وزارة الحرب.. «ترامب» يسمى الأشياء بمسمياتها

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

لم يكن قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بإعادة تسمية «وزارة الدفاع» لتصبح رسمياً «وزارة الحرب» مجرد تغيير لوحة على باب «البنتاجون»، لكنه إعلان صريح عن استعادة روح الفلسفة القديمة، التى تتبناها الإمبراطورية الأمريكية، الأكثر تسلحاً فى التاريخ.
قرر «ترامب» - ببرجماتيته المعهودة - أن يقطع الشك باليقين، لماذا تدعى الولايات المتحدة أنها تدافع عن نفسها، بينما توجد قواتها فى أنحاء الكرة الأرضية؟


الرئيس الأمريكى يتعجل دخول التاريخ كأحد أقوى من جلسوا على المكتب البيضاوى، وقراره هذا يترجم ما تخالجه نفسه: «سأجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، ويعرف أن الطريق إلى العظمة التى يتصورها يجب أن يمر عبر التسميات الدقيقة للأشياء، فلم يعد اسم «البنتاجون» مناسباً، ولم يعد لقب «وزير الدفاع» كافياً ليعكس الهيبة المطلوبة. هو الآن «وزير الحرب»، وربما قريباً يتم استحداث منصب «وزير القصف الأول» أو «سكرتير الصراعات عابرة القارات».


أعلن البيت الأبيض أن الهدف من تغيير الاسم هو «فرض السلام من خلال القوة»، عبارة قد تكون موحية، لكنها متناقضة أيضاً، تذكرنا بما قاله «جورج أورويل» فى روايته الأشهر «1948»: «الحرب هى السلام»، لكنها هذه المرة ليست خيالاً أدبياً، بل هى واقع تصل تكلفته المبدئية إلى نحو مليار دولار.


ورقم المليار دولار قد يثير دهشة الفقراء، لكنه فى أمريكا، وفى عهد «ترامب» تحديداً، الذى يعرف من أين تؤكل الكتف، يبدو مناسباً تماماً مع ضرورة تغيير الأوراق الرسمية، واللوحات، والعلامات، والأختام، والموقع الإلكترونى، والأقلام التى تحمل الشعار القديم.
وصرح أحد مسئولى «البنتاجون» لوكالة «فرانس برس» بأن هذا التقدير الأولى للتكلفة سيتغير عند التنفيذ الفعلى.


توقيت القرار لافت، ذهنية المحللين السياسيين رجحت أنه (القرار) لم يأتِ من فراغ، وربطته بالاستعراض العسكرى الصينى المهيب يوم 3 سبتمبر الجارى، فى العاصمة بكين، الذى جمع بين رؤساء الصين وروسيا وكوريا الشمالية.


وربما شعر «ترامب» بغُصة فى حلقه - أو قلبه - وهو يرى اجتماع هؤلاء «المناهضين للهيمنة الأمريكية»، وقد سارت الدبابات الصينية أمامهم فى انسجام تام.


المؤكد أن «ترامب» تذكر ذلك الاستعراض الأمريكى المخزى فى «ألاسكا» أثناء لقائه الرئيس بوتين، حيث بدا جنود الجيش الأمريكى وكأنهم طلاب فى استعراض مدرسى.


قدمت الصين عرضاً للقوة المنظمة، بينما قدمت أمريكا عرضاً للارتباك، يا لها من معضلة، حلها هو تغيير اسم الوزارة، هذا الحل أسرع، وأقل تكلفة من شراء دبابات جديدة، أو تدريب الجنود على السير بشكل متوازن، كما فعل جنود جيش التحرير الشعبى الصينى.


وهكذا أراد «ترامب» إرسال رسالة قوية مبطنة، إلى كل الخصوم، تشير إلى أن «واشنطن» جادة ومستعدة للرد. ولكن من الناحية الأخرى، يبرز التناقض، فالرئيس الأمريكى يروج لصورته كصانع سلام، ويطارد جائزة نوبل، وكأنه ينتظر بيضة الديك، فكيف يمكن لوزارة «الحرب» أن تساعد فى إنهاء الصراعات؟


الديمقراطيون وصفوا القرار بأنه «لعبة سياسية باهظة التكلفة للرئيس الجمهورى الملياردير»، لم يستطيعوا إخفاء حيرتهم، فبلادهم ليست فى حالة حرب تقليدية الآن، ولا حتى فى حرب باردة، فلماذا تعلن عن نفسها كدولة حرب بشكل رسمى.


قرار «ترامب» ربما يثير «قلقاً حقيقياً» لدى حلفاء بلاده، لأن «واشنطن» اعتادت تقديم نفسها على أنها قوة استقرار، ودرع دفاعية لحلف الناتو، وللحلفاء فى آسيا أيضاً، ومع «وزارة الحرب»، قد يبدأ الحلفاء فى التساؤل: «هل نتحالف مع دولة دفاع، أم مع دولة حرب؟، وهل ستستخدم قواتنا فى الدفاع المشترك، أم فى الحروب المشتركة أيضاً؟». الخطوة بلا شك مثيرة لقلق الحلفاء الذين سيرون أن أمريكا لم تعد تهتم حتى بمظهر الدفاع، وانتقلت إلى العدوانية الصريحة، ويبدو الصديق عنيفاً، وهو يصر على حمل خنجره فى حفل شاى هادئ، مبرراً ذلك بأنه لـ«الحماية»!


قرار «ترامب» يعكس قناعته بأن تغيير الاسم يغير المضمون أيضاً، وإذا سمينا الشىء بشكل أكثر شراسة، فسيصبح أكثر شراسة، وإن استبدلنا كلمة «الحرب» بـ«الدفاع»، فسيعود الاحترام للولايات المتحدة.


الرئيس الأمريكى المفتون بسحر الكلمات لا يعلم أن الإمبراطوريات لا تسقط بسبب أسمائها، ولكن بسبب سياساتها، وقد ينجح فى إرهاب البعض بالاسم الجديد، لكنه فى الوقت نفسه يعزز صورة الدولة المرتبكة، التى تفضل الشكل على المضمون.


سيظل العالم مشغولاً لفترة طويلة بالبحث عن الخطأ الكبير الذى ربما قد وقع فى «واشنطن»، حتى قرروا أن يخبرونا علناً أن لديهم «وزارة حرب»، والجواب بسيط، فعندما تفشل فى أن تبدو قوياً فى «ألاسكا»، فيمكنك أن تبدو قوياً فى الوثائق الرسمية، واللافتات الإرشادية، وربما تهتز أعصاب المناهضين للهيمنة الأمريكية. وإلى لقاء آخر مع فقرة أمريكية جديدة.