة لغوية. ثم أصبح يكتب الأفكار ويتقن لغات عدة، بل أدخل الإنجليزية والفرنسية والإيطالية فى مونولوجاته، واخترع أسلوباً فرانكو-عربياً خاصاً به. محمود شكوكو كان ظاهرة مهمة جداً.

عملت على سيرته كسيناريو، لكننى أدركت أن إنتاجه سينمائياً ليس أمراً يسيراً، فقررت تحويله إلى كتاب بعنوان «شُغل كايرو»، وهو اسم كان مرشحاً ليكون عنوان الفيلم أيضاً. «شغل كايرو» لأنه كان ابن القاهرة وصنع نفسه بنفسه. أعمل حالياً على الكتاب، وربما يصدر مع بداية العام المقبل، ضمن سلسلة من السير الذاتية لشخصيات أراها مهمة.


مواضيع متعلقة