التغيرات المناخية تضرب غرب السودان.. انهيار أرضي يبتلع «تاراسين» بسكانها
التغيرات المناخية تضرب غرب السودان.. انهيار أرضي يبتلع «تاراسين» بسكانها
فى مدة لم تستغرق أكثر من دقائق معدودة، تحولت قرية كاملة فى غرب السودان إلى أثرٍ بعد عين، فلم يعد لـ«تاراسين» من وجود على الخريطة سوى فى ذاكرة من عرفوها أو مرّوا يوماً ببيوتها الطينية المتواضعة، الكارثة التى ضربت المنطقة لم تكن مجرد فيضان أو سيول موسمية اعتاد السودانيون على مواجهتها بصبرٍ وصلابة، بل كانت انهياراً أرضياً مدمراً اجتاح القرية بكاملها فى قلب «جبل مرة»، تاركاً وراءه صمتاً ثقيلاً لا يقطعه سوى صرخات المفجوعين، وناجياً وحيداً يروى للعالم هول ما جرى، فما حدث فى 31 أغسطس الماضى لم يكن مجرد حادث طبيعى عابر، بل مأساة إنسانية تعكس الوجه الأشد قسوة لتغير المناخ، حين يتقاطع مع هشاشة البنية المجتمعية، والحرب الأهلية التى تعصف بالسودان منذ أكثر من عامين، لتتسبب فى مأساة تتجاوز حدود دارفور، وتفرض نفسها على ضمير العالم بأسره.
وأوردت صحيفة «الجارديان» عن بيان صدر عن حركة «جيش تحرير السودان»، التى تسيطر على أجزاء واسعة من «جبل مرة»، أن الانهيار الأرضى أسفر عن وفاة ما يزيد على ألف شخص من سكان القرية، بينما لم ينجُ منهم سوى شخص واحد فقط، البيان أكد أن «تاراسين سُويت بالأرض تماماً»، داعياً الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لانتشال الجثث، وتقديم الدعم للسكان المحليين، الذين لا طاقة لهم بمواجهة حجم هذه الكارثة وحدهم، فيما بثت وسائل إعلام محلية مشاهد صادمة من الموقع المنكوب، تظهر مساحة مسطحة من الطين والصخور، حيث كانت القرية قائمة، تحيط بها السلاسل الجبلية، فيما يحاول بعض الأهالى، بأدوات بدائية، البحث بين الركام عن أثر لأحبتهم، فجاءت الصور بمثابة شهادة بصرية على اختفاء قرية كاملة من الوجود، ومعها قصص أجيال وذاكرة ممتدة لعقود.
اختفاء قرية تاراسين في السودان
الأمين عبدالله عباس، وهو مزارع من منطقة «أمو» المجاورة، تحدث بحسرة لوكالة «أسوشيتد برس» قائلاً: «اختفت القرية وأهلها تماماً.. إنها مأساة غير مسبوقة»، وأضاف أن المنطقة شهدت خلال الأسابيع الماضية أمطاراً غزيرة غير معتادة، جعلت الأرض مشبعة بالمياه إلى حد الانهيار، وأوضح أن زعماء القبائل والمجتمعات القريبة بدأوا بالفعل فى تنظيم جهود لانتشال الضحايا ودفنهم، فى غياب شبه تام لأى إمكانيات إغاثية دولية، واعتبرت الصحيفة البريطانية أن هذه الكلمات لا تعكس مجرد وصف للحدث، بل تجسد حجم الفقد الإنسانى، الذى عصف بالمجتمع المحلى، حيث لم يعد الحداد مقتصراً على أسرة أو عائلة بعينها، بل أصبح مأتماً جماعياً يلف الإقليم بأسره.
لوكا ريندا، القائم بأعمال منسق الشئون الإنسانية فى الأمم المتحدة بالسودان، أعرب عن حزنه العميق إزاء التقارير الواردة من «جبل مرة»، مؤكداً أن التقديرات الأولية تتراوح بين 300 وألف قتيل، وأكد أن الأمم المتحدة وشركاءها بدأوا فى حشد الدعم، وتنسيق الجهود، لإيصال المساعدات إلى المجتمعات المتضررة، كما شدد المسئول الأممى على أن «مجتمع العمل الإنسانى يقف متضامناً مع شعب السودان فى هذا الوقت العصيب، ولن يدخر جهداً لضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين»، لكنه أقر فى الوقت ذاته بصعوبة الوصول إلى المنطقة المنكوبة بسبب القتال الدائر فى دارفور.
أسوأ لحظات السودان
وبحسب تقرير «الجارديان»، فإن المأساة التى ضربت «تاراسين» جاءت بينما يعيش السودان واحدة من أسوأ لحظاته التاريخية، فالحرب الأهلية بين الجيش وقوات الدعم السريع تدخل عامها الثالث، مخلّفة عشرات الآلاف من القتلى، وملايين النازحين، وانهياراً شبه كامل فى مؤسسات الدولة، وفى إقليم دارفور تحديداً، تصاعد القتال بشكل عنيف فى مدينة الفاشر ومحيطها، ما جعل «جبل مرة» ملاذاً لعشرات آلاف النازحين الهاربين من أتون المعارك، ورغم أن «حركة تحرير السودان» بقيت إلى حد بعيد خارج دائرة القتال المباشر، فإن سيطرتها على المنطقة جعلتها تتحمل عبء مواجهة الكارثة الأخيرة بموارد محدودة للغاية.
هذا الوضع المعقد دفع مينى أركو مناوى، والى دارفور الموالى للجيش السودانى، إلى وصف الانهيار الأرضى بأنه «مأساة إنسانية تتجاوز حدود الإقليم»، داعياً المجتمع الدولى إلى التدخل العاجل، ومؤكداً أن حجم الكارثة يفوق قدرة السكان المحليين على التحمل.
وفى مواجهة هذه المأساة، ارتفعت أصوات إقليمية ودولية تدعو الأطراف المتحاربة فى السودان إلى وضع السلاح جانباً، ولو مؤقتاً، لإفساح المجال أمام المساعدات الإنسانية، وشدد محمود على يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقى، على ضرورة «إسكات البنادق، وتوحيد الجهود لتسهيل إيصال المساعدات الطارئة بسرعة وفاعلية»، لافتاً إلى أن الكارثة التى حلت بقرية «تاراسين» لا يمكن النظر إليها بمعزل عن سياق الحرب، إذ إن استمرار القتال يعوق وصول فرق الإنقاذ، ويضاعف من معاناة المدنيين.
واعتبرت الصحيفة البريطانية أن الانهيار الأرضى فى «جبل مرة» يُعتبر من أكثر الكوارث الطبيعية دموية فى تاريخ السودان الحديث، فبينما اعتاد السودانيون على مواجهة السيول والأمطار الموسمية، التى تودى سنوياً بحياة المئات بين يوليو وأكتوبر، إلا أن ما جرى فى «تاراسين» تجاوز كل ما عرفوه من قبل، ووصفت المنظمة الدولية للهجرة الحادثة بأنها «إحدى أكبر الكوارث فى تاريخ السودان الحديث»، مشيرةً إلى أن وقوعها فى ظل حرب طاحنة يضاعف من مأساوية المشهد، وأكدت المنظمة أن «شعب السودان لا يستطيع تحمل هذا الصراع اللانهائى بمفرده»، وحثت المجتمع الدولى على ضمان وصول آمن وغير مشروط للمساعدات الإنسانية.
المأساة لم تتوقف عند حدود «تاراسين»، فالأمطار الغزيرة التى ضربت السودان فى الفترة الأخيرة تسببت أيضاً فى نزوح مئات العائلات فى ولايات أخرى، ففى «القضارف» شُرد أكثر من 300 شخص، وفى جنوب دارفور نزح 750 آخرون، بينما دُمر أكثر من 100 منزل، هذه المجتمعات المكلومة باتت فى أمس الحاجة إلى مياه نظيفة، وصرف صحى، ومأوى طارئ، فضلاً عن الغذاء والدواء، وفى ظل الحرب، باتت هذه المتطلبات الأساسية بمثابة ترف بعيد المنال، حيث تعجز المنظمات الإنسانية عن الوصول إلى العديد من المناطق المحاصرة.
هذا الوضع المأساوى فى «الفاشر»، دفع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، إلى تجديد دعوته لوقف فورى لإطلاق النار، مؤكداً على ضرورة حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون تأخير أو عوائق باعتبار أنها «واجب أخلاقى لا يحتمل التأجيل».
جرس إنذار عالمي
واختتمت «الجارديان» تقريرها بالقول إن ما حدث فى «تاراسين» ليس مجرد مأساة محلية تخص السودان وحده، بل هو جرس إنذار عالمى، فالتغيرات المناخية، التى جعلت الأمطار أكثر غزارة، وأرض دارفور أكثر هشاشة، تتقاطع مع حرب أهلية أرهقت البلاد، لتشكلا معاً مزيجاً قاتلاً يدفع الأبرياء ثمنه، واليوم، بعد أن ابتلع الانهيار الأرضى قرية بأكملها، لم يعد السؤال فقط عن عدد الضحايا أو حجم الدمار، بل عن ضمير العالم: «هل يمكن ترك السودانيين يواجهون هذه المآسى المتراكمة وحدهم؟»، أم أن لحظة التضامن الحقيقى قد حانت، ليس فقط بالمساعدات، بل بجهد دولى جاد لإطفاء نار الحرب، وإعادة الأمل لشعب أنهكته الكوارث؟