إبراهيم داود: مصر تتعرض لـ«مؤامرة كونية» لإجبارها على التخلي عن الفلسطينيين

كتب: محرر

إبراهيم داود: مصر تتعرض لـ«مؤامرة كونية» لإجبارها على التخلي عن الفلسطينيين

إبراهيم داود: مصر تتعرض لـ«مؤامرة كونية» لإجبارها على التخلي عن الفلسطينيين

حوار: السيد العديسى.. تصوير عدنان عماد

ما لا يعرفه الكثيرون هو أن الكاتب والشاعر إبراهيم داود حين اتخذ قرار الزواج، سمع الأديب نجيب محفوظ بالأمر، واستدعاه ليزوده ببعض النصائح، فقد كان الصحفى الشاب، رغم صغر سنه وقتها، قريباً من الكاتب الكبير، وربما هذا القرب أثر عليه كثيرا، فظل طوال الوقت مخلصاً للكتابة ولإنسانيته، حريصاً على التعامل مع الثقافة بوصفها فعلاً إنسانياً فى المقام الأول، ولا تنفصل عن كونها زاداً للحياة من أجل الاستمرار، أوقات طويلة قضاها «داود» غارقاً فى الكتب والكتابة، لكنه لم ينفصل أبداً عن المقهى والبسطاء، عرفه رواد مقاهى وسط البلد متواضعاً، يتبادل أطراف الحديث مع بائع متجول، أو شاب ما ساقته قدماه إلى ذلك المكان. «الوطن» التقت الكاتب الكبير إبراهيم داود، فكان هذا الحوار.

■ يرى كثيرون أنك كسرت الصورة النمطية للمثقف، بعد أن كان انعزالياً وبعيداً عن الناس، يجدونك دائماً وسط العامة، بعيداً عن النخبة والأماكن المخصصة لهم، ماذا تقول فى هذا الرأى؟

- لا أتعامل مع الحياة باعتبارى مثقفاً، أنا مواطن عادى، قدر له أن يشتغل فى العمل العام، لكنه لم يتخل عن أصوله البسيطة، ولا عن قناعاته، ومنذ البداية فإن الملهمين لى هم البسطاء، لذا لدىّ صداقات تمتد لأكثر من 40 سنة فى حوارى أو فى تجاعيد القاهرة، وبعض هؤلاء لا يعرفون أنى صحفى، أو حتى شاعر، معهم أكون على فطرتى وعلى طبيعتى، وأشعر معهم بالأمان وبأنى ما زلت فى قريتى لم أخرج منها، ونتحدث فى الشأن العام والهموم التى تجثم على صدورنا، وحين أجلس معهم فأنا لا أفعل ذلك للفرجة أو المشاهدة، ولكن لأشاركهم وأعيش معهم، سكنت فى معظم الأحياء الشعبية فى القاهرة، وكل منطقة كنت أسكن فيها كانوا يطالبوننى بالترشح مثلاً فى مجلس الشعب، أو أى شىء أستطيع تمثيلهم فيه، ربما لأنه حين يقصدنى أحد منهم، فمن خلال علاقاتى البسيطة كصحفى، ربنا يلهمنى بإيجاد حلول، أو على الأقل السعى فى ذلك، خاصة أن مشكلات هؤلاء دائماً بسيطة، مثل نقل تلميذ من مدرسة، أو إدخال مريض لمستشفى ما، فيشعرون بامتنان ما تجاهى وأنى منهم.

■ إذاً أنت المثقف الذى يعيش بروح القروى وسط المدينة؟

- ما زلت أسكن فى أحياء شعبية، وأرتاد نفس المقاهى منذ أكثر من 40 سنة وأنا فى القاهرة، وآكل فى نفس المطاعم، ولذلك دائماً أنا فى وسط البلد، وعلاقاتى بها كبيرة جداً، أصاحب من يعملون فى المقاهى والباعة، والأصدقاء القدامى، فأنا أرى الحياة بسيطة، وأحب أن أعيشها هكذا، وليس لى أى تطلعات، ولا أبحث عن تغييرات فى مسار حياتى لأنى أحبها هكذا وأستمتع بعيشها وسط الناس، أنا شخص عادى، أعيش حياتى كما قدر لها، وفكرة الرضا هذه تعلمتها من الناس البسيطة، فحسب دخلى ستسير حياتى، لأنى سأتكيف مع كل الأوضاع بقناعة تامة، بالطبع عشت وأعيش أياماً وظروفاً اقتصادية صعبة، ومررت بتجارب سيئة، ولكنى تجاوزتها وسأتجاوز أيضاً ما يستجد، لإيمانى بالله أولاً، وبقدرتى على ذلك.

■ كيف نوظف القوى الناعمة حتى يكون لها التأثير المناسب مع البسطاء؟

- أرى أن قوة مصر الحقيقية تكمن فى قواها الناعمة، هذا هو رأسمالها الآن، هؤلاء هم الوحيدون الذين سينتجون شيئاً سيؤرخ له بعد مائة عام، حينها سيقول التاريخ: فى تلك الأيام الصعبة، كان هناك من يصنع شيئاً جميلاً، وهم أيضاً يسهمون فى تفتيت التشدد والتصدى له، فهم الحصار الحقيقى له، وهذا هو العلاج، وهو الضمانة حتى لا يستمر التشدد، هذه معركة كبرى، مصر تتعرض مؤخراً لمؤامرة كونية لإجبارها على التخلى عن الفلسطينيين، من أجل شرق أوسط تُهيمن عليه إسرائيل وتركيا، وهنا يأتى دور المثقفين، فهم يخوضون معارك الدولة المصرية بلا تردد، وهذا ما حصل فى الفترة الأخيرة حول موضوع غزة، وهو ما يفعلونه عبر التاريخ، منذ القرن التاسع عشر، المثقفون المصريون ضد التشدد والتطبيع مع إسرائيل والتدخلات الأجنبية والاستعمار والاستبداد، وهم يتصدون لذلك دون أن تعطى لهم أوامر، كما أنهم ضد تهجير الفلسطينيين والغزاويين، فهذه قضية جوهرية عند من لديه وعى فى مصر، وعند الشعب المصرى، الذى يدرك الخطر، وخيوط المؤامرة التى ينسجها الاستعمار القديم على مصر.

بعض القائمين على الفعاليات الثقافية لا يعرفون خريطة النخب الجديدة التى تشكلت على مدار الـ20 سنة الماضية

■ هل ترى أنه يجب على الدولة أن تدعم المثقفين وتمنح لهم المساحات لممارسة دورهم؟

- بالفعل، على الدولة أن تدع هؤلاء الناس يتحدثون، ويتواصلون مع الجمهور، تدع المثقفين يظهرون على التليفزيون ويتكلمون، وتفتح لهم صفحات الجرائد، حتى وإن اختلفت معهم فى الرأى فى بعض المسائل، دعهم يعبرون عن أفكار قد تفيدك فى جوانب أخرى، هذا ما أقوله وأكتبه دائماً: دعوا الناس تتكلم، وفى القضايا الجوهرية، لن أقول أكثر من ذلك، دع الناس تقف وتقول: «هناك خطر اسمه إسرائيل»، لكى ينتبه الناس فى الشارع، ولئلا تُتسطح القضايا الكبيرة عند الأطفال، يجب أن يدرك الأطفال منذ صغرهم ذلك، ليعرفوا من هو عدوهم، فهم سيكونون على خط النار قريباً، يجب أن تعمل الدولة على تمكين القوى الناعمة، وفتح المنابر لها، وإعطائها الحرية، حتى وإن كانت لديها رؤية مختلفة، وأقول إننا فى هذا التوقيت بحاجة لمن لديهم وعى وخبرة بخطر المؤامرة التى تحاك ضد مصر، ليس من يظهر على التليفزيون ويردد ما يُقال له، ثم يغير كلامه فى اليوم التالى، ثوابت الثقافة المصرية هى ضد التطرف والإرهاب والتبعية للغرب والاستعمار، وضد التدخلات الإقليمية فى شئون مصر، وضد الرأسمالية المتوحشة التى تمتص دماء الناس، دعونا نتحدث فى هذه الأمور، لن يحدث شىء، أنا أرى أننا نمر بأيام صعبة، ولكنى متفائل تاريخياً، فأنا بطبعى متفائل، لأن ثقتى فى الشعب المصرى لا مثيل لها، فقد صنع المفاجآت عبر التاريخ، مهما رُتبت المؤامرات الكونية، فإن الشعب المصرى يحقق ما يريد، ويفاجئ الجميع، وأرى أن الدولة فى إدارتها لموضوع غزة، حتى الآن، والتحدى الذى تواجهه، حقاً تستحق الإعجاب، رغم ما يدعيه المغرضون، ونحن وراءها.

صفحات التاريخ تسجل مواقف المثقفين ضد الاستعمار والتطبيع مع إسرائيل

■ لكن الجميع يعلم مَن الذى يقف خلف المؤامرات الرامية لزعزعة الاستقرار فى مصر ونشر الفوضى؟

- نعم، الجميع يدرك أن فصيل الإخوان هم الأكثر سوءاً فى التاريخ، يفعلون ما يشاءون ببلدهم، ولا يراعون كلمة «وطن»، التى هى كلمة محترمة ومقدسة، وتفكيرهم دائماً فاسد لا يتغير، ويريدون الضغط على مصر طوال الوقت، وأرى أن نسد عليهم المنافذ، فمثلاً منذ عام 2013، وحتى الآن، تركنا شمال أفريقيا مقتنعة برؤية الإخوان وسرديتهم بسبب غيابنا، ولم نبنِ جسوراً مع النخبة الثقافية هناك، هل كان لهم تأثير؟ نعم، فالنخبة فى كل مكان تشكل الرأى العام، ما أقصده أن السردية الإخوانية عن الوضع فى مصر تروج فى شمال أفريقيا عن طريق إعلامهم، ونحن لم نتواصل مع النخب هناك، لأن فى عهد مبارك، وجابر عصفور، كان يتم التعامل مع النخب الرسمية، خمسة أو ستة أسماء من كل بلد، هم الذين يأتون ويذهبون إلى مصر فى كل المعارض والملتقيات، وخمسة أو ستة من مصر مع صحفييهم الخصوصيين، هم الذين يذهبون إلى كل الأماكن، أنا قريب جداً من تلك البلاد، ومن الأجيال الأصغر، وأعرف أقدار الناس، وصوتى يعلو معهم لأقول لهم إن الرواية التى يسمعونها، أو الصورة التى يحملونها عن مصر، غير صحيحة، مصر، رغم كل الصعوبات، فى حالة جيدة، تعالوا وشاهدوا بأنفسكم، بعضهم يغير رأيه بعد المناقشات، أنا لا أفعل هذا للدفاع عن النظام فى مصر، بل لأقول الحقيقة، والصورة التى لديهم عن مصر خاطئة، وذلك بسبب أن من يدير معرض الكتاب، ومؤتمر الرواية، ومكتبة الإسكندرية، وغيرهم، لا يعرفون خريطة النخب الجديدة التى تشكلت على مدار العشرين سنة الماضية، هؤلاء الناس مؤثرون وما زالوا مستمرين، والموظفون عندنا مستمرون من أيام مبارك، ويتعاملون مع الأسماء نفسها، دون أى تغيير، لا دماء جديدة، وبسبب ذلك، حتى الوفود التى تخرج من مصر، هم نفس الأسماء، فنحن غاضبون لأن هؤلاء يذهبون لكل شىء، وهناك أيضاً غضب من قبَل الدول الأخرى على نفس الأسماء، والجيل القديم فقد تأثيره فى الثقافة فى كل هذه البلاد الآن، والنتيجة أنهم لم يقولوا للإرهابيين: «لا، مصر لا يمكنكم الضغط عليها هكذا»، هذا جزء من عمل وزارة الثقافة، ودور الدولة فى دعم المشاريع من هذا النوع، هم لا يعرفون أن هناك نجوماً أصبحوا مؤثرين فى بلادهم، فى الشعر والقصة، على سبيل المثال، عبدالفتاح كليطو هو أهم مفكر فى العالم الآن، لكن مصر لم تكرمه، ولا أحد يفكر فيه، رغم عظمته، فهو فى مستوى طه حسين، ولويس عوض، وتوفيق الحكيم، وسلامة موسى فى زمانهم، نحن نتحدث عن ثقافة عربية، و«القاهرة» يجب أن تظل عاصمة هذه الثقافة، تاريخياً كانت عاصمة الثقافة، ويجب أن تظل كذلك، لأسباب يطول شرحها، لكن بالموظفين الحاليين هذا مستحيل.

لم يذق طعم النوم إلا بعد «30 يونيو»

■ لنعد إلى موضوع الإخوان، والسنة التى حكموا فيها مصر، ماذا تقول عنها؟

- لقد كان ذلك أسوأ كابوس يمكن لنا أن نعيشه، نعم، لم أنم إلا بعد «30 يونيو»، والله العظيم، لم أكن مهدداً فقط، بل كنت فى ذلك الوقت أطلّ عبر قناة (ON TV)، أقرأ الصحف يوماً فى الأسبوع خلال سنة حكمهم، وحدثت لى بعض المضايقات فى الحى الذى أسكن فيه من قِبل الإخوان، وبعد ذلك، شاركت فى كل التظاهرات التى كانت ضدهم، وشاركت أيضاً فى كل التظاهرات التى كانت ضد التوريث، سنة الإخوان كانت كابوساً، سرقوا شيئاً من روحنا، لم نستطع النوم، كنت أنام وأفكر فى مستقبل أطفالى، وأشفق على مصيرهم مع هؤلاء، كنت أتنقل بين الصحف، بعد أن تم استبعادى وتهميشى تماماً، كانت سنة صعبة، وأسأل الله ألا يعيدها.

الإخوانى «عبد ذليل» للجماعة لا يملك روحاً حقيقية ويدين بالطاعة العمياء للمرشد

■ كيف كانت ستصير الأوضاع لو استمر حكم الإخوان أكثر من سنة؟

- لم يكن ذلك ممكناً لمصر أن تبقى هكذا، فمصر ليست شيئاً يمكن لفه فى جريدة أو غلاف معطر، كانوا يتعاملون معها كغنيمة حرب، هذا مستحيل، صعب جداً، ثم إنهم أغبياء فى الأصل، أتتهم فرصة ليصبحوا بشراً، لكن طمعهم هو الذى سيطر عليهم، أرنى شاعراً أو روائياً أو موسيقياً أو سينمائياً إخوانياً، لا يوجد أى مبدع ينتمى للإخوان المسلمين، لأنهم لا يملكون روحاً حقيقية، الطاعة العمياء للمرشد تحوّلك إلى عبد ذليل ينفذ الأوامر، لا مساحة للخيال، الإخوانى ليس حراً، والفن مرتبط بالحرية، كما أنهم دمويون ولا يفهمون تركيبة مصر، فمصر ليست دموية، وليست قبيلة، وهى أعقد من ذلك، الحمد لله أنهم هُزموا هزيمة ساحقة فى 30 يونيو، وكان للمثقفين دور عظيم فى فضحهم، فالقوى الناعمة ككل كانت حائط صد ضدهم.

وسائل «التواصل» أتاحت منصة مجانية لنشر الإبداع.. ووفرت مظلة لنشر الفتنة

■ كشاعر ومثقف، هل ترى أن مواقع التواصل الاجتماعى ومساحات النشر المجانية أضافت للحياة الثقافية؟

- نستطيع القول إن هذا أسهم فى تراجع النفوذ القديم للصحافة المطبوعة، فلم يعد هناك نفوذ، عندما ينشر أحدهم قصيدة فى «الجمهورية» أو «الأخبار»، يعرف الجيران والزملاء فى الجامعة، لأنهم يقرأون الصحف، فكانت لها وجاهة اجتماعية تشعر المرء بأنه مميز فى محيطه، أما الآن، فهذا لم يعد موجوداً، فأصبح «فيس بوك» البديل المجانى الذى يفتح ذراعيه لك، لكنه أيضاً أتاح مساحة للرعاع، الذين يعبّرون عن آرائهم المتطرفة، الكاتب الإيطالى أمبرتو إيكو هاجم «فيس بوك» بشدة، وقال إنه خطر على المجتمع، لأنه أتاح للرعاع الذين يريدون تغيير العالم بآرائهم فرصة للظهور، فى الماضى، كان الناس يجتمعون فى أماكن خاصة، ويتحدثون كما يريدون، دون تأثير على المجتمع الخارجى، أما الآن فهؤلاء من الممكن، من خلال وسائل التواصل، أن يسببوا فتنة وكوارث، الآن فى ضوء غياب مظلة ثقافية كبيرة، وعدم اهتمام بالثقافة بشكل عام، سيملأ هؤلاء هذا الفراغ، مصر بحاجة إلى موقع ثقافى له نفوذ معنوى، ربما مؤسسة كبيرة تفكر فى إنشاء موقع ثقافى لا يهدف إلى الربح، ويمكن أن يربح لاحقاً، لكن النية تكون لسد هذه الفراغات الكبيرة، ولكن للأسف، لا نملك رجال أعمال مثقفين أو مهتمين بالثقافة، ويشعرون بهذا الخطر.

■ رغم أنك معروف كشاعر، فإن أول جائزة أدبية حصلت عليها لم تكن فى الشعر، كيف تفسر ذلك؟

- كانت جائزة تقدم لها الناشر، ولم أكن أنا من تقدم لها، وكانت تخص كتاباً بعنوان «الجو العام»، أما فى مجال الشعر، فقد حصلت على جائزة الشعر من معرض الكتاب، وفيها أيضاً لا تقدم للجوائز بنفسك، فهى تكون بناءً على ترشيحات، حتى جائزة الدولة التى تقدمت لها، رشحتنى فيها جهتان، هما جامعة دمياط، وبيت الشعر، ولم تمنح لى فى آخر لحظة، بسبب تدخلات من شخص ما، والحقيقة أنى لست منشغلاً بالجوائز، أنا أريد فقط أن أكتب الشعر، فالشعر عزيز، وأنا أكتب طوال الوقت قصيدة، وأعيش معها، وأبدأها وأجد صعوبة فأتركها، وأنا مقل بسبب طبيعة الطريقة التى تخصنى فى الكتابة، وأيضاً بسبب السعى الدائم، حتى بعد تقاعدى، من أجل أكل العيش.

■ لك اهتمام خاص بموضوع دولة التلاوة ونجوم التلاوة، حدثنا عن ذلك.

- بالفعل هذا الأمر يأخذ الكثير من اهتمامى ووقتى، ربما بسبب تربيتى، وبسبب نشأتى الريفية، حتى عندما جئت إلى القاهرة، صادقت أساتذة كباراً أخذوا بيدى فى هذا المجال، مثل الشيخ إمام عيسى، وعمار الشريعى، وإبراهيم منصور، وعلاء الديب، وخيرى شلبى، وغيرهم، كنت أتابع المقرئين فى المساجد، فإذا علمت بوجود مقرئ جيد فى مسجد الحسين، ذهبت لأصلى الفجر هناك، وما زلت أفعل ذلك حتى الآن، وأعرف مجموعة من المقرئين الحاليين، وأرى أن مدرسة التلاوة هذه تحتاج إلى رعاية أكبر من الدولة، من أجل اكتشاف أصوات جديدة، وحتى لا نترك السلفيين، الذين فى رأيى أسوأ من الإخوان، لديهم نفوذ فى الشارع، والدولة ليست منتبهة لهم، فهم مسئولون عن الكتاتيب، ويقومون بتعليم الأطفال التلاوة بطريقة خليجية، وليس بالطريقة الإبداعية المصرية، يجب على الدولة ألا تترك المشايخ وحدهم يقررون، بل ليكن الذين يهتمون بالموسيقى معهم، فلا يكون الأمر بيد المشايخ فقط، لأن هذا فن، اسمه فن تلاوة القرآن، ونحن لدينا مدرسة عريقة لا تحتاج إلى معلمين جدد، فلدينا تسجيلات نقول للأجيال الجديدة «احذوا حذوها»، وسوف يفعلون ذلك، ويبدعون عندما يكبرون.

■ إلى أى مدى يصل تأثير الطريقة الخليجية فى التلاوة على الهوية المصرية؟

- هذا التوجه يمثل خطراً كبيراً وحقيقياً على الوجدان المصرى، لأن مدرسة التلاوة المصرية هى مدرسة ريفية، وليست صحراوية، وهذا خطر على الهوية، حتى على الوجدان المصرى، فالثقافة الريفية، وهى ثقافة الزراعة، حيث يزرع الإنسان بذرة وينتظر ثلاثة أشهر حتى تنمو، وهذه الثقافة تقوم على التأمل والتصوف، وتقدم إحساساً نادر الوجود، على النقيض من ذلك، الثقافة الصحراوية القائمة على القنص، وأنا لا أُدين أصحاب هذه الثقافة، ولكنى لا أشبههم، فهذه من مراكز قوتنا فى العالم الإسلامى كله، ويجب ألا نفرط فيها، مصر تملك نفوذاً كبيراً فى السينما، وفن تلاوة القرآن، والغناء، وهذه كانت من أدوات نفوذها فى العالم العربى والإسلامى، ما أقصده الجوانب الوجدانية، التى لا تخص النخبة، أو من يقرأون ويكتبون فقط، بل الناس العاديون الذين لا يشترون الكتب، الذين يفتحون الراديو ليستمعوا إلى عبدالوهاب وأم كلثوم، ويجلسون أمام التليفزيون ليشاهدوا سعاد حسنى، ويستمعون لمصطفى إسماعيل، أو عبدالباسط عبدالصمد، هؤلاء هم الشعب الحقيقى، الأكثر تأثيراً، والدرع التى تحمى مصر من الثقافات الوافدة.

■ دولة التلاوة فى مصر لها تأثير مترامى الأطراف، هل ما زالت لها سطوتها وقوتها الفاعلة؟

- كتبت كثيراً عن مدرسة التلاوة، وعن خصائص كل منطقة جغرافية، لأن كل مقرئ يعبر عن منطقته، أغلب المقرئين العظام جاءوا من الدلتا، بفضل المعهد الأحمدى فى طنطا، أهم معهد لفنون التلاوة حتى الخمسينات تقريباً. كان يأتى إليه أى شخص من أى مكان فى العالم، فتركز المقرئون فى دلتا الغربية والمنوفية والدقهلية، التى أخرجت وحدها ما يقارب 70% من القراء المصريين، لقربهم من المعهد، ولطبيعة الثقافة الفلاحية التى كانت تغذى هذا الفن.

«الصوفيون» حفظوا المجتمع من تشدد «الإخوان».. وكرة القدم لعبت دوراً فى تهذيب «فكرة التطرف» لدى المصريين

■ تحدثنا عن الإخوان، وعن تأثيرهم، وعن السلفيين، وهناك الصوفية.. حدثنا عنها.

- الصوفيون موجودون، وأعتقد أنهم حفظوا المجتمع من تشدد الإخوان، وأهم ما يميز النسيج الاجتماعى فى مصر، وهذا ما يجعلنا لا نمر بما تمر به العراق وسوريا، أن عقولنا سنية وقلوبنا شيعية، أى إننا مع السنة بالعقل، ومع آل البيت بالقلب، وهذا صنع حالة صفاء روحى فى مصر، التصوف هو المياه الجوفية للوجدان المصرى، هى التى حمت مصر من تطرف وشطط الإخوان، ولم يدلل أحد آل البيت كما دللهم المصريون، أما الذين يعادون المتصوفة أو المؤمنين، فهم إما من المتشددين، أو المتحذلقين، الذين لا يعرفون طبيعة المواطن البسيط النقى.

قوة مصر الحقيقية تكمن فى «القوى الناعمة» القادرة على مواجهة التشدد.. والمصريون يفاجئون العالم كل يوم بقدراتهم ووعيهم

■ ننتقل إلى جزئية كنت أود أن أسألك عنها أيضاً، وهى من الأمور التى تميّزك وكتبت عنها كثيراً، وهى كرة القدم!

- كنت لاعب كرة، وأحب اللعبة كثيراً، أرى أن كرة القدم صنعت شيئاً جميلاً، بعيداً عن التعصّب، فقد هذّبت فكرة التطرف عند الناس، إذ يصبح الغضب على فريقى وفريقك خيراً من أن يكون على دينى ودينك، أو قريتى وقريتك، أو قبيلتى وقبيلتك، هى فعلاً تخلق حالة من التنفيس، وهذا أمر أراه مهماً، خاصةً فى ظل ظروفنا الاقتصادية الحالية، ومع فقدان قطاعات واسعة من المجتمع الثقة فى المستقبل، عندما يكون هناك طفل صغير أو شاب يتدرب ليصبح لاعب كرة، فهو أفضل بكثير من أن يتدرب ليصبح إرهابياً، وهذه فى رأيى صناعة يمكن استثمارها.

■ حدثنا عن علاقتك بالأديب الكبير نجيب محفوظ.

- عرفت الأستاذ نجيب قبل حصوله على نوبل بثلاث أو أربع سنوات، وكنت أتردد عليه فى مقهى «على بابا» فى التحرير، أولاً بصحبة بهجت عثمان، وجميل شفيق، رحمهما الله، ثم عرفت المخرج توفيق صالح، وكانت علاقتى به جيدة أيضاً، وبعد حادثة طعنه، لم أعد أراه كثيراً كما فى السابق، وعندما علم، عن طريق «جميل»، أننى مقدم على الزواج، أراد أن يرانى وهنأنى قائلاً: «هذا خبر سعيد»، ثم قال لى مازحاً: «الشيخ سيد مكاوى عمل لك أغنية بمناسبة زواجك»، فسألته: «حقاً؟»، فقال: «اسمها خلى شوية علىّ وخلى شوية عليك»، بالطبع كانت أغنية شهيرة وقتها، وشرح لى أن الزواج شراكة، وأنه يحتاج إلى التنازل من الطرفين.

أصوات مصر

مصر دائماً ولادة، وأنا أحب ياسر الشرقاوى، فهو صوت جميل، والطاروطى صوت جميل، ومحمود ابن الشحات أنور، وكان أبوه مقرئاً جيداً فى السبعينات، وآخرين، ولكن أقل من الرعيل الأول والثانى والثالث، وعلى المستوى الشخصى، أحب الشيخ ياسر الشرقاوى، لأنه من مدرسة شيخى المحبب مصطفى إسماعيل، وأقول هنا إننا كنا فى السابق نعتمد على أشخاص آخرين، بالإضافة إلى الشيوخ، فى اختيار المقرئين، وقد شهدت شخصياً الموسيقار عمار الشريعى عضواً فى لجنة اختيار المقرئين فى الإذاعة والتليفزيون، أنا أتحدث عن منتصف تسعينات القرن الماضى، أما اليوم، فيبدو أنه لا توجد لجان واضحة، فقد فتح «اليوتيوب» المجال، لكن ما زال من المستحيل أن يقرأ أحد فى الإذاعة المصرية دون اعتماد رسمى.


مواضيع متعلقة