ما الذي تفكر فيه روسيا وأوكرانيا؟.. «استنزاف بلا نهاية» في أكبر معارك القارة العجوز
ما الذي تفكر فيه روسيا وأوكرانيا؟.. «استنزاف بلا نهاية» في أكبر معارك القارة العجوز
فى حربٍ تُوصف بأنها الأكثر دموية فى أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، لم يعد هناك متسع كبير للكلام عن المبادرات الدبلوماسية أو خطط السلام السريعة.
مبادرة الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، للسلام فى أوكرانيا انهارت عملياً، بعد أن اتضح أنها لا تحمل سوى التهديدات الفارغة والمواعيد الغامضة، وما بقى اليوم ليس سوى ساحة المعركة، حيث تواصل موسكو وكييف تبادل الضربات فى حرب استنزاف شرسة وطويلة الأمد، لا يلوح فى أفقها نصر حاسم لأى من الطرفين.
فى محاولة لاستشراف ما قد تُسفر عنه الحرب الروسية الأوكرانية، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» مقالاً للكاتب ديفيد إجناتيوس، قال فيه إنه حين حاول فهم ما ينتظر هذه الحرب فى المرحلة المقبلة، توجَّه إلى قراءات قادة عسكريين وخبراء من الجانبين، فبدت الصورة أوضح: «المزيد من الدماء والدمار، لكن من دون اختراق استراتيجى كبير»، حيث إن أوكرانيا، التى أدركت صعوبة تحقيق «نصر مطلق» على روسيا، بدأت تتبنَّى بهدوء عقيدة جديدة، وصفها وزير الدفاع الأوكرانى السابق أندريه زاجورودنيوك بـ«التحييد الاستراتيجى»، أى شلّ قدرة الجيش الروسى على الأرض وفى الجو، على غرار ما فعلته كييف مع أسطول موسكو فى البحر الأسود. ولفت كاتب المقال إلى أن «زاجورودنيوك» أبلغه، فى اتصال عبر «زووم» من كييف، بأن روسيا قد تستمر فى القتال، لكنها إن عجزت عن تحقيق أهدافها فلن تتمكن من ادعاء النصر.
من الجانب الآخر، أطلّت رؤية موسكو عبر الجنرال فاليرى جيراسيموف، رئيس أركان الجيش الروسى، الذى جمع قادة قواته فى 30 أغسطس الماضى لتقييم نتائج هجوم الصيف وإعادة تحديد المهام، وأشار إلى أن تصريحات «جيراسيموف»، التى نُشرت مؤخراً ونُقلت مترجمة من قِبل الجنرال الأمريكى المتقاعد كيفن رايان، كشفت ثقة روسية بأن «المبادرة الاستراتيجية باتت بالكامل بيد القوات الروسية»، حيث هنأ الجنرال الروسى ضباطه على إنشاء «مناطق عازلة» فى «خاركيف، وسومى»، شمال شرقى أوكرانيا، وعلى التقدم غرباً فى «دنيبروبتروفسك»، داعياً إياهم لمواصلة العمليات الهجومية على جميع الجبهات.
لكن ما تكشفه الأرقام مختلف، فحتى وفقاً لحسابات «جيراسيموف» نفسه، لم تحقق روسيا أكثر من مكاسب محدودة، ولم تفرض سيطرتها الكاملة على الأقاليم الأربعة التى أعلنت ضمَّها فى 2022. بعد ثلاث سنوات من الحرب، ما زالت موسكو تسيطر على 79% من «دونيتسك»، و74% من «زابوريجيا»، و76% من «خيرسون»، و99.7% من «لوجانسك»، وهذه الأرقام تعنى أن روسيا لم تحسم المعركة، رغم الكلفة البشرية الباهظة التى تشير تقديرات أمريكية إلى أنها تجاوزت المليون قتيل وجريح، فى وقت تقول فيه واشنطن إن الخسائر الروسية تصل إلى خمسة أضعاف نظيرتها الأوكرانية، وفى بعض المعارك تصل النسبة إلى ما يقرب من 12 إلى 1 من الجانب الأوكرانى.
وأقرَّ رئيس أركان الجيش الروسى بأن التهديد الأخطر يكمن فى هجمات الصواريخ والطائرات المسيَّرة الأوكرانية داخل العمق الروسى، وقد تحدَّث عن ضربات «واسعة النطاق» استهدفت مصانع إنتاج الصواريخ والمحركات والرؤوس الحربية والوقود، إلى جانب مراكز التحكم بالطائرات المسيَّرة. أما المستقبل فلم يفصح عنه كثيراً، غير أن الخريطة التى ظهرت خلفه، خلال الاجتماع، كشفت عن حدود داكنة تشمل مدينة «أوديسا» بالكامل جنوباً، وجميع المناطق الواقعة شرق نهر «دنيبر»، وهى إشارة واضحة إلى ما تعتبره موسكو «أرضاً محتلة مستقبلية».
وبينما طرح الكاتب سؤالاً مفاده: كيف ستوقف أوكرانيا هذا التقدم البطىء والمتواصل للقوات الروسية؟ فقد أشار إلى أن وزير الدفاع الأوكرانى السابق «زاجورودنيوك» يرى أن الهدف ليس سحق روسيا عسكرياً، بل منعها منهجياً من تحقيق أهدافها العملياتية، واعتبر أن النموذج واضح من خلال تحييد الأسطول الروسى فى البحر الأسود، بواسطة المسيَّرات والصواريخ، وعلى الأرض تسعى كييف لتوسيع «منطقة القتال» ضد القوات الروسية، من 12 ميلاً خلف الخطوط الأمامية، إلى ما بين 80 و100 ميل، وفى سبيلها لتحقيق ذلك تعمل أوكرانيا على تصنيع أسلحة متوسطة المدى فى مصانع تستهدفها روسيا الآن.
واعتبر «إجناتيوس»، فى مقاله لصحيفة «واشنطن بوست»، أن المعضلة الأصعب تظل فى الدفاع الجوى، فأوكرانيا كثّفت هجماتها على المطارات الروسية، واستخدمت الحرب الإلكترونية لتعطيل القنابل الانزلاقية، كما طوَّرت مُسيَّرات اعتراضية لتدمير طائرات «شاهد» إيرانية الصنع فى الجو، لكن التحدى الأكبر يبقى الصواريخ الباليستية، حيث يشكّل نظام «باتريوت» الأمريكى خط الدفاع الوحيد الفعال، وهو مكلف ونادر، ما دفع «كييف» للبحث عن بدائل محلية الصنع.
الواقع أن أوكرانيا باتت تتبنى ما يمكن وصفه بـ«التشاؤم الاستراتيجى»، لم يعد هناك من يراهن على وصول «الفرسان المنقذين»، فالرئيس الأمريكى «ترامب» لا يملك القدرة على إنهاء الحرب فى يوم أو عام أو حتى أبداً، وأوروبا تحاول سدّ الفراغ فى ظل تراجع واشنطن، لكنها أيضاً لن تقدم ضمانات أمنية قبل وقف إطلاق النار، وهو ما لا يبدو قريباً، وكما كتب «زاجورودنيوك» مؤخراً: «إذا كان من المستحيل إثناء بوتين عن الحرب فإن السؤال هو كيف نُعطّل جهوده بشكل منهجى؟ يجب أن تتحول استراتيجية أوكرانيا من مجرد ردع الهجمات إلى منع نجاح العمليات الروسية، مهما طال أمد الحرب».
واختتم الكاتب الأمريكى مقاله بالقول: فى النهاية، يعترف المسئولون الأوكرانيون بأن بلادهم قد لا تنتصر فى هذه الحرب بالمعنى التقليدى، لكنهم يصرون فى الوقت نفسه على أن روسيا لن تنتصر أيضاً، وفى نظر المدافعين فإن منع موسكو من تحقيق أهدافها يُعد، بحد ذاته، شكلاً من أشكال النصر، حتى وإن كان نصراً مُثقلاً بالخسائر والدماء.