«هعمل أفضل وأحسن تغطية.. هصور تاني وتالت لحد ما يطلع التصوير بأعلى جودة.. هشتغل على كل حاجة بتتحرك فى إسكندرية القديمة والجديدة.. الزملاء المراسلون في الصحف المنافسة بيشتكوا منى علشان بشتغل كثير ولا كأني شاب لسه متخرج جديد فى العشرينات.. عندي فكرة لايف.. عندي فكرة تحقيق.. تساعديني يا مديرتي؟». كل هذه العبارات اليومية نطقت بها أذنى وتنادت على مسامعى فى اللحظة التى أخبرتنى فيها زوجة الزميل العزيز جداً خالد غنيم عندما قالت لى باكية: إلحقينى خالد بيموت! ضرب الوجع فى قلبى وخفق، توقف لسانى عن الكلام، وانهمرت عيونى بالدموع.. صوت قوى بداخلى يهتف وكأنه يواجهنى: خالد بيموت.. ده لسه بيتكلم فى الشغل حالاً.. إزاى.. ده لسه من دقايق كان لايف من البحر.. ده من شوية باعت تقرير ورفعه على اللوحة؟
خالد بيموت إزاى وهو باعت تقريره الأسبوعى عن شغل كله فى الأسبوع المقبل؟ ده الأفضل خلال الشهر ده؟
انهارت قدماى فجأة ووجدتنى وقد جلست عاجزة عن الحركة من هول الصدمة وانهيار الحياة فى لحظة.. لحظة انتهى فيها كل شىء.. وجدتنى أسأل: طب وأحلامك يا خالد الكثيرة اللى نفسك تحققها اللى كنت بتكلمنى فيها يومياً؟
طب والعوض اللى منتظره بعد سنوات طويلة كنت بتتمناها علشان اسمك يلمع أكثر فى الصحافة من جديد!!
خالد غنيم مات فى لحظة، رغم أنه يومياً يتشاجر معى ويسألنى هو فيه حد عندك يا دكتورة فى طاقم المراسلين بقسم المحافظات أفضل منى؟ ده يومياً فى الشارع والأكثر إنتاجاً؟ كان يعاتبنى بتقدير بالغ عندما أستفزه بجواب لاستخراج أكبر طاقة عمل، وأقول: نعم هناك من هو أفضل منك هذا الأسبوع.. يرد فى أدب: بس انتى عارفة إنى شغال وشاطر وفى الشارع ليل ونهار علشان أعوّض اللى راح من حياتى!
مات خالد غنيم صاحب القلب النابض بحب مهنة الصحافة.. ماتت أحلامه فجأة وانتهى كل شىء، اللهم إلا سيرة طيبة.. جرى قدر الله بعد ٣ سنوات فقط من عمله معى داخل قطاع المحافظات كمراسل فى الإسكندرية.. تمنى فيها الالتحاق بعضوية نقابة الصحفيين.. كثيراً ما تحدث معى عن أحلامه وأمنياته.. وعدته خلالها ببذل كل ما أستطيع من جهد لمساعدته فى تحقيقها بقدر صلاحياتى وقدر محبتى ومشروعية أحلامه المؤجلة! تحسست من العمل معه فى البداية، لكن بمرور الوقت صار الأقرب والأطوع فى تنفيذ مهام تكليفات العمل، كل طلباتى منه فى العمل مُجابة فى سهولة ويسر بكلمة واحدة: فوراً يا دكتورة.
كان سريع الغضب، طيب القلب، غضوباً جداً لكنه سهل هيّن ليّن، جابراً للخواطر، كان عاشقاً لـ«الوطن» ويراها أفضل صحيفة فى العالم، ويتمنى دوماً ريادتها، وكان مُحباً لنا جميعاً، كان صحفياً قديراً يعمل على تطوير نفسه وأدواته طوال الوقت، لكن الحياة لم تمنحه فرصة أخيرة لتحقيق أحلامه! رأيت الحزن العميق فى جنازته، ارتسمت الحسرة على الوجوه، رجال ونساء وأطفال يبكون.. بكى والده ذلك الرجل المُسّن بكاء مريراً وقال لى بلهجة صعيدية: موت ولدى خالد قسم ضهرى.
رأيت طفلته الصغيرة تنتحب، وبكاء ابنه محمد الذى كان يلوم نفسه لأنه آخر من ودّعه وأغلق عليه المقبرة بيديه!
مشاهد تشييع الجنازة كانت مؤلمة جداً، ولكنها ذكرى خالدة فى رحيل الزميل العزيز جداً الكاتب الصحفى خالد غنيم، الصحفى، والأستاذ والمراسل الأشطر، والشخص النبيل.. السلام والرحمة لروحك يا خالد وبرداً على قلوب أحبائك وأولادك الأربعة أحمد ونور ومحمد وجنة.. وزوجتك المكلومة على فراقك ورحيلك.. إلى اللقاء يا خالد.