وزارة الحرب تطيح بحلم «ترامب» في «نوبل»

يبدو أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فقد الأمل فى تحقيق حلمه بالحصول على جائزة نوبل للسلام، فتغيَّر 180 درجة متطرفاً وجانحاً للحرب، وبدأ تطرفه بتغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية التى حملت اسم «الدفاع» منذ عهد الرئيس الأمريكى ترومان عام 1949 فور انتهاء الحرب العالمية الثانية بعد إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناجازاكى.

وظنى أن ترامب يئس من فرصة ترشيحه لنيل الجائزة بعد عدة وقائع:

- المحادثة الهاتفية التى أجراها مع رئيس وزراء الهند نارندارا مودى وطلب منه ترشيح الهند له لنيل الجائزة، لأنه كان سبباً فى وقف الحرب بين الهند وباكستان، وعقد سلام بين البلدين، وأخبره أن باكستان وافقت على ترشيحه، فقد صدمه رد مودى عندما رفض طلبه قائلاً له: إن السلام جاء نتيجة جهد ورغبة مشتركة بين البلدين دون تدخُّل وسيط! وقد حوَّل رفض مودى علاقة الصداقة القوية التى كانت تربط الرجلين إلى عداء، ففرض ترامب رسوماً جمركية تصل إلى 50% على الهند، فيما تحدَّت نيو دلهى واشنطن باستمرار استيراد البترول الروسى رغم العقوبات المفروضة على روسيا.

- فشله فى وقف الحرب الروسية الأوكرانية، واستمرار بوتين بقصف كييف.

- إخفاقه فى الضغط على نتنياهو للتوصل حتى لهدنة طويلة الأمد فى حرب الإبادة التى ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطينى.

- الردود السلبية التى تلقَّاها من المسئولين فى النرويج حول الأداء الاقتصادى الأمريكى، عندما طلب نصائحهم لينال الجائزة.

- العرض العسكرى الصينى الأسطورى الذى جرى فى العيد الوطنى خلال انعقاد قمة شنغهاى، وما أعقبه من تحالف واضح بين الصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية.

كل هذه الوقائع -العلنية- دفعته إلى الاتجاه إلى المحاولة فى أن يسلك طريقاً آخر غير السلام ونوبل ليخلد اسمه، ولا سبيل أمامه لتحقيق ذلك سوى التلويح بالحرب واستعراض قوة أمريكا العسكرية والتلويح باستخدامها.

وحروب ترامب هذه المرة لن تكون تجارية، كما فعل عندما رفع التعريفة الجمركية، ولكنها ستكون حروباً عسكرية، بدأت شظاياها فى فنزويلا، وقد تمتد إلى مناطق أخرى عديدة، لكنها ستكون بعيدة عن الصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية، فعقيدة الحروب التى تخوضها أمريكا هى أن تجعل دولاً أخرى تتكبَّد الخسائر البشرية، ثم تقوم بالضربة القاضية، فتكون فى صدارة الصورة، تماماً كما فعلت فى الحرب العالمية الثانية.

وربما يعتقد البعض أن إفصاح أمريكا عن وجهها الحقيقى، بأنها دولة حرب، وليست دولة سلام، قد يؤدى إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة، لكنى أراه خطوة أولى فى طريق إصلاح النظام العالمى الجديد، حيث إن ظهور قطب جديد فى مواجهة الولايات المتحدة، متمثلاً فى التحالف الرباعى الجديد، سيُحدث قدراً من التوازن فى ميزان القوة الذى طالما مال لصالح الولايات المتحدة وأوروبا، اقتصادياً وعسكرياً، وبخاصة أن هذا التحالف يضم دولتين هما الأكثر كثافة سكانية فى العالم هما الهند (مليار و480 مليون نسمة) والصين (مليار و400 مليون نسمة).

أحلام العظمة التى تسيطر على ترامب، وتصرفاته، تدفع العالم إلى التنبه إلى ضرورة عدم الاعتماد على قطب واحد يسيطر ويتحكم بمصائر الدول، وتكون دائماً كل أوراق اللعبة فى يده.

الزمن يعيد نفسه، فما فعله جورباتشوف بتفكيك الاتحاد السوفيتى، من خلال تطبيق «البروسترويكا»، وأصبح هذا البلد العظيم الذى كان يناطح أمريكا مفككاً، وأصبح الاتحاد السوفيتى أشبه بصوت محمد قنديل الذى وصفته السيدة أم كلثوم بأنه كان «جنيه صحيح ولكنه فكة قروش».. الولايات المتحدة على وشك أن يتفكك نفوذها فى العالم بسبب ما يقوم به ترامب من سياسات اقتصادية ومالية وأسلوب تعامله مع مؤسسات الدولة الداخلية، وطريقة تعامله مع الدول الحليفة، وبخاصة أوروبا التى لن تنسى شعوبها صورة ترامب وهو جالس على مكتبه فى البيت الأبيض وأمامه قادة أوروبا وكأنهم تلامذة فى حضرة أستاذهم!

نحن أمام نظام عالمى جديد يتشكل، فيه لاعبون جدد، ولكنه سيظل نظاماً بلا ضمير إنسانى، وتحركه فقط المصلحة وغطرسة القوة.