قطر وإسرائيل و«المتغطي بأمريكا»

عبارة شعبية بليغة عادت تتردد بقوة فى كل الفضاءات: «المتغطى بأمريكا عريان»، مثّلت فى رأيى تعليقاً موجزاً على التعدى الإسرائيلى السافر على الشقيقة قطر، فى سياق محاولة اغتيال فاشلة استهدفت قادة حماس، الذين تستضيفهم الدوحة وتؤويهم بشكل معلن منذ سنوات.

صدمة عربية وخليجية أحدثتها عملية «قمة النار»، عكستها مواقع التواصل الاجتماعى، التى احتشدت طوال الساعات التالية لتفجير مقرات سكنية لقادة حماس فى ضاحية كتارا بالعاصمة القطرية، بحثاً عن نفى أو تأكيد لمصير قادة آخر تنظيمات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الصهيونى.

المفاجأة كانت قاسية بسبب العلاقة المميزة التى تجمع الولايات المتحدة الأمريكية والإمارة الخليجية الأكثر قرباً من دائرة مصالحها فى المنطقة، حيث تحتضن قطر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية فى الشرق الأوسط، قاعدة العديد الجوية، والتى استهدفتها إيران قبل شهور فى سياق محاولة ترضية أمريكية لطهران كى تقبل بوقف فورى للحرب فى الشرق الأوسط، وتتجرع فى صمت مرارة تدمير مفاعلاتها النووية الشهيرة فى فوردو ونطنز وأصفهان.

وكأنه كُتب على قطر أن تجرب الاعتداء من قطبى الصراع فى الشرق الأوسط، إيران وإسرائيل. يحدث ذلك لها وهى طرف رئيسى فاعل فى كل جهود الوساطة التى تجرى فى المنطقة لإيقاف الصراعات وإنهاء الحروب، فكيف جرى لها ذلك!

حاولت الإدارة الأمريكية تخفيف وطأة الغدر بقطر، وشاعت أخبار على شاكلة أن «ترامب» أمر مبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف بإبلاغ الدوحة، فيما أكد وزير الخارجية القطرى أن هذا البلاغ الأمريكى جاء بعد تنفيذ العملية بدقائق.

وبعيداً عن إخطار قطر من عدمه، فقد فات على كثيرين أمران كلاهما شديد الخطورة:

الأول، أن عملية بتلك التعقيدات والترتيبات لا يمكن أن يفكر فيها الشاباك الإسرائيلى فى يوم وليلة لتكون رداً على تفجير القدس الذى حدث الاثنين الماضى بالقرب من مستوطنة (راموت)، والتى أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكرى لحركة حماس، مسئوليتها عنه، وراح ضحيته ستة قتلى والعديد من الإصابات بين المستوطنين الإسرائيليين.

أما الأمر الثانى، فهو الظهور المفاجئ لمقترح جديد للتهدئة وإطلاق سراح الرهائن وفق ما سمى بـ«الصفقة الكلية»، مذيَّلاً بتوقيع الرئيس الأمريكى بنفسه، مصحوباً بتصريحات نارية على شاكلة أن إسرائيل وافقت عليه (وهو ما لم يحدث بشكل واضح)، مع تهديد صريح لحماس حال رفض مقترحه، حيث قال «ترامب» نصاً: «هذا تحذيرى الأخير». وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا أيقظ «ترامب» وبشكل مفاجئ مسألة التفاوض من جديد؟، بعد أن تيقن الجميع من أن هذا الخيار مات إكلينيكياً، وبعد أن تعالت أصوات طبول الحرب وسط موجات التدمير الكامل لأبراج غزة بواسطة سلاح الجو الإسرائيلى، والترقب الميدانى لاجتياح (عربات جدعون ٢)، خطة جيش الاحتلال لاجتياح المدينة، الملاذ الأخير لسكان القطاع المنكوب.

فهل شارك «ترامب» للمرة الثانية فى خطة خداعية لصالح إسرائيل، بعد أن فعلها من قبل مع إيران، واستدرجها فى مسار تفاوضى مراوغ، لتفاجأ عاصمة الملالى بالضربة الجوية التى استهدفت قادة الحرس الثورى ولفيفاً من علماء البرنامج النووى الإيرانى؟ وكادت تعصف بولاية الفقيه، لولا أن إيران استعادت توازنها سريعاً وعادت للمعارك بقوة وشراسة.

ولكن حتى لو كان شريكاً فى خطة خداع، لماذا تخلى عن قطر بهذه البساطة؟، وإلى أى مدى تثبت المقولة الشعبية المصرية صحتها، وأنه لا أمان للأمريكان ولا عهد ولا ثقة، وأنه فعلاً «المتغطى بيهم دايماً عريان»!

سبق وحكيت هذه القصة فى مقال تزامن مع الخروج الأمريكى من أفغانستان سنة 2021، وأعيدها لارتباطها الوثيق بموضوعنا، حيث استرشدت بواقعة أقدم، وقلت إننى سمعت تلك العبارة للمرة الأولى من رئيس وزراء مصرى سابق، ذكرها لى بحسرة خلال حوار أجريته معه عن تفاصيل ما جرى فى يناير عام 2011. وبعدها بأسابيع قالها لى نصاً مسئول عربى كبير، هامساً ونحن نتناول العشاء ونتناقش فى مستقبل المنطقة: «المتغطى بأمريكا.. عريان». كنا نعيش وقتها توابع الزلزال السياسى الذى جرى، ونحاول استطلاع مستقبل المنطقة.

قفزت العبارة فى ذهنى، وأنا أكتب عن تفاصيل وملامح خطة التخلى الكبير التى نفذتها أمريكا، بخروجها الدراماتيكى من كابول فى مشاهد لن ينساها العالم صباح 31 أغسطس 2021، تاركة آلافاً ممن اعتمدوا عليها مكشوفين بعد أن ظنوا أنها ستمنحهم الحماية. لم يجد هؤلاء سوى محاولة الفرار، والتعلق بذيل آخر طائرة أمريكية، لكن أغلبهم سقط فى حجر طالبان، الحركة التى واجهت واشنطن عشرين عاماً، ثم عادت لتحكم وتفرض رؤيتها، لتعيد بلادها إلى ظلمة جديدة بعد أن تلاشت وعود الحرية الأمريكية.

ودائماً ما تعود لتقف أمامى شاخصة، وتذكّرنى بها الحوادث والمواجع: المتغطى بالأمريكان.. عريان.. إلا إسرائيل.