الذكر «سلوك وعمل»

حدثتك عن دلالة الحرف «ص» فى الآية الكريمة: «ص وَالْقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ» على الفعل «صاد» -بكسر الدال- الذى يوجه قارئ القرآن إلى أن «يعارض» -أو بعبارة أخرى «يراجع»- سلوكه على القرآن الكريم، أما قوله تعالى: «وَالْقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ» فيفسره «الطبرى» قائلاً: هو قسم أقسمه الله تبارك وتعالى بهذا القرآن، وقال بعضهم: «وَالْقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ» معناه: ذى الشرف.

ولو أنك تعمقت بدرجة أكبر فى معنى كلمة «الذكر» فى القرآن الكريم، فقد تخرج باستنتاج آخر فى فهم معنى الآية الكريمة الأولى من سورة «ص»، يختلف عن المعنى الذى أشار إليه «الطبرى» وغيره من المفسرين. فالذكر وصف للقرآن الكريم، تجد ذلك فيما يقوله المفسرون فى شرح الآية الكريمة من سورة «الحجر» والتى تقول: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»، وتجد الوصف نفسه حاضراً فى سورة «ص» فى قوله تعالى: «أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ».

ظنى -والله أعلى وأعلم- أن كلمة «ذكر» فى القرآن الكريم معناها «استرجاع أو تذكر»، وقد تعددت المواقع التى نُعِت فيها القرآن الكريم بذلك، تأكيداً على ضرورة أن يتذكر المسلم تعاليم السماء التى اشتمل عليها الكتاب الذى آمن به، ويتمثلها فى حركاته وسكناته، وكافة سلوكياته، وتستطيع أن تقول إن معنى «الذكر» هنا لا يعد نعتاً للقرآن الكريم وفقط، بل نعت ينسحب على الكتب السماوية التى أنزلها الله على أنبيائه، تجد إشارة لذلك فى حديث القرآن عن نبى الله صالح فى قوله تعالى من سورة «القمر»: «أَأُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ».

الذكر هو كلمة الله التى نزلت من السماء على أنبياء الله ورسله، نزل بها الروح الأمين جبريل عليه السلام على من يشاء الله من عباده «المصطفين الأخيار»، وقد تكرر وصف القرآن بالذكر فى أكثر من موضع، تأكيداً على المعنى الذى أشرت إليه للكلمة «معنى التذكر والاسترجاع». فالقرآن يُقرأ بغرض التدبر والتأمل، بحيث تسكن معانيه الكريمة العقل والقلب ويتم ترجمتها فى سلوك الفرد، إنه ببساطة المعنى الذى تحمله الآية الكريمة: «ص وَالْقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ»، فصدى القرآن يتردد باستمرار فى سلوكيات وحياة من يؤمن به.

فى هذا السياق تستطيع أن تفهم قوله تعالى فى سورة «العنكبوت»: «اتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ».. فما هو «الذكر» الذى يعد «أكبر» من الصلاة؟ إنه ببساطة العمل بتعاليم القرآن الكريم والامتثال لقيمه وأخلاقياته، فقد سبق الأمر بتلاوة القرآن -فى الآية الكريمة- التوجيه الخاص بإقامة الصلاة، وذِكر الله واستدعاء أوامره ونواهيه أكبر وأخطر من الصلاة، إذا لم تتسق هذه العبادة مع مراقبة الله فى كل سلوك يسلكه الإنسان، وتنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر.

القيمة الكبرى للعبادات فى الإسلام تتحدد فى تهيئة الفرد وتأهيله للعمل بتعاليم القرآن الكريم وتذكرها واسترجاعها فى كل صغيرة أو كبيرة فى حياته.