بلطجة إسرائيل ضد العرب من المحيط إلى الخليج.. اعتداءاتها تطال قطر وتونس وسوريا ولبنان واليمن

كتب: ماريان سعيد

بلطجة إسرائيل ضد العرب من المحيط إلى الخليج.. اعتداءاتها تطال قطر وتونس وسوريا ولبنان واليمن

بلطجة إسرائيل ضد العرب من المحيط إلى الخليج.. اعتداءاتها تطال قطر وتونس وسوريا ولبنان واليمن

شهدت المنطقة العربية، فى الآونة الأخيرة، سلسلة من الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المتصاعدة، طالت أقطاراً عدة من الإقليم بداية من اليمن وسوريا ولبنان، وصولاً لقطر وتونس، أمس الأول، فضلاً عن استمرار العدوان على غزة والضفة الغربية، فى تطور يثير مخاوف من اتساع رقعة الصراع فى الشرق الأوسط، إذ لم يكتفِ الاحتلال بتصعيده الدموى منذ 7 أكتوبر 2023.

وخارج الأراضى الفلسطينية المحتلة تحول جنوب سوريا إلى مسرح لغارات مكثفة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلى فى فبراير 2025 أن الضربات تأتى ضمن سياسة واضحة لفرض «خطوط حمراء»، مؤكداً أن بلاده لن تسمح بتحول الجنوب السورى إلى نسخة أخرى من جنوب لبنان كما استهدفت الطائرات الإسرائيلية نقاط عبور على الحدود السورية - اللبنانية، يُعتقد أنها تُستخدم لنقل أسلحة إلى حزب الله، فى رسالة مباشرة بأن «دمشق» لا يمكن أن تكون معبراً آمناً لخصوم إسرائيل.

وفى لبنان، عاد شبح الغارات الإسرائيلية ليخيّم على سماء بيروت، إذ نفذت عشرات الضربات الجوية على الجنوب اللبنانى، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، فى وقت أعلنت فيه المفوضية العليا لشئون اللاجئين قلقها من تصاعد الخسائر الإنسانية، وفى الأراضى اليمنية أصبحت الأجواء وكأنها ساحة مفتوحة أمام الضربات الإسرائيلية، إذ تشن «تل أبيب» غارات متكررة تستهدف محطات كهرباء وموانئ استراتيجية فى «الحديدة وصنعاء»، فضلاً عن الهجوم الذى استهدف العاصمة القطرية، و«أسطول الصمود» قبالة السواحل التونسية، أمس الأول.

وفى مقال نشره المعهد الأوروبى للعلاقات الدولية «ecfr» تحت عنوان «كفى: على أوروبا أن تواجه عدوان إسرائيل»، ذكرت أن إسرائيل أصبحت المهدّد الرئيسى لاستقرار الشرق الأوسط، ما يهدد مصالح أوروبا الحيوية وعلى أوروبا ألا تُكرر الأخطاء التى أدت إلى غزو العراق عام 2003، بل يجب أن تُعطى الأولوية للدبلوماسية، وتضغط على واشنطن لتجنّب الانجرار إلى حرب فى المنطقة، ويجب أن تتوقف أوروبا عن تقديم الدعم السياسى والعسكرى غير المشروط لإسرائيل، وأن تبدأ فوراً بفرض عقوبات عليها وتعليق الاتفاقات التجارية التفضيلية، لضمان تحرّك بناء نحو حل لقضية إيران، وليس فقط فى ملف غزة، إذ إنه فيما تركز أوروبا على تهديد إيران، تستمر إسرائيل فى مشروعها التوسّعى فى الضفة الغربية، مما يهدد بقوة ما تبقى من فرص حل الدولتين، وبالتالى استمرار الصراع فى المنطقة.

.

وقال السفير محمد حجازى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على عدد من الدول العربية، من غزة والضفة الغربية إلى لبنان وسوريا، مروراً باليمن وإيران، تمثل خروجاً سافراً على القانون الدولى وتحدياً مباشراً لمنظومة الأمن الإقليمى، مؤكداً أن استهداف الاحتلال للعاصمة القطرية الدوحة مؤخراً يكشف طبيعة حكومة اليمين المتطرف فى إسرائيل، التى لا تتردد فى تقويض أى مسار تفاوضى أو جهد وساطة عربى ودولى.

وأضاف «حجازى»، فى حديثه لـ«الوطن»، أن ردع إسرائيل لا يتحقق إلا عبر تكامل عدة مسارات: أولها تشكيل موقف عربى موحد يضع خطوطاً حمراء أمام الاحتلال، وثانيها إعادة تفعيل فكرة الدفاع العربى المشترك بما يغيّر ميزان القوى العسكرى ويكسر مقولة التفوق النوعى الإسرائيلى، وثالثها استخدام أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية بما فى ذلك مراجعة مسارات التطبيع التى ثبت أنها لم تحقق مصلحة للقضية الفلسطينية.

وأوضح أن القاهرة تتحرك على أكثر من خط فى هذه المرحلة؛ فمن جهة تعرّى الموقف الإسرائيلى أمام المجتمع الدولى وتكشف أنه المعوق الأساسى لوقف إطلاق النار فى غزة، ومن جهة أخرى تسعى إلى بناء رؤية إقليمية للأمن والتعاون تضم مصر والسعودية وتركيا وإيران ودول الخليج، بما يعيد صياغة التوازنات ويمنع إسرائيل من الاستفراد بالمنطقة.

وشدد على أن المجتمع الدولى لا بد أن يتحمل مسئولياته فى وقف الاعتداءات ومحاسبة إسرائيل على جرائمها، لكن فى الوقت ذاته، فإن العرب أمام لحظة فارقة تستدعى أن تكون كلفة العدوان الإسرائيلى عالية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، حتى تُرغم تل أبيب على احترام قواعد القانون الدولى وحقوق الشعب الفلسطينى.

من جانبه، يرى الدكتور عبدالمهدى مطاوع، المحلل السياسى الفلسطينى، أن ردع إسرائيل لا يتحقق إلا عبر موازنة القوة وامتلاك أدوات ضغط حقيقية، موضحاً أن الاحتلال لا يرتدع إلا عندما يدرك أن هناك قوة عسكرية قادرة على إلحاق الأذى به، سواء بجيش محترف أو سلاح فعّال أو وحدة عربية.

وأضاف أن الردع الاقتصادى يمثل أحد العوامل المهمة، إلى جانب الدور الأمريكى المؤثر على سياسات الاحتلال، مشدداً على أن التجارب أثبتت أن الدول التى لديها القدرة العسكرية والاقتصادية على ذلك، يمكنها فرض معادلة ردع حقيقية.

وأشار المحلل السياسى الفلسطينى، فى حديثه لـ«الوطن»، إلى أن الموقف العربى الموحّد يشكل هاجساً دائماً لإسرائيل، لافتاً إلى أن الاحتلال يعتمد فى استهدافه للدول العربية على غياب اتفاق دفاع مشترك وفعّال، وعلى تفوقه النوعى فى السلاح وقدرته على الاختراق، متابعاً أن المطلوب اليوم هو تفعيل الدفاع العربى المشترك بصورة عملية، إلى جانب فرض حصار اقتصادى على إسرائيل، واستخدام ورقة «التطبيع» التى طالما رُوّج لها على أنها لصالح الفلسطينيين والعرب، لكن يمكن توظيفها فى إطار لغة المصالح للضغط على الاحتلال، وأن هذه العوامل مجتمعة يمكن أن تُشكّل رادعاً لإسرائيل فى المرحلة المقبلة، إذا ما وُظّفت بذكاء وإرادة سياسية حقيقية.

وقال الدكتور أحمد العنانى، الباحث فى العلاقات الدولية، إن الاعتداء الإسرائيلى الأخير على الدوحة يعكس حالة من التعنت السافر من جانب الاحتلال، مشيراً إلى أن تل أبيب تسعى من خلال هذا التصعيد إلى إرسال رسائل متعددة.

وأوضح أن الرسالة الأولى موجهة إلى الجانب القطرى، فى محاولة للضغط عليه من أجل التضييق على قيادات حركة حماس الموجودة على أراضيه، أما الرسالة الثانية فهى مرتبطة بتوجهات الإدارة الأمريكية، لافتاً إلى أن إسرائيل تتحرك ضمن إطار تنسيق «أمريكى - إسرائيلى» يخدم رؤية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى يسعى إلى فرض مقترحات تسوية تضمن له إنجازاً سياسياً قد يدفعه نحو جائزة نوبل.

وأضاف الباحث فى العلاقات الدولية، فى حديثه لـ«الوطن»، أن حركة حماس لديها تخوفات حقيقية من غياب الضمانات الكافية لوقف إطلاق النار، إذ لا توجد ضمانة أكيدة تمنع إسرائيل من استئناف عدوانها بعد أى اتفاق، وهو ما يجعل موقفها أكثر تشدداً، مشيراً إلى أن ما يجرى يمثل واقعة غير مسبوقة فى القانون الدولى، إذ تتحول السيادة القطرية إلى ساحة صراع وضغط سياسى، فى وقت تحاول فيه إسرائيل استغلال الملف لإرباك مسار الوساطة.

وأكد أن دول الخليج تمتلك أدوات ضغط فعّالة يمكن توظيفها، أبرزها تجميد الاستثمارات والأموال أو وقف ضخ استثمارات جديدة فى الولايات المتحدة، واستخدام لغة المصالح الاقتصادية للضغط على واشنطن من أجل كبح جماح الاحتلال الإسرائيلى.

وعلى جانب قانونى، حذر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولى العام، عضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولى، من تصاعد الأطماع الإسرائيلية التوسعية فى المنطقة، مؤكداً أن اعتداءات الاحتلال على فلسطين وسوريا ولبنان والأردن تكشف عن مخطط استعمارى منظم يهدف لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط وفقاً للرؤية الصهيونية، وإن المشروع الإسرائيلى التوسعى يتعارض جذرياً مع مبادئ القانون الدولى وحق الشعوب فى تقرير المصير. وأشار إلى أن هذا المخطط يتم تنفيذه عبر مراحل متدرجة، تبدأ بالاعتداءات المحدودة وتتطور لاحتلال أراضٍ جديدة.

وحول سبل الردع القانونى، أكد «مهران» أن المجتمع الدولى يملك أدوات قانونية فعالة لردع إسرائيل، أبرزها تفعيل المسئولية الدولية للدول من خلال محكمة العدل الدولية، والمطالبة بوقف الانتهاكات، وإلزام إسرائيل بدفع تعويضات عن الأضرار المترتبة على عدوانها، مشيراً إلى إمكانية إحالة القيادة الإسرائيلية للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان.

ولفت إلى أهمية تفعيل الولاية القضائية العالمية التى تتيح لأى دولة محاكمة المجرمين الإسرائيليين الموجودين على أراضيها بتهم ارتكاب جرائم دولية، مؤكداً أن هذا الإجراء سيحد من حرية حركة القادة الإسرائيليين ويضعهم تحت طائلة المساءلة القانونية، مشدداً على أن نجاح الردع القانونى مرهون بالإرادة السياسية للمجتمع الدولى وتوحيد الموقف العربى والإسلامى لمواجهة المخطط الإسرائيلى التوسعى. وشدد على أن غياب الردع الحقيقى سيشجع إسرائيل على المضى قدماً فى مخططاتها التدميرية للمنطقة.


مواضيع متعلقة