«سماسرة الموت» في غزة.. الدواء فيه سم قاتل

كتب: رؤى ممدوح

«سماسرة الموت» في غزة.. الدواء فيه سم قاتل

«سماسرة الموت» في غزة.. الدواء فيه سم قاتل

فى إحدى ليالي نوفمبر الباردة، وبين جدران خيمة مهترئة قُرب شاطئ المواصى بخان يونس جنوب قطاع غزة، أسلم محمود جعبير، البالغ من العمر 83 عاماً، الروح بعد أن تيبّست أطرافه واصطبغ وجهه باللون الأصفر، فيما ثبت بصره إلى السماء. لم تكن وفاته عادية ولا نتيجة صاروخ أو قصف اعتاد أن ينهال على رؤوس الغزيين، بل كانت النهاية أكثر قسوة وصمتاً.. دواء منتهى الصلاحية كان كلمة السر التى وضعت حداً لحياته.

صيدليات تبيع الأدوية داخل قطاع غزة دون رقابة

«الحاج محمود»، كما كان يناديه من حوله، نزح قسراً من منزله فى مخيم الشاطئ غرب غزة إلى المواصى، بحثاً عن مأوى يحميه من ويلات الحرب، لكن الحرب لم تكن وحدها من سرقت ما تبقّى من قوته، إذ جاء الدواء الفاسد ليكتب السطر الأخير من رحلته، ويكشف مأساة جديدة تفتك بأجساد النازحين والمرضى بصمت قاتل. قصة العجوز الثمانينى لم تكن سوى مدخل لمأساة أكبر، حيث انتشار الأدوية منتهية الصلاحية فى غزة، نتيجة غياب الرقابة وضعف سلاسل التوريد، والذى بات يُشكل خطراً داهماً على حياة السكان، ففى شوارع القطاع المزدحمة، حيث يلهث الناس وراء لقمة العيش والدواء، يتربّص خطر صامت لا يكشف عن نفسه إلا بعد فوات الأوان.

الأدوية منتهية الصلاحية وجدت طريقها إلى خيام النازحين وبيوت المرضى، مُتسللة عبر قنوات البيع غير الشرعى، من خلال مجموعات سماسرة على تطبيق «واتس آب»، أو يتم بيعها عبر «بسطات الشوارع» دون رقابة صحية أو معرفة مصدرها، كذلك هناك بعض الصيدليات داخل قطاع غزة تبيع تلك الأدوية للأهالى دون أى رقابة، فتحولت الأدوية إلى تجارة قاتلة صنعت كوارث إنسانية صامتة، تجسّدت فى قصص مأساوية هزّت العائلات، وأدت إلى وفيات ومضاعفات صحية خطيرة.

.

.

«أحمد»، نجل «الحاج محمود»، يحكى أن والده كان يعانى من أمراض مزمنة معقّدة، داء السكر والقدم السكرى، فضلاً عن كونه مُقعداً وغير قادر على الكلام، ومع نزوحه القسرى وفقدانه الرعاية الطبية بعد تدمير مركز «الإسراء 2» الطبى بمدينة غزة الذى كان يتابع حالته، لم يبقَ أمامه سوى الاعتماد على أفراد عائلته لتلبية احتياجاته العلاجية. يضيف «أحمد»، الذى تجاوز الخمسين من عمره، وملامح الحزن تكسو وجهه: «والدى كان يعانى منذ سنوات من إمساك مزمن، ولهذا اضطر إلى تناول دواء شراب «اللاكتيلوز»، هذا الدواء معروف هنا فى غزة، يُباع على نطاق واسع فى الصيدليات، ولا يحتاج إلى وصفة طبية أو أى إجراءات خاصة لشرائه»، بدأت المأساة حين تم شراء عبوة دواء شراب «اللاكتيلوز» من إحدى صيدليات مدينة رفح، فى أقصى جنوب القطاع، فرغم أن الصيدلى كان على علم بأن الدواء منتهى الصلاحية منذ يناير 2023، إلا أنه باعه للعائلة دون أى تحذير.

استخدم «الحاج محمود» الدواء عدة مرات، وفى يوم 10 نوفمبر 2024، ظهرت عليه تأثيرات خطيرة، عانى من إسهال شديد ذى رائحة قوية، وهبوط حاد فى ضغط الدم، وإعياء متواصل، حاول أفراد العائلة التدخّل بسرعة، وقاموا بإعطائه محاليل وريدية للحد من آثار الجفاف، دون أن يعرفوا أن السبب المباشر كان الدواء الفاسد، ظناً منهم أن الأمر مُجرد مضاعفات صحية طبيعية، استمر الرجل فى تناول الدواء مرتين يومياً كلما شعر بالعجز عن التبرز، ولكن بعد يومين، وفى ليلة باردة من نوفمبر 2024، فارق الحياة عن عمر يناهز 83 عاماً، ويروى «أحمد» مأساة والده، قائلاً: «كنا نعتقد أن ما حدث مع والدى أمر طبيعى بسبب مرضه وكبر سنه، لكن عند العزاء أخبرنا الطبيب المتابع لحالته أنّ كل مرة تناول فيها ذلك الدواء كانت تُسبّب له أزمة صحية خطيرة، فيما لم يخطر ببالنا ما حدث والمضاعفات التى يتعرّض لها»، لتتضح بذلك خطورة تداول الأدوية منتهية الصلاحية وتأثيرها القاتل على صحة المرضى فى القطاع.

الدكتور يامن الأسطل، مسئول دائرة الصحة فى مركز «الإسراء2» بمدينة غزة والطبيب المعالج للمسن، كشف لـ«الوطن» ما حدث لـ«الحاج محمود»، فكانت أولى علامات الخطر حين لاحظت الأسرة حدوث إسهال شديد ذى رائحة كريهة، فقامت بتزويده بالمحاليل الوريدية للتخفيف من تأثيره، إلا أن الوضع الصحى للرجل المسن تدهور، دون معرفة الأسرة للأسباب الحقيقية لذلك، حتى فارق الحياة، حيث اكتشفوا سبب الوفاة بعد علمهم بانتهاء صلاحية الدواء. «الوطن» طالبت بشهادة وفاة موثّقة لطبيعة الوفاة وأسبابها، إلا أن «الأسطل» قال إن إصدار شهادة وفاة دقيقة أصبح صعباً فى ظل الظروف الراهنة وارتفاع أعداد الوفيات اليومية فى القطاع.

حكايات الدواء الفاسد في غزة

الطبيب المعالج لـ«الحاج محمود» قال إن الأزمة ليست فى الدواء المستخدم ذاته، لكن فى انتهاء الصلاحية، حيث بدأ المريض استخدام الدواء قبل أن يغادر مركز «الإسراء2»، والذى تعرّض للقصف من قِبل جيش الاحتلال، مما أدى إلى خروجه من الخدمة الطبية، ليضطر المريض للنزوح إلى منطقة المواصى خارج نطاق الرقابة الطبية لـ«الأسطل»، مما أدى إلى تكرار استخدام الدواء دون معرفة الطبيب المعالج، حيث لم تلاحظ الأسرة أن الدواء المستخدم منتهى الصلاحية منذ أكثر من 22 شهراً، مما تسبّب فى تدهور شديد، وصولاً لوفاته.

«الأسطل» شرح خطورة استخدام دواء «اللاكتيلوز»، عند انتهاء صلاحيته أو تخزينه لفترات طويلة، قائلاً: «الدواء قد يتحلل كيميائياً أو يتعرّض للتلوث البكتيرى والفطرى، خاصة إذا كانت العبوة مفتوحة، وذلك يحوّل الدواء من علاج للإمساك إلى خطر حقيقى، مسبّباً مغصاً وإسهالاً غير مسيطر عليه، وقيئاً، وعدوى معوية، وانخفاضاً فى ضغط الدم قد يؤدى إلى الوفاة». وأضاف: «مأساة الحاج محمود جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل، أهمها الأمراض المزمنة، وضعف الرقابة الطبية، والنزوح القسرى، وبرودة الشتاء، وإهمال الصيدلى، لتتحول حياته إلى مثال صارخ لمعاناة المرضى فى غزة نتيجة الأدوية الفاسدة».

مافيا الأدوية منتهية الصلاحية بقطاع غزة

«الوطن» اخترقت مافيا الأدوية منتهية الصلاحية بقطاع غزة، فعلى مدار 4 أشهر، رصد تحقيقنا صيادلة وسماسرة يديرون عملهم عبر مجموعات سرية على تطبيق «واتس آب» لعرض وتداول واسع لأصناف منتهية الصلاحية فى السوق المحلية داخل غزة فى ظل النقص الشديد الذى يعانى منه القطاع الطبى هناك والحصار الذى فرضه الاحتلال، حيث يضطر أهالى المرضى للبحث عن الأدوية الناقصة، والشراء بأى ثمن.

يظهر هذا التداول بشكل خاص خلال فترات الأزمات وإغلاق المعابر، ويشمل أدوية للأمراض المزمنة والالتهابات والمسكنات وأدوية مرضى السكرى، وغالباً ما يتم إعادة تسويق هذه الأدوية بعد طمس تاريخ انتهاء صلاحيتها، مما يعكس غياب الرقابة وضعف سلاسل التوريد، ويضاعف المخاطر الصحية على المواطنين، بدءاً من فقدان الفاعلية العلاجية، وصولاً إلى مضاعفات خطيرة قد تُهدّد الحياة.

وأظهرت بيانات «مجموعات واتس آب» للسماسرة، التى رصدتها «الوطن» أن أكثر الأدوية تداولاً تشمل مضادات الالتهابات، أدوية القلب والضغط، وخافضات الحرارة والمضادات الحيوية، حيث سُجّل لكل منها ما لا يقل عن ستة أنواع، تلتها أدوية علاج الصداع النصفى والصرع بخمسة أنواع، ثم أدوية علاج البكتيريا بأربعة أنواع، كما برزت أدوية الحساسية ومرض السكرى والمكملات الغذائية والمرطبات بعدد ثلاثة أنواع لكل منها، إلى جانب كميات أقل من أدوية الجهاز الهضمى بنوعين، وأدوية نادرة الاستخدام مثل أدوية الاحتقان، والشلل الرعاش، وأدوية التخدير بنوع واحد لكل منها.

رسم بياني

.

.

صور من عمليات بيع الدواء منتهي الصلاحية عبر جروبات السماسمرة على «واتساب»

«معز»: اشتريت دواءً لعلاج مرض مناعى وأصبت بنزيف معوى.. وأسعار الأدوية تشهد ارتفاعات جنونية

وفى مخيم البريج وسط القطاع، حيث تحولت الجدران إلى أنقاض وسقط السقف بفعل صواريخ الاحتلال الإسرائيلى، لم يبقَ سوى زوايا متصدعة بالكاد تظلل المكان، كان معز الصالحى، ضحية «أباطرة الدواء»، فالشاب الثلاثينى يعانى من مرض «كرون» -أحد أشد الأمراض المناعية المزمنة التى تصيب الجهاز الهضمى- ويتلقى العلاج منذ أكثر من ثلاث سنوات، فكان يتلقى العلاج بانتظام من الصيدليات أو المستشفيات، ويتمكن من متابعة حالته مع الأطباء رغم محدودية الإمكانيات.

يقول «معز»: «قبل الحرب كانت الحياة صعبة لكنها ممكنة، إذ كنت أحصل على العلاج، لكن اليوم، صار الحصول على الدواء حلماً، والمتابعة الطبية مخاطرة، والخروج من المخيم مغامرة قد تنتهى بالقصف». يضيف بصوت مبحوح تختلط فيه المعاناة بالاستسلام: «بعد اشتداد القصف على البريج نزحت مع أسرتى، زوجتى والطفلين، إلى دير البلح، ولأن دوائى «رافاسال» لم يكن متوافراً فى الصيدليات، اضطررت لشرائه من سمسار يفترش بسطة فى الشارع، ليس لأنه الخيار الأفضل، بل لأنه الخيار الوحيد». يشير «معز» إلى أن أسعار الأدوية، شهدت ارتفاعاً جنونياً، إذ كان سعر الشريط الواحد قبل الحرب لا يتجاوز عشرة شواكل، بينما يباع اليوم بخمسين أو ستين شيكل، حتى لو كان منتهى الصلاحية، أى ما يزيد بخمس مرات على سعره الأصلى.

.

بعد يومين من استخدام الدواء، بدأت تظهر على «معز» أعراض خطيرة تمثلت فى إسهال حاد، تقلصات فى الأمعاء، مغص متواصل، ونزيف داخلى مؤلم، تبين لاحقاً أن السبب يعود إلى تناول دواء منتهى الصلاحية منذ يونيو 2024، رغم أنه حصل عليه واستخدمه فى أبريل 2025. يقول «معز»: «استخدم دواء «رافاسال» منذ ثلاث سنوات ونصف سنة، واعتاد على أعراضه، لكنه هذه المرة كنت أمام حالة مختلفة، إذ تداخل نشاط المرض مع تأثير الدواء الفاسد ما تسبب فى تداعيات صحية تستدعى الذهاب للمستشفى إلا إنه فى ظل صعوبة الوصول إلى هناك ومخاطر الطريق الذى يخضع لاستهداف الطائرات المسيَّرة، لجأت إلى استشارة طبيب عبر الهاتف، والذى أكد لى أن الأعراض ناتجة عن تناول دواء منتهى الصلاحية».

الدواء الذى حصل عليه الشاب الثلاثينى لم يكن يحمل أى بيانات تعريفية، إذ حصل على شريط من العلاج دون علبة أو نشرة مرفقة، وهو ما حال دون انتباهه لتاريخ انتهاء الصلاحية، ولم يكتشف الأمر إلا بعد أن اشتدت عليه الآلام وعاد ليتحقق من تاريخ الدواء، على الشريط، ليكتشف أنه منتهى الصلاحية منذ عشرة أشهر. معاناة «معز» تُظهر جزءاً من الواقع الصحى المتدهور فى غزة، حيث تباع أدوية علاج الأمراض الالتهابية المعوية فى أكياس بلاستيكية على الأرصفة، وتُنقل فى درجات حرارة مرتفعة، وتُخزن من دون تبريد، ما يفقدها فاعليتها ويحولها إلى خطر على حياة المرضى.

التشخيص الطبى لحالة «معز»، يوضحه الدكتور يامن الأسطل، إذ إن «رافاسال» دواء مضاد لالتهاب الأمعاء ويُستخدم عادة للسيطرة على الالتهابات، لكن عند تناوله بعد انتهاء صلاحيته يؤدى إلى مضاعفات صحية خطيرة تشمل الإسهال والتقلصات والمغص، وفى بعض الحالات تصل الأعراض للإصابة بالنزيف المعوى الحاد وقد تصل بعض الحالات للوفاة.

«عبدالهادى» شاهد على سوق المافيا: بعض الأدوية المتداولة فى «القطاع» تتعرّض للسرقة

أما عن واقع سوق الدواء فى غزة بعد الحرب، فيقول الدكتور حازم عبدالهادى، أحد صيادلة محافظة خان يونس، إن الوضع قبل الحرب كان مستقراً، فالأدوية متوافرة، وأى نقص يُسد فى أيام أو أسابيع قليلة، أما اليوم، فلا يدخل سوى 30% من الحاجة الفعلية، كذلك قبل الحرب، كانت المنافذ الأساسية للأدوية شركات فلسطينية منها «القدس»، «بيرزيت»، «التوريدات»، «بيت جالا»، «المتطورة»، «مسروجى» «يو آند مى»، إضافة إلى وكلاء إسرائيليين وأجانب منها «تيفا»، أما الآن، فالاعتماد الأكبر بات على التبرعات، حيث يُوزع جزء منها ويُسرق جزء أكبر، كما أن مستودعات الأدوية تبيع ما تبقى لديها من مخزون حتى إن كان تاريخ الصلاحية على وشك الانتهاء، فى ظل غياب أى توريد جديد، فمعظم الأدوية المتوافرة حالياً جرى تصنيعها قبل عامين ولم تُستبدل بأخرى حديثة، فهناك نقص حاد وصار الدواء قصير الأجل يُستعمل على نطاق واسع.

بحسب «عبدالهادى» فإن نقص المعروض من الدواء، وفقدان أصناف أساسية، جعل بعض الأدوية تُستخدم لأكثر من مرض، ما زاد الضغط على صنف واحد بعينه، وبعض الأصناف تُباع بعد انتهاء الصلاحية بستة أشهر أو سنة كاملة، ومعظم الأهالى على علم بأن الأدوية شارفت على الانتهاء أو انتهت بالفعل، ورغم ذلك يضطرون لاستخدامها على أمل أن تبقى فعالة ولو بنسبة 30%، فيما يسوقها السماسرة باعتبارها صالحة للاستعمال.

يشير «عبدالهادى» إلى معاناة توصيل الأدوية داخل غزة، من قبل المؤسسات الإغاثية، والتى تُلزَم بتأمين الشحنات فور دخولها القطاع بعد مرورها من المعابر، قائلاً: «بعد عام تقريباً من بدء الحرب، حصلت بعض المؤسسات على إذن بإدخال كميات محدودة جداً من الدواء، والأزمة هنا تكون فى تأمين تلك الشحنات، حيث إن تكلفة التأمين مرتفعة، ما يجعل تلك المؤسسات تقلل من شحنات الأدوية التى تُدخلها للعجز فى نفقات التأمين، كما أنه خلال عملية العبور، تتعرض بعض الأدوية للنهب على أيدى تجار ولصوص، بل إن بعض الموظفين فى القطاع الصحى يشاركون فى السرقة، حيث تُباع لاحقاً للصيدليات أو مباشرة للمواطنين، ما ضاعف أسعارها مرات عديدة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب».

.

بيّن «عبدالهادى» أن المباحث الطبية التابعة لوزارة الصحة هى الجهة المعنية بالرقابة عاجزة حالياً عن تنظيم العلاقة بين المستودعات والشركات والصيدليات والمستهلكين، بسبب استهداف الاحتلال لموظفيها عمداً لإبقاء حالة الفوضى قائمة، ونتيجة لذلك، لم يبقَ سوى الاعتماد على أمانة الصيدلى والشركة والمستودع، إضافة إلى وعى المريض الذى قد يترك الدواء لغيره إن لم يكن بحاجة ماسة له.

كشف «عبدالهادى» أن بعض الشحنات التى دخلت بعد العدوان على شكل تبرعات، كان جزء كبير منها قاربت صلاحيته على الانتهاء، نتيجة عرقلة مرورها للقطاع حيث يُفرض تحكم صارم فى الكميات المسموح بدخولها من قبل الاحتلال وفى هذه الظروف تظل الشاحنات مكدسة على المعابر لشهور طويلة.

«نور» فتاة فلسطينية فقدت الرؤية 3 أيام لاستخدامها قطرة منتهية الصلاحية منذ عام كامل

مأساة جديدة تعرضت لها نور غبن، صاحبة الـ19 عاماً من سكان مدينة غزة، فبعد أن شعرت بألم واحمرار فى عينيها أواخر مارس الماضى، توجهت إلى إحدى عيادات «أونروا» القريبة، حيث تم تشخيص حالتها بـ«جفاف فى العين» ووصف لها الطبيب قطرة «سيستان ألترا»، تستخدمها ثلاثة أيام. فى اليوم الأول شعرت بآلام ظنت أنها بسبب التعب، وفى اليوم الثانى كانت الآلام شديدة واحمرت العين وتورمت جداً حتى أغلقت الجفون على بعضها، أما اليوم الثالث ففقدت القدرة على الرؤية لمدة ثلاثة أيام تالية.

تحكى «نور» ما حدث لها قائلة: «اكتشفت أن القطرة منتهية منذ عام كامل، فتاريخ الصلاحية المكتوب على القطرة يونيو 2024، وبعد ظهور الأعراض، عدت إلى العيادة ليتم تشخيصى بالتهابات حادة نتيجة استخدام دواء منتهى الصلاحية»، بينما كان سعر القطرة قبل الحرب 15 شيكل، اشترتها الشابة الفلسطينية بـ50 شيكل، فيما قال مسئول الصحة بغزة إن استخدام القطرة منتهية الصلاحية يؤدى إلى تفاقم الالتهاب وازدياد الاحمرار والتورم والحساسية للضوء، وقد يسبب التصاق الجفون، ويمثل خطراً على القرنية وربما ضعف البصر أو تشوه مؤقت، كما يفقد الدواء خصائصه الواقية، ما يجعل العين أكثر عرضة للبكتيريا والفطريات».

هشام مهنا، متحدث اللجنة الدولية للصليب الأحمر فى قطاع غزة، قال لـ«الوطن»، إن اللجنة حذرت من خطورة بيع أو توزيع أدوية منتهية الصلاحية داخل القطاع، فهى ممارسات تعرض حياة المدنيين للخطر، ومن الصعب السيطرة على آثارها فى ظل الانهيار الصحى الراهن. ورغم أن اللجنة لم ترصد حالات بيع أدوية منتهية الصلاحية بشكل مباشر إلا أنها وضعت إجراءات صارمة للمواجهة حال حدوثها بالتعاون والتشبيك الدائم مع وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمات المجتمع المدنى، حيث يتم رصد أية إشكاليات والعمل على مكافحتها.

كشف «مهنا» أن الصليب الأحمر أدخل خلال الفترة الماضية عدداً من قوافل الدعم الطبى إلى قطاع غزة، كان أحدثها خلال الأسبوع الماضى، مؤكداً أن الأدوية تمر بعمليات فحص دقيقة قبل توزيعها، بدءاً من لحظة مغادرتها المستودعات الإقليمية وصولاً إلى المستخدم النهائى، ولفت إلى أن اللجنة ترفض إدخال أى شحنة دوائية إذا تبين أن صلاحيتها على وشك الانتهاء، وتقوم بإعدامها عبر فرق متخصصة وبآليات محددة، مضيفاً: «يتم الأخذ فى الحسبان القيود والتشديدات لدخول المساعدات، وبالتالى نكون حريصين على أن تكون مدة صلاحية الأدوية لفترات طويلة، وحدث أن تم رفض شحنات بالفعل بعد بقائها لفترات طويلة على الحدود، ما استدعى استبدالها لضمان مطابقتها للمواصفات». قال متحدث «الصليب الأحمر» إن نظام الرعاية الصحية دُمّر بالكامل، فيما يتعرض المخزون الدوائى للاستنزاف بوتيرة لا يمكن تعويضها.

«وفاء» تشتري حقنتي أنسولين من «بسطات السماسرة» بـ70 شيكل

فى مستشفى ناصر بخان يونس، يجلس الطفل خالد أبوعمشة، 10 أعوام، مصاباً بالسكر منذ ثلاث سنوات، ويحتاج إلى أنسولين منتظم، فقبل الحرب، كانت والدته، وفاء عايد، توفر له الأنسولين من عيادات «أونروا» وتخزنه فى ثلاجة صغيرة، لكن بعد الغارات على حيهم فى بيت حانون شمال القطاع، اضطرت الأسرة للفرار جنوباً، وحُفظت أقلام الأنسولين فى صندوق فوم مع ثلج، لكن حرارة الطريق أفسدت المخزون. وبعد عام ونصف، ومع استهداف النقاط الطبية والعيادات المجانية، لم تعد «وفاء» قادرة على تأمين الأنسولين بشكل منتظم، واضطرت للبحث فى الصيدليات وبسطات السماسرة فى الشارع، حتى تمكنت بالكاد من شراء حقنتين بـ70 شيكل، بعد أن كانت مجانية قبل الحرب، فى وقت تعانى فيه الأسرة من فقدان مصدر الدخل.

بعد يومين من استخدام «أنسولين السماسرة»، بدأ «خالد» يشكو مغصاً شديداً وانتفاخاً غير مألوف فى بطنه، بدت على وجهه علامات اصفرار ودوار، حتى صار يترنح من الإعياء ويغيب عن الوعى جراء نوبات متكررة لهبوط السكر. تقول والدته «وفاء»: «أحياناً يفقد القدرة على الكلام، وأحياناً ينهار جسده على الأرض وثيابه مبللة بالعرق البارد، حاولنا إنقاذه بتبريد أقلام الأنسولين داخل إناء ماء نغيّره كل ساعة بسبب انقطاع الكهرباء فى الخيمة الحارة، لكن حالته ازدادت سوءاً، فنُقل إلى المستشفى حيث أكد الأطباء أن الأعراض نتيجة استخدام أنسولين فاسد». تضيف: «كنت أعتقد أن التخزين هو السبب، لكن عند فحص العلبة اكتشفت أن صلاحيتها منتهية منذ ديسمبر 2024، بينما استخدمتها فى يونيو 2025، مما جعل الوضع يسوء مع «خالد»، حيث تفاقمت الأعراض ووصلت إلى اضطراب وعى، وإغماءات متكررة، وقىء وعطش مستمر مع تبول مفرط».

مع توقف الأم عن إعطاء نجلها الدواء منذ أسبوعين، دخل «خالد» فى حالة ارتفاع مزمن للسكر، وبدأ وزنه فى الانهيار وبرزت عظامه: «كل يوم نذهب للمستشفى، لكن لا علاج سوى محاليل وريدية إن توفرت وأسعفنا الحظ بوجود سرير فارغ. وفقدت الثقة فى الدواء، لكن لا أملك بديلاً. أخشى أن أصحو يوماً فلا أجده حياً».

غياب تاريخ الصلاحية على العبوات

على جروبات السماسرة، كان غياب تاريخ الصلاحية على العبوات هو الحدث الأبرز، فوفقاً للبيانات التى رصدتها «الوطن»، تم عرض 24 صنفاً دوائياً للبيع دون تاريخ صلاحية محدد، وخمسة أصناف أخرى منتهية الصلاحية فى مايو 2025، و8 أصناف أخرى انتهت صلاحيتها فى أبريل ويونيو 2025، كما تم الإعلان عن 4 أصناف دوائية تنتهى صلاحيتها فى أكتوبر المقبل، فيما ظهرت كميات من صنف دوائى واحد منتهية الصلاحية فى كل من يوليو وسبتمبر 2025 وديسمبر 2024.

رسم

الدكتور حازم عبدالهادى، كان شاهداً على سوق مافيا الأدوية، فأكد أن الأدوية المتداولة حالياً تدخل عبر عدة طرق، جزء منها مخزون كان فى المستودعات من قبل الحرب، وجزء آخر مسروق من مخازن وزارة الصحة والمستشفيات الميدانية «الأمريكى، الأردنى، الإماراتى، الهلال الأحمر»، إضافة إلى أدوية تُهرّب مع شاحنات المساعدات وتباع سراً، وأخرى تتم سرقتها ونهبها عبر موظفين مكلّفين بتأمين الشحنات عند المعابر. «عبدالهادى» قال إن أبرز الأدوية المعلن عنها، أدوية الأمراض المزمنة كـ«الضغط والسكرى»، والأعصاب، والمستحضرات الجلدية، والمسكنات القوية، وأدوية الهرمونات وتثبيت الحمل، 30% منها «منتهية الصلاحية».

ووفقاً لـ«عبدالهادى»، فلم تعد هناك فواتير رسمية للأدوية المهرّبة أو المنتهية، بل مجرد أوراق بيضاء تُكتب فيها الأصناف والتكلفة، من دون ضرائب أو رقابة، مشيراً إلى أنّ السماسرة يشترطون فى كثير من الأحيان الدفع البنكى: «فرق السعر فى التطبيق البنكى يزيد بنسبة 40% عن الدفع الكاش يعنى لو ثمن علبة الدواء 100 شيكل نقداً بتصير 140 شيكل فى التحويل البنكى». ولفت «عبدالهادى» إلى أنّ انتشار الأدوية المنتهية بدأ بعد عام من العدوان مع استنزاف المخزون السليم، خاصة فى أدوية الجلد والأمراض المزمنة والأعصاب، ومع شح الإمدادات، إضافة إلى غياب الرقابة عملياً بعد شلّ عمل المباحث الطبية بسبب القصف، نشأت مجموعات عبر «واتس آب»، يدخلها «سماسرة» وصيادلة لعرض الأدوية المطلوبة رغم انتهاء صلاحيتها منذ أكثر من ستة أشهر بأسعار باهظة، وفى ظل الفوضى وغياب الرقابة، والشح فى التوريد، يبقى المريض أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما تحمّل ألم المرض، أو المخاطرة بتناول دواء منتهى الصلاحية. وتابع: «هناك أدوية ذات طلب عالٍ من الأهالى يتم ربطها بشراء مستلزمات قليلة الطلب، منها أدوية تثبيت الحمل مثل «دوفاستون» وأدوية الهرمونات التى تباع بأسعار مرتفعة».

زكرى أبوقمر، القائم بأعمال مدير عام الصيدلة فى وزارة الصحة بغزة، قال لـ«الوطن» إنه من خلال الزيارات المحدودة التى أجرتها الوزارة لبعض الصيدليات خلال فترة العدوان، تم بالفعل رصد بعض الأصناف منتهية الصلاحية، التى كان من المفترض أن تُعزل فى أماكن مخصصة داخل الصيدلية، لكن ذلك لم يتم بسبب تعطل عملية الإتلاف، حيث إن المواقع المخصصة لهذه العملية غير متاحة فى ظل الحرب الدائرة فى القطاع. وأضاف أن الوزارة تقوم حالياً بتجميع هذه الأصناف فى أماكن محددة، لحين السماح بالوصول إلى مواقع الإتلاف المخصصة، لإتمام العملية بشكل سليم.

وأوضح «أبوقمر» أن الوزارة لم تتلقَّ عبر إدارة الشكاوى أو إدارة الجودة أى شكاوى رسمية من المواطنين ببيع أدوية منتهية الصلاحية داخل الصيدليات المرخصة، لافتاً إلى أن رفوف معظم الصيدليات المرخصة خالية من الأدوية بشكل عام، وشدد على أن البسطات والأكشاك غير المرخصة تمثل التحدى الأكبر، إذ إن متابعتها تقع ضمن اختصاص وزارة الداخلية أو وزارة الاقتصاد.

إحصائية

وكشف «أبوقمر» أن حجم العجز فى الأدوية لدى وزارة الصحة وصل إلى 52%، وهو عجز كبير جداً، مشيراً إلى أن الوزارة لا تستطيع القضاء على ظاهرة البسطات التى تبيع الأدوية لأن أصحابها يتنقلون يومياً بين الخيام، ويحصلون على الأدوية عبر تسريبها من بعض المؤسسات. وأكد أنه فى حال تلقى شكاوى من المواطنين، فإن الوزارة تتخذ الإجراءات الفنية والقانونية بحق المخالفين، وأشار إلى أن نحو 80% من صيدليات القطاع الخاص خرجت عن الخدمة، سواء بسبب الدمار الذى طال مبانيها جراء القصف أو بسبب نزوح أصحابها، موضحاً أنه منذ بداية العدوان قبل ما يقارب عامين، لم يتم إدخال أى شحنات أدوية تجارية عبر المعابر، واقتصر دخول الأدوية على المساعدات التى تصل إلى المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية والجمعيات الطبية والخيرية، دون أى بضائع موجهة لصيدليات القطاع الخاص.

غزة

وبيّن «أبوقمر» أن حركة مفتشى وزارة الصحة التابعين لدائرة الجودة والرقابة خلال فترة الحرب، محدودة للغاية بفعل الأوضاع الراهنة، إلى جانب استنزاف الكوادر فى المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، فى ظل العدد الكبير من الإصابات التى تصل إلى أقسام الاستقبال والطوارئ، وأوضح أن وزارة الصحة تحاول من خلال مواقعها الإلكترونية ومجموعات التواصل الخاصة بالصيدلة، تحذير المواطنين من مخاطر استخدام أى دواء منتهى الصلاحية، حيث صدرت عدة تعميمات بهذا الخصوص، مؤكداً أن الإدارة العامة للصيدلة تتعامل بشكل عاجل مع أى شكوى ترد إليها. كما تعمل الوزارة على توفير الأدوية المزمنة وأدوية الفئات الهشة بالتنسيق مع المؤسسات الأهلية ووكالة الغوث لتغطية أكبر عدد ممكن من المرضى والنازحين، وشدد على أن وزارة الصحة تواصل الرقابة على الصيدليات المرخصة، وأكد «أبوقمر» خطورة شراء أى دواء من الأكشاك أو البسطات حتى لو كان سارى الصلاحية، لاحتمال تلفه بسبب سوء التخزين.

ادوية

.

«روان» اشترت لبن أطفال منتهى الصلاحية بـ«100 شيكل»: «الأطباء حذّرونى إن ابنى ممكن يتسمّم»

لم يكن خطر الدواء منتهى الصلاحية وحده الذى يسكن أجساد الغزيين، ففى أحد أزقة مخيم النصيرات المكتظ فى المنطقة الوسطى من قطاع غزة، وبين خيام النازحين وأصوات الجوع وصرخات الأطفال، تجلس روان إسماعيل، 26 عاماً، تضم ابنها الصغير «ركان» إلى صدرها بينما تغالب دموعها وهى تحاول تبرير ما لا يمكن تبريره: «أعطيته الحليب المنتهى، لأنى لا أملك شيئاً آخر»، فـ«روان» لم تولد فى هذا المكان، ولم تكن تتخيل يوماً أن يصبح النزوح والمجاعة جزءاً من تفاصيل حياتها اليومية، قبل عام ونصف، أجبرها العدوان الإسرائيلى المستمر على مغادرة بيتها فى مدينة غزة، لتلجأ إلى مخيم النصيرات وسط القطاع، باحثة عن مأوى وأمان، فباتت تكافح من أجل أن تجد وجبة تسد رمق طفلها البالغ من العمر ثلاث سنوات فقط.

وفى ظل الغياب شبه التام للمواد الغذائية، وارتفاع الأسعار الجنونى، اضطرت الأم العشرينية مطلع شهر أغسطس الماضى إلى شراء علبة حليب صناعى «ماترنا بلس 2»، بوزن 400 جرام لطفلها «ركان» من «بسطة» متواضعة فى أحد شوارع المخيم، ودفعت 100 شيكل ثمن الحصول عليها، رغم أن هذا النوع من الحليب كان يُباع قبل الحرب بـ25 إلى 30 شيكل فقط، وفق روايتها، وتقول «روان»: «لم أكن أفكر فى السعر، كنت أبحث فقط عن شىء يُسكت بكاء ركان، كان يصرخ من شدة الجوع، كل ما أريده أن يهدأ، أن يشعر بالشبع للحظة، حتى لو كانت مؤقتة»، لكن بعد مغادرتها «البسطة»، وقبل أن تفتح العلبة، لاحظت «روان» ما لم تكن تملك رفاهية الانتباه له لحظة الشراء، لتكتشف أن تاريخ انتهاء الصلاحية فى فبراير 2025، ورغم ذلك، لم يكن أمامها خيار آخر.

نظرت إلى عيون طفلها الجائع وقررت أن تكمل الطريق، وتحكى بعينين دامعتين: «فكرت شو أعمل، أرجعها، بس مش هيدونى فلوسى، ومش هلاقى علبة تانية، فقررت آخدها وأمشى وأطعمه منها»، وبعد يوم واحد فقط من تناول الطفل الحليب المنتهى، بدأت المضاعفات: «ركان أُصيب بإسهال حاد ومغص شديد، وصار يبكى لساعات متواصلة»، حملته «روان» من مكان إلى آخر بحثاً عن دواء أو إسعاف، لكن لا صيدليات تفتح أبوابها بشكل منتظم، ولا مستشفيات قادرة على استقبال الحالات كما ينبغى: «الأطباء حذرونى من أن ابنى ممكن يصير معه تقيؤ أو تقلصات فى المعدة وممكن لا قدر الله الموضوع يتطور ويوصل لتسمم غذائى، بس ما فى بديل، حتى لو قلت لنفسى إنى راح أتوقف عن إعطائه، شو أعطيه، ماء، مفيش حتى مياه نضيفة»، وتضيف بحسرة وهى تنظر إلى وجه طفلها المنهك: «أنا عارفة إنه غلط أعطيه الحليب المنتهى، بس لو شفتوا الجوع فى عيونه، مش هتفكروا فى أى شىء تانى، كان لازم أختار أهون الشرين».

«التركمانى»: لم نرصد أى شكاوى أو بلاغات ببيع أدوية منتهية الصلاحية

بكر التركمانى، المحامى ومنسق التحقيقات فى الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، ديوان المظالم بقطاع غزة، قال إن الهيئة لم ترصد أى شكاوى أو بلاغات بشأن بيع أدوية منتهية الصلاحية أو مقلدة منذ بدء العدوان، مضيفاً أنه لا توجد تقديرات دقيقة أو بيانات موثوقة يمكن الاستناد إليها لقياس حجم هذه الظاهرة سواء داخل الصيدليات أو فى السوق السوداء. وأوضح «التركمانى» أن البنية الإدارية والمؤسسية فى غزة تعرضت لانهيار واسع نتيجة الاستهداف الإسرائيلى المباشر، حيث طال القصف مؤسسات الدولة بكاملها بما فى ذلك أجهزة المساءلة والمحاسبة. وأشار إلى أن الاحتلال استهدف أعضاء المجلس التشريعى، وأفراد الشرطة المدنية، ومسئولين فى الوزارات والهيئات الحكومية، وهى الجهات المسئولة عن الرقابة وتحديد الأسعار وملاحقة المخالفين.

وأكد «التركمانى» أن هذا الاستهداف الممنهج أضعف منظومة المساءلة وأوجد حالة من الفلتان الأمنى، معتبراً أن الهدف منه نشر الفوضى وتقويض السلم الأهلى والنظام العام فى القطاع. كما لفت إلى أن الاستهداف لم يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل شمل كذلك العاملين فى المجال الإغاثى المحلى والدولى والحقوقيين، ومن بينهم زميلهم، رأفت صالحة، مدير مكتب غزة والشمال فى الهيئة، الذى استشهد فى يناير الماضى بالمنطقة الوسطى أثناء تأدية مهامه. وبشأن احتمال وجود تواطؤ من بعض التجار أو العاملين فى القطاع الصحى بتمرير الأدوية منتهية الصلاحية، أوضح منسق التحقيقات فى الهيئة أنه لا تتوفر لديهم أى معلومات بهذا الخصوص، مضيفاً أن الهيئة لم توثق أضراراً صحية أو حالات محددة نجمت عن تناول أدوية منتهية خلال الفترة الأخيرة. كما نفى تلقى أى شكاوى تشير إلى قيام منظمات إغاثية دولية بإدخال أدوية قاربت أو تجاوزت تاريخ انتهاء صلاحيتها أثناء العدوان، مؤكداً أن الهيئة لم ترصد فروقاً جوهرية بين مناطق القطاع فى انتشار الظاهرة.

وخلال التحقيق، تحدثنا مع نحو 10 حالات إضافية، كما قمنا بتوثيق حالات أخرى تناول أصحابها أدوية منتهية الصلاحية وأصيبوا بمضاعفات خطيرة. وحاولت معدّة التحقيق مراراً التواصل مع مسئولين وجهات ذات علاقة للاستفسار عن تورطهم فى دخول أو بيع هذه الأدوية داخل قطاع غزة، لكن الردود قوبلت بالرفض أو الامتناع عن التعليق. كما تم التواصل مع عدد من السماسرة وعرض الأدلة التى تثبت ضلوعهم فى المتاجرة، لكنهم بدورهم رفضوا الرد أو التوضيح. حتى منظمة الصحة العالمية، التى تُعد من أبرز الجهات الفاعلة فى ملف توريد الدواء إلى القطاع، لم تُعقّب على استفساراتنا، لتظل الأسئلة بلا إجابة.


مواضيع متعلقة