الهجوم على قطر.. وسياسة النفخ في النار
المؤكد أن إسرائيل تنفخ في النار لإشعال المنطقة. هذا الكيان الاحتلالي الاستعماري نشأ لكي يؤجج النار في المنطقة ويشعل الحروب ويقسم أراضيها لحسابه وحساب معتقداته ومصالحه غير عابئ بأي نظام دولي أو قوانين أو قواعد، ويسعى لتحطيم كل القواعد السياسية والدبلوماسية والعسكرية لفرض فوضى تجتاح المنطقة لإعادة رسم جغرافيتها من جديد.
الحدث الذي نتناوله هجوم إسرائيل الذي استهدف مقرًا لحركة حماس في الدوحة، مع نجاة قيادات بعد تحذير، وردودٍ دبلوماسية واسعة ونداءات أممية. مثّلته تغطية إعلامية واسعة خلال الأيام الماضية؛ الأمم المتحدة ومجموعة دول أدانت الضربات علنًا، وحتى واشنطن أبدت موقفًا نقديًا نادرًا تجاه العملية.
اللافت نجاة قادة حماس، وهو ما يعني أن إسرائيل توجه رسالة ردع وإظهار قوة. فضرب مقرّ لقيادات حركة حماس داخل دولة خليجية يعكس رغبة إسرائيل في إظهار أن قدراتها تتجاوز الحدود التقليدية، وأنها قادرة على استهداف أهداف «حسّاسة» حتى خارج ساحات القتال. هذا يدخل في منطق القوة والعربدة، أي استخدام التفوق العسكري لإحداث رعب رادع أو لإجبار خصم أو وسطاء على تغيير سلوكهم.
وهو في نفس الوقت اختبار لتوازنات أميركية وقواعدها، فتوقيت العملية قرب قواعد تحالف أمريكي وبخاصة قاعدة العُديد أثار تكهنات بأنها قد تكون رسالة أيضًا، إما أن إسرائيل تستعرض قدراتها، أو تختبر مستوى انخراط وتحمّل واشنطن وحلفائها في الخليج. أما نجاة قادة حماس فيشير إلى أنهم نجوا بفضل تحذير أو معلومات استخبارية، وهو ما ينبئ بوجود شبكات معلوماتية أو جهة ثالثة كانت تتابع الوضع عن كثب، وهذا يفتح احتمالين: إما أن جهة محايدة أو دولة رصدت الخطر ونبهت، أو أن معلومات التسريب كانت داخلية لدى الحشد العسكري ذاته.
بعد الهجوم أدانت الجامعة العربية والأمم المتحدة ما فعلته إسرائيل، لكن لن يكون هناك رد عسكري سواء كان محدودًا أو عبر وكلاء. دول إقليمية أو فصائل قد تختار ردًّا عبر هجمات صاروخية محدودة أو عمليات سيبرانية أو ضرب قواعد لوجيستية قريبة بدلاً من مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، للحفاظ على التصعيد تحت عتبة الحرب الشاملة. هذا النمط من المواجهة اتُّبع في أزمات سابقة.
أما الواجهة المباشرة مع أمريكا وإسرائيل فقد تؤدي إلى تدخل الحلفاء بصورة يكون نتيجتها تصعيد أوسع. ومن جانب آخر، أظهرت التقارير حذرًا أميركيًا واضحًا بعد الحادث، فواشنطن استنكرت لكن لم يكن ذلك بقوة واضحة.
أما مصر فهي تفضل الحلول السياسية وتجنب الصدام المسلح رغبة في إحلال السلام بالمنطقة، وعدم استدراج البلاد للصدام المسلح وخوض حرب لا تريدها. لذا فهناك حراك ومواقف دبلوماسية مكثفة وشديدة اللهجة ضد انتهاك السيادة القطرية، مع دعوات لتهدئة وحماية المدنيين.
كشفت الحوادث الأخيرة أن الأمن الإقليمي هش، فأي ضربات على دول خليجية أو وجود قواعد لحلفاء مثل القاعدة الأميركية في العُديد يعني أن أي تصعيد قد يطال خطوط إمداد الطاقة والملاحة، وهذا يزيد حساسية الدول الخليجية تجاه أمنها والجيوسياسة.
فالخليج يملك نحو الثلث من إنتاج النفط العالمي وكمية كبيرة من احتياطات الغاز. وأي اضطراب أمني كبير يرفع أسعار الطاقة عالميًا ويجبر الدول المستوردة على إعادة ترتيب تحالفاتها وتأمين بدائل. أما الدول العربية المصدرة (السعودية، الإمارات، قطر) فستزداد أهميتها الاستراتيجية، لكن ستكون أيضًا أكثر عرضة للابتزاز أو الضغوط السياسية.
إن هذا الهجوم قد يؤدي إلى إحراج واشنطن لممارسة ضغوط على إسرائيل بدلًا من مشاهدتها تُدان علنًا من قبل مجلس الأمن. وفي كل الأحوال فقد ينعكس ذلك على دول الخليج وإعادة حساباتها وعلاقاتها الأمنية، أو دفعها لتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية والتقارب مع مصادر قوة أخرى.
ونتوقع في المدى القريب أن يكون هناك تحرك دبلوماسي وإدانات، في محاولة لاحتواء الموقف واستعادة الهدوء، وسيناريوهات محدودة للرد من جهات ثالثة. أما في المدى الزمني المتوسط فربما يكون هناك تصاعد في سباق الردع الإقليمي. أما في المدى الطويل، إذا استمر نمط «الضربات خارج الحدود» دون آليات رقابة دولية فعّالة، فهذا قد يعيد تشكيل تحالفات إقليمية ويزيد الاستثمار في القدرات الذاتية للدول الخليجية.
إن هذه العملية إظهار للقوة من جهة إسرائيل وربما اختبار لمدى تحمّل الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج. أما مصر فسوف تحاول أن تكون وسيطًا وتجنّب المواجهة المباشرة حفاظًا على استقرارها ومصالحها.