«غزة».. الدار صارت خيمة| «سيدة الأرض» ملحمة من فلسطين «الحلقة الثانية عشرة»
«غزة».. الدار صارت خيمة| «سيدة الأرض» ملحمة من فلسطين «الحلقة الثانية عشرة»
تحقيق - محمد علي حسن وماريان سعيد:
«هذه هى الحسناءُ غزة فى مآتمها تدور ما بين جوعى فى الخيام وعطشى فى القبور»، رغم ما تعبر عنه أبيات شعر معين بسيسو، فإن أكثر المتشائمين لم يكن يتوقع أن يرى ما يمر به القطاع منذ عامين وحتى الآن.. فتشنا بين قصص وحكايات أهالى غزة حتى استوقفنا أمام فصل جديد خطته الأحداث فى حياة سهى شعث، تلك الأم والزوجة العاملة فى القطاع الطبى والنازحة، بين المآسى والدموع وتأدية واجبها وصمودها من أجل أفراد أسرتها وأوجاع مرضاها.
«سهى» روت لنا رحلتها فى الثبات، وأملها فى وقف الحرب التى غيرت حياتها رأساً على عقب، بين الأحلام للحصول على أبسط حقوقها كإنسانة، وقصف الاحتلال الذى صار كوابيس معتادة، وخوف على مستقبل عائلة أصبح مجهولاً.
فى قلب خيمة صغيرة نُصبت على أطراف «المواصى» فى مدينة خان يونس، تنكمش عائلة الصيدلانية سهى شعث تحت سقف من القماش لا يصد الريح ولا المطر، بعد أربع محطات من النزوح القسرى، وحياة حُشرت فى حقائب صغيرة وذكريات أثقل من أن تُحمل هنا، لا شىء يشبه الحياة سوى التمسك بها، ولا وقت للتفكير فى الغد، فاليوم وحده معركة من أجل شربة ماء، أو رغيف خبز يقتسمه أفراد الأسرة.

فلسطينية تروى معاناة أهالى القطاع: الموت يحيط بنا من كل اتجاه
بنبرة سئمت من الحياة تحدثت «سهى» عن الأوضاع المعيشية فى «غزة»، فهى قاسية إلى حدٍّ لا يُوصف؛ الاكتظاظ البشرى هائل، ومقومات الحياة الأساسية شبه معدومة، كل شىء يتحول إلى طابور طويل: طابور للمياه الصالحة للشرب، طابور آخر لمياه الغسيل والاستحمام، وطوابير أخرى أمام «التكايا» للحصول على وجبة.
«المعاناة الأكبر تتمثل فى الحصول على الدقيق، كما أن ما يمكن وصفه بالمعركة للحصول على الدقيق كفيل وحده بأن يستهلك الطاقة والأعصاب؛ أحياناً تضطر للسير عشرات الكيلومترات إلى ما نسمّيه نقاط الموت بحثاً عن كيس واحد، وقد تعود به، أو قد تعود محمولاً على الأكتاف، وإن لم تحصل عليه، تضطر لشرائه من السوق بأسعار فلكية»، بحسب حديث «سهى» لـ«الوطن».
وبصوت أم تفكر فى أبنائها، تقول: «لا وجود للدجاج، أو اللحم، أو البيض، ولا فواكه أو خضراوات، حتى السكر اختفى من الأسواق، طعامنا اليومى أصبح يعتمد بالكامل على المعلبات، العدس، والمكرونة، وجبات متكررة إلى حد الملل، لكنها ما تبقى لنا لنعيش».
وبلهجة يائسة تقول الأم لستة أبناء إنها كأم وموظفة فى المجال الطبى تكافح جاهدة لتأمين أدنى مقومات الحياة لأبنائها، فكل فرد له وجبة واحدة فقط فى اليوم، وحصتهم كلهم اليومية من الخبز لا تتجاوز رغيفاً واحداً نقتسمه طوال النهار، وتتابع بضيق شديد: «معظمنا نتضور جوعاً، لكن ما باليد حيلة».
نخوض معارك يومية للحصول على الدقيق.. وأحياناً نضطر للسير عشرات الكيلومترات للحصول على كيس واحد وغزة بها 1.1 مليون أنثى منهن 546 ألفاً فى سن الإنجاب.. وأكثر من 2784 امرأة أصبحن أرامل بعد وفاة أزواجهن
يوجد فى غزة 1.1 مليون أنثى بما نسبته 49.3%، منهن نحو 546 ألف أنثى فى سن الإنجاب (15-49) سنة، وهناك أكثر من 2784 امرأة أصبحن أرامل وربات أسر جديدات بعد وفاة شريكهن، وكل ساعة يُقتل اثنتان من الأمهات، وكل ساعتين تُقتل 7 أمهات فى ظل استمرار حرب الإبادة على القطاع.
وفى وصف عام لما يمرون به، تقول: «بدأت أعراض الهزال، والإرهاق، وانخفاض معدلات السكر فى الدم، وحتى الأنيميا الحادة، تظهر علينا كطواقم طبية ومرضى على حد سواء. حتى الآن، لم تصل أى مساعدات إلى منطقتى بسبب الفوضى التى ترافق مرور الشاحنات، واستهداف الاحتلال لأى عناصر تأمين، فالفوضى هى سيدة الموقف فى غزة اليوم».
نعانى نقصاً حاداً فى الأدوية والمستلزمات الطبية وحتى أدوية المسكنات لم نجدها والمرضى والمصابون يفقدون حياتهم بسبب الاكتظاظ الشديد داخل غرف العمليات
فالفوضى لا تقتصر على منع وصول المساعدات فقط، إنما مستشفيات غزة تضج بالمصابين الملقَين على الأرض وفى الممرات لعدم توافر أسرّة كافية، ناهيك عن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وحتى المسكنات، كثير من المرضى والمصابين يفقدون حياتهم بسبب نقص الأدوية، أو بسبب الاكتظاظ الشديد فى غرف العمليات، وفقاً لـ«سهى».
وتقول «سهى» وكأنها تعود بالزمن للوراء: «حتى أبسط لحظات الراحة، كإعداد كوب شاى، تحولت إلى مهمة شاقة تستغرق نصف الساعة على الأقل فقط لإشعال النار وغلى الماء، وبعد الانتهاء، تبدأ معاناة التنظيف، إذ يتسخ كل شىء باللون الأسود من أثر الرماد، ما يجعل الجلى مهمة مضاعفة ومتعبة، الحياة صعبة جداً جداً جداً، نحن الغزاويين، وأنا واحدة منهم، أسوأ كابوس مررنا به لم يكن بهذا الشكل. فعلاً، الله لا يذيق أحداً ما ذقناه».
بين دورها كأم، ودورها كعضو فى الطاقم الطبى، تقف أمام معادلة مستحيلة لا تقبل التضحية بأحد الطرفين، تقول الصيدلانية التى فصلها عن الحصول على درجة الدكتوراه 3 أشهر قبل اندلاع الحرب: «لا أستطيع، كحالة إنسانية، أن أتنازل عن أىٍّ منهما، أنا ملزمة بواجب وطنى وإنسانى ودينى أن أقدم كل ما أستطيع من خدمة للمرضى، حتى آخر لحظة أقدر فيها على العطاء».
وتتابع ويختلط فى عينيها بريق الأمومة بالمسئولية، وكأنها تحمل فى قلبها مريضاً وطفلاً فى آن واحد، كلاهما بحاجة إلى دفئها وحمايتها، وتصف إحساسها وهى تتركهم خلفها: «أشعر وكأننى على حد السكين، طوال الوقت، طالما أنا بعيدة عنهم، قلبى يركض خلفهم أينما ذهبت»، تدرك أن الخطر يحيط بهم حتى حين يجتمعون فى مكان واحد، لكن وجودهم معاً يمنحها عزاءً صغيراً وسط العاصفة، وكأن اللحظات التى تجمعهم - ولو تحت القصف - تخلق درعاً خفية من الطمأنينة المؤقتة، تجعلهم قادرين على مواجهة الخوف كتفاً بكتف، وعندما يحين وقت المغادرة، تظل اللحظات الأخيرة مثقلة بالقلق. وتتذكر «سهى» أيام المناوبة الطويلة فى مستشفى النقابات، حيث كان النوم رفاهية بعيدة المنال، وتقولها وكأن الأرق أصبح رفيقها الدائم، يتغذى على صور الوجوه التى تركتها خلفها، وعلى أصوات الإسعافات التى لا تنقطع هناك، بين أروقة المستشفى، لا ينتهى العمل مع انتهاء الدوام، بل يمتد فى ذاكرتها حتى يسرق من عينيها القدرة على الإغلاق. وتروى «سهى» كيف تتحول ليالى المناوبة إلى سهرٍ ثقيل، حيث يظل قلبها معلّقاً على الأخبار، وأصابعها تبحث عن أى وسيلة للتواصل مع أسرتها، تسمع دوى الضربة قريباً منها، فيسمعونه هم أيضاً هناك، وكأن الانفجار يمدّ خيطاً مرعباً يصل بين أماكنهم، وتقول: «عن جد بتكون حامل روحك على كفك، وقلبك بتتركه وراك»، وفى كل مرة تنجو فيها من القصف، تشعر وكأنها استعادت قلبها للحظات، قبل أن تعود وتحمله فى يدها مرة أخرى نحو المجهول.
تعود «سهى» بذاكرتها إلى أيام النزوح، حيث يتحول البيت إلى ذكرى والحقائب إلى حياة كاملة تُضغط فى مساحة صغيرة: (أهم إشى، طبعاً، وانت فى النزوح، بدك تاخد مش كتير، يعنى ما تضطر تعمل حاجات كتيرة)، تتذكر أول نزوح لها فى الصيف، حين لم تحمل معها أى قطعة شتوية، فقط بعض المعلبات الصغيرة وحقيبة على الكتف، كأنها تكتفى بما يسد الجوع ويحمل الاسم، تاركة وراءها كل ما هو أثقل من قدرتها على حمله.
وتشير الطبيبة الفلسطينية إلى أن النزوح يعلّمك سريعاً معنى الاختيار القاسى، فـ«أهم شىء»، كما تصفه، هو الأوراق الرسمية: شهادات الميلاد، شهادات المدرسة.. تلك الوثائق التى تحمل أسماء العائلة وتاريخها، «أكثر من هيك ما بتقدر تاخدى إشى»، تضيف وهى تستعيد لحظة قررت فيها أن تمنح مساحة الحقيبة المتبقية لذكرى لا تقدر بثمن؛ ألبوم الصور العائلية، لم تستطع أن تتركه خلفها، فبعض الأشياء ليست أوراقاً أو ملابس، بل هى روح البيت التى ترفض أن تُدفن تحت الركام.

وتتابع: «أكثر من هذا لم آخذ، حتى لا أذكر أنى حملت بطانية أو مخدة أو أى شىء من هذا القبيل»، كان ذلك فى النزوح الأول، حين كانت وجهتها إلى منطقة السطر، وهناك كانت الصدمة الكبرى؛ فالبيت الأول، بيت العمر، كان قد سُوى بالأرض، لم يكن النزوح هذه المرة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كان خروجاً من حياة كاملة إلى فراغ لم يُعرف بعد كيف يُملأ.
تتذكر الطبيبة الفلسطينية تفاصيل النزوح الأول بوضوح مؤلم، حين غادرت من منطقتها فى أيام الحرب الأولى حديث الناس لكثرة ما شهدت من قصف، هناك، تحوّل المكان إلى حزام نارى يطوق البيوت، قذائفه ثقيلة الوزن تخترق كل جدار يشتبهون بأن خلفه حياة أو مقاومة، وفى لحظة حصار النيران، ضمّت أسرتها وأبناءها الشباب والبنات إلى صدرها، وجلست تتشهد، كأنها تودع الدنيا على أمل أن يكتب الله لهم النجاة.
وقت دخول «خان يونس»، فى ديسمبر 2023، لحظة اقتلاع قاسية من المكان الذى كان يحمل ذكرياتها وأمانها، بداية مسار طويل محفوف بالخوف والحرمان، وكأنها طُردت من قلب حياتها إلى المجهول.
تصف «سهى» تلك اللحظة بمرارة: «يتصلون بك أو يرسلون خريطة الإخلاء.. ولا يكون لديك وقت، فى أحسن الأحوال إذا كانوا كرماء يمنحونك ثلاث ساعات، وأحياناً ثوانى فقط»، وتدعوك لتتخيل: بيتك، حياتك، عمرك، ذكرياتك.. كل زاوية تحمل لحظة جميلة، كل جدار شهد دموعك وضحكاتك، بيتك المجبول بدمك ودم أولادك وعائلتك، بدم أحلامك وطموحاتك، بأفراحك وأحزانك.. فجأة يصبح كله على قائمة الفقد.
وتكمل الطبيبة بصوت يختلط فيه الألم بالعجز: «فى لحظة واحدة، عليك أن تختصر كل هذه الحكاية.. أن تُلخّص بيتك وحياتك وذكرياتك كلها فى شنطة صغيرة، ثم تنسحب»، تتساءل فى قلبك: «ماذا ستأخذ؟ ماذا ستترك؟ كل شىء غالٍ، لا بالغلاوة المادية، بل الغلاوة التى تسكن الروح، كل زاوية تذكّرك بلحظة، كل حجر وبلاطة وكرسى يحمل جزءاً منك، وها أنت مضطر أن تتركه خلفك، وكأنك تُسلّم روحك قطعة قطعة». تصف الطبيبة لحظة الرحيل وكأنها تُفرغ قلبها على الورق: «كيف أستطيع أن أترك ذكريات أولادى وهم يكبرون؟ لحظاتنا الحلوة، ضحكاتنا التى عشناها معاً؟»، لم يكن أمامها وقت، خرجت من بيتها وفى يدها حقيبتان فقط، تحملان ما تبقى من حياة عائلة كاملة.
كانت الرحلة فجراً، على وقع دوى المدافع وانفجارات القصف، لكن الوصول لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية رحلة عذاب أخرى هناك، يتجرد الإنسان من كل آدميته، وينسلخ عن خصوصيته، ليصبح مجرد رقم فى طوابير النزوح؛ طوابير على الماء، على وجبات الإغاثة، على الغاز، وحتى على بضع قطرات من الماء الصالح للشرب، الشمس تحرق الأجساد بلا ساتر، والبرد يلسعهم بلا حاجز، وبينهما لا مكان لراحة أو أمان»، وفقاً لـ«سهى».
تتذكر الطبيبة شتاءها الأول فى الخيام، وكأن برده ما زال يسرى فى عظامها، تقول: «تخيّل أنك تنام بينما المطر ينهال بلا توقف، وعندما يتسرّب إلى داخل خيمتك، لا تجد طوال الليل لحظة راحة أو دفء».
فى أحد الأيام، كانت فى المستشفى حين اشتدت الأمطار بشكل غير مسبوق، حتى أسقطت خيمتها لم تكن بجانب أسرتها حينها، وفجأة رنّ هاتفها: «يا ماما، إلحقينا!»، هرعت عائدة، لكن بعد ثلاث ساعات من القلق كانت الكارثة قد وقعت.. الملابس، البطاطين، الفُرش، كلها غارقة فى الماء. حاولوا نشرها وتجفيفها كيفما استطاعوا، لكن تلك الليلة ناموا على فُرش مبللة، بلا بطاطين، وفى قلب بردٍ قارس، يلتصق الجسد فيه بالرطوبة، كأنها قدر لا فكاك منه.
بعد أربعة أشهر من المعاناة فى الخيام، عادت الطبيبة إلى وسط خان يونس، تلمس بصيصاً من حياة أفضل، بعيداً عن «حياة الذل» كما تصفها: «الخيام تسلب الإنسان كرامته، تمتهنه بلا خصوصية، بلا أدنى مقومات الإنسانية». تقول «سهى» وهى تستعيد مرارة التجربة، لكن ما إن بدأت تتنفس قليلاً من الأمان، حتى جاءت إنذارات الإخلاء من جديد، بعد أربعة أو خمسة أيام فقط من استقرارها، كانت ترفض تكرار المأساة حتى وصلها إنذار جديد: خريطة إخلاء شاملة لكل مدينة خان يونس، والمغادرة فورية. «لم أحضر شيئاً.. لا أعرف ماذا سآخذ، ولا ماذا أترك؟»، تقول وهى غارقة فى دوامة الحيرة فى ثوانٍ، يتحول البيت والمكان إلى ذكرى، وتتجمّد القدرة على التفكير: «كنا نعتقد أننا خرجنا ولن نعود.. واليوم، كل أهل خان يونس بلا استثناء يفكرون فى المصير نفسه»، تروى «سهى» بنبرة تجمع بين الذهول والانكسار، وكأن الخطر أصبح جداراً يحيط بالمدينة من كل الجهات.

تتحدّث «سهى» عن التفاصيل التى يعرفها كل نازح: نصب الخيمة من الصفر، تدبير حمام مشترك قد تستخدمه خمس أو ست أو سبع عائلات معاً، وانعدام الخصوصية إلى حدٍّ يُجرّد الإنسان من آدميته، «فاللحظة هذه أصعب ما يمكن أن يمر به أى غزّاوى.. حين تصلك خريطة الإخلاء، أو يرن الهاتف لتسمع الأمر: اخلى فوراً».
تصف الطبيبة شعور أهل خان يونس اليوم بأنه أشبه بالعيش فى ظل سيناريو يخافون من أن يتكرّر: «المدينة قد تتحول إلى أثر بعد عين، أو تصبح مدينة أشباح لا يعود إليها أهلها أبداً». وتتابع: (بعد 4 تهجيرات أتحدث وأنا أعتقد أننى غداً سأغادر المنطقة التى أعيش فيها)، قالتها «سهى» بنبرة الاستسلام بكل ما تحمله من قسوة حياة الخيام.
وتشير الطبيبة الفلسطينية إلى أن الكارثة لا تتوقف عند حدود مسئوليتها تجاه أسرتها، بل مسئوليتها تجاه المرضى وواجبها الإنسانى الذى يُحتمه عليه ضميرها، خصوصاً بعد فقدان الأدوية الأساسية، بل تمتد إلى غياب بروتوكولات التحضير الكيميائى لعلاج السرطان، وحتى المسكنات القوية، مثل المورفين، لم تعد موجودة.
«تخيلوا هذه الفئة الهشّة اجتمع عليها ثلاث كوارث: المرض نفسه، والحرب، والنزوح، والآن الجوع أيضاً»، تصفها الطبيبة الفلسطينية بأنهم فئة مظلومة إلى أبعد حد، إذ كان كثير منهم من المفترض أن يُحوَّلوا للعلاج فى الخارج، لكن نقص الدواء فى غزة، مع إغلاق المعابر، حرمهم حتى من هذا الأمل الأخير، ومع مرور الأيام، أصبح غياب الأدوية ومنع السفر يسهمان بشكل مباشر فى زيادة أعداد الوفيات، وكأن الموت قد أحاط بهم من كل الجهات، دون أن يترك لهم نافذة نجاة.
وتُخفض «سهى» صوتها وهى تستعيد أصعب ما فى عملها خلال الحرب: «يومياً كنت أرى المرضى شباباً، أطفالاً، نساءً، شيوخاً، (كلهم قدامى زى الزهور بتذبل، وأنتِ مش قادرة تعملى إشى)، تراقب الروح وهى تنسحب تدريجياً من أجسادهم، والحياة تغادرهم ببطء، فيما يداها مكبلتان بعجز قاسٍ لا فكاك منه، وتقول بنبرة عاجزة «نحاول طبعاً، بأقل القليل، بأقل الإمكانيات، أن نساعد ونُقدّم كل ما نقدر عليه، لكن النقص الحاد فى الأدوية، وغياب المسكنات، كان أكبر من أى جهد، وأقوى من أى إرادة، حتى باتت المعركة مع الموت غير متكافئة، والمرضى يخسرونها واحداً تلو الآخر».
تقول «سهى»: «أنا متخصّصة فى علاج الأورام، لكن حين كنا فى مستشفى ناصر، كنا نرى الجرحى أيضاً، كان شباك قسمها يطل مباشرة على المشرحة، أو كما يسمونها غرفة الوفيات، المكان الذى تصل إليه جثامين الشهداء أولاً، قبل أن تدخل الثلاجة أصعب ما يمكن أن تراه فى المستشفى، الشهداء وهم قادمون، لا يأتى الشهداء دوماً عبر سيارات الإسعاف، فقد يصلون محمولين على الأكتاف، أو على عربات الجرّ التى تجرّ عادة بالحيوانات، بعضهم يصل جسده كاملاً، وآخرون لا يتبقى منهم سوى نصف الجسد أو ما يمكن جمعه فى كيس صغير، صعب جداً أن ترى الإنسان، الذى كرّمه الله، فى النهاية لا يزيد عن قبضة يد».
تتوقف الطبيبة الفلسطينية عند واحدة من أقسى لحظات الحرب بالنسبة لها: فى بدايتها، استُشهدت شقيقة زوجها مع زوجها وخمسة من أطفالها: «لا أستطيع أن أصف أن تراهم أمامك ملفوفين بالكفن الأبيض تتساءل بينك وبين نفسك: ما الجريمة التى ارتكبوها؟ أحد الأطفال كان فى الرابعة عشرة من عمره، مفعماً بالحياة، يملأها حبّاً ونشاطاً، لكن الموت أخذه مع الجميع».
تستكمل الطبيبة الفلسطينية حديثها وهى تحبس دموعها: «فى تلك اللحظة، لا تستطيع إلا أن تصرخ.. أن تلعن العالم كله.. أن تقول: أى ذنب جعلهم جميعاً يموتون؟، لكن الفقد لم يكن وحده ما يثقل صدرها، فقد عانوا أيضاً من نقص طبى خانق، القفازات، المشارط، الأدوية، الكحول، المعقمات، وحتى القطن نفسه، معظم الحالات المتوسطة، التى يُفترض أن تبقى فى المستشفى، كنا نضطر لإخراجها لإفساح المجال لمرضى أو جرحى آخرين»، واصفة المشهد بأنه سيل هائل من المصابين يفوق قدرة الطواقم الطبية على الاستيعاب، حتى بات التعامل مع الأعداد الهائلة مهمة شبه مستحيلة.
وتصمت بضع دقائق وتتحدّث مرة أخرى بصوت مثقل بالعجز «أحياناً لا نجد حتى الكحول، فما الذى يمكننا فعله؟ مرّت علينا أيام لم نجد فيها حتى حبة واحدة لعلاج الصداع، أمام هذا النقص القاتل، لم يكن أمامهم سوى البحث عن بدائل مهما كانت ضعيفة التأثير، كنا نلجأ لأى خيار يمكن أن يعطى ولو 30% من المفعول، لأنه لم يكن أمامنا شىء آخر».
تقول «سهى» محاولة الحفاظ على نبرة واقعية وسط الإحباط: «أنا عاجزة جداً، شعور باليأس يثقلنى، لكن الأمل -مهما كان ضعيفاً- لا يزال موجوداً، غير أن الواقع لا يرحم؛ فالموت يقترب من الجميع، والأحلام والطموحات تتساقط أمام أعينهم، المشى فى شوارع المدينة صار مواجهة يومية مع الخراب: مبانٍ مهدّمة، حياة محطمة، ومدينة تتساءل كيف يمكن أن تعود لها الروح، أعتقد أن الكل تآمر علينا، لا أستثنى أحداً».
تصف الطبيبة أن معاناة النساء فى النزوح تضاعفت بشكل لا يُحتمل، إذ تحوّلت أبسط المهام اليومية إلى عبء جسدى ونفسى هائل فحتى غسل الصحون أو الملابس صار تحدياً، فى ظل انعدام المياه فى الحنفيات، ما يضطرهن لملء الجرادل ونقلها يدوياً، ثم الغسل على الأيدى، أما الطهى، فصار يعتمد على إشعال النار بدل الغاز، وهى نار تملأ العيون بالدخان، تسبب التهابات فى الصدر، وتثقل التنفس، الأمور الأساسية التى كانت بديهية تحوّلت إلى معاناة مضاعفة، كنت أرجع من عملى وأحضر الغداء فى ساعة، أما الآن فأحتاج ثلاث ساعات على الأقل، أعود الساعة الثالثة، ولا يكون الطعام جاهزاً قبل السادسة، بسبب عناء إشعال النار وتحضير الطبخة الأولى».
وتضيف أن قائمة الطعام صارت فقيرة ومحدودة، بعدما اختفت الخضراوات والفواكه واللحوم والأسماك من حياتهم: «كل أكلنا أصبح معلبات، مكرونة، أرز، عدس، فاصوليا، بازلاء، صارت المعلبات أسوأ ما فى الدنيا، لكنها أصبحت حياتنا».
لا تملك «سهى» سوى أن ترفع عينيها نحو السماء، وكأنها تبحث عن مساحة أمان خارج هذا العالم المزدحم بالقصف والجوع والبرد ما تبقى لها ليس بيتاً ولا شارعاً ولا ذكريات آمنة، بل قدرة غريبة على الاستمرار، حتى وهى تسير على حافة الانهيار فى غزة اليوم، ليست المعركة فقط مع القذائف والرصاص، بل مع فكرة البقاء ذاتها، و«سهى» مثل آلاف الغزّيين، تحارب على جبهتين، جبهة الحياة لأطفالها، وجبهة الحياة لمرضاها، فى حرب لا يُعرف متى تنتهى، لكن تُعرف جيداً آثارها التى ستظل محفورة فى الأجساد والقلوب إلى الأبد.