أشرف غريب يكتب: هل كان مجرد مهرج أو بهلوان؟

كاتب صحفي

أشد ما كان يزعج الفنان الراحل إسماعيل ياسين نظرة النقاد والمثقفين له على أنه مجرد مهرج أو حتى بهلوان، لا سيما طوال فترة الستينات وبداية السبعينات وقت أن سيطر على الحياة الثقافية فى مصر عتاة التقعير والتنظير ذوو الميول التقدمية أصحاب نظريات النضال بالقلم والكلمة ليس إلا، وربما استقرت تلك النظرة فى نفس إسماعيل ياسين بشكل لا إرادى، ودفعته إلى ذلك التجهم الذى تحدث عنه كثيراً كل من اقترب منه على المستوى الشخصى، والذين وصفوه فى الحقيقة بالشخص الصارم حاد الطبع أحياناً البعيد عن النكتة والقفشة اللطيفة اللتين عُرف بهما فى أعماله الفنية.

وأنا لا أظن أنه كان حاداً مفرطاً فى الحدة، وإنما كان جاداً فى حياته لا يبتذل النكتة أو خفة الظل كما اعتاد فنانو الكوميديا تماماً مثلما كان «الريحانى» أو على الكسار اللذين عُرفا أيضاً فى حياتهما الخاصة بالصرامة وقوة الشخصية، كان إسماعيل ياسين رجلاً طبيعياً أنضجته خبرة الأيام وسنوات الشقاء، وآلمته نظرة الآخرين له تلك النظرة الدونية إذا جاز التعبير، فبات حريصاً على صورته بل وهيبته وسط الآخرين.

وكثيراً ما حدّثنى ابنه المخرج الراحل ياسين إسماعيل ياسين عن الحزم الذى كان ينتهجه الكوميديان الراحل فى تربية ابنه، كان -على حد وصف «ياسين» ابنه- شديداً فى بأسه، شديداً فى طيبته ورِقّة قلبه وحبه لابنه الوحيد، وربما لا يعرف الكثيرون أيضاً أن لإسماعيل ياسين -الذى نحتفل بذكرى ميلاده غداً (مواليد مدينة السويس فى الخامس عشر من سبتمبر 1912)- بعض المساهمات الوطنية بعيداً حتى عن أفلامه التى رغّبت الشباب فى الانخراط فى سلك الجندية على طريقة أفلام مثل: إسماعيل ياسين فى الجيش، إسماعيل ياسين فى البوليس، وفى الأسطول وفى الطيران.. وبقية تلك السلسلة، فقد وقعت فى يدى وثيقة مهمة -وأنا من هواة جمع الوثائق- خارجة من مكتب رئيس الوزراء المصرى سنة 1956 تشكر إسماعيل ياسين وصديقه المؤلف أبوالسعود الإبيارى على تبرعهما لصالح الجيش المصرى، هذا نصها:

«بسم الله الرحمن الرحيم.. مجلس الوزراء.. مكتب الرئيس..

السيد إسماعيل ياسين وأبوالسعود الإبيارى: تفضلتم وقدمتم مبلغ 2000 جنيه و750 مليم مساهمة منكم فى تسليح الجيش لاستكمال وسائل الدفاع عن الوطن المفدّى، فتقبلوا خالص شكرى على نبيل مشاعركم وصادق وطنيتكم.

توقيع

جمال عبدالناصر

رئيس مجلس الوزراء

تحريراً فى 25/2/1956

ويلفت الانتباه فى هذه الوثيقة عدة أمور:

أولاً: يؤكد تاريخ الخطاب (25/2/1956) أنه كان بعد أشهر قليلة من عرض فيلم «إسماعيل ياسين فى الجيش» وقبل أشهر أخرى من عرض فيلمه التالى فى تلك السلسلة «إسماعيل ياسين فى البوليس»، ما يؤكد أن قيام الكوميديان الكبير ببطولة هذه الأفلام لم يكن مجرد أكل عيش أو تنفيذاً لتكليف رئاسى، وإنما كان نابعاً من يقين حقيقى بدوره الوطنى فى تلك المرحلة المهمة من عمر البلاد.

ثانياً: أن التبرع كان من خلال فرقة إسماعيل ياسين المسرحية بدليل وجود اسم شريكه بالفرقة ومؤلف مسرحياته أبوالسعود الإبيارى دون أن يستأثر بطل الفرقة بالتبرع بمفرده.

ثالثاً: لم يكن إسماعيل ياسين وحده هو الذى تبرع فى حملة تسليح الجيش المصرى، وإنما شارك فيها أيضاً معظم فنانى هذه الفترة، غير أن مبلغ الألفى جنيه نصيب ياسين والإبيارى كان الأكبر من بين كل المتبرعين بحسب ما ذكرته صحف تلك الفترة بمن فى ذلك الموسيقار محمد عبدالوهاب، الذى لم يزد تبرعه على 300 جنيه، فيما قدّمت فاتن حمامة وزوجها عمر الشريف معاً 350 جنيهاً فقط، وأكبر مبلغ دفعته شركة إنتاج أو فرقة مسرحية كان ألف جنيه، فما بالنا بألفى جنيه من جنيهات منتصف الخمسينات؟ وهو ما يدلل على حماس إسماعيل ياسين لكل توجهات الثورة، وأن ما قدمه من فن لم يكن من منطلق مهنى فقط، وإنما كان أيضاً بدافع وطنى صميم.

رابعاً: كان واضحاً حرص الرئيس عبدالناصر الذى كان يشغل أيضاً منصب رئيس مجلس الوزراء على أن يوقع وثيقة الشكر بنفسه، وأن تخرج من مكتبه، بدلاً من أن يتولى الأمر مكتب وزير الإرشاد تقديراً من «عبدالناصر» للدور الذى يقوم به إسماعيل ياسين فى خدمة أهداف الثورة وتشجيعاً له على المضى فى هذا الاتجاه، وهو ما يؤشر لتناغم واضح بين الرئيس والكوميديان الشهير.

وتتحدث المعلومات المتعلقة بتلك الفترة عن أن الرئيس عبدالناصر كان محباً لإسماعيل ياسين بشكل شخصى، وأنه كان يعتبر أفلامه متنفساً له كما للشعب المصرى من هموم الحياة اليومية وضغوطها، بعكس الرئيس السادات الذى كان يفضل نجيب الريحانى على إسماعيل ياسين، حتى إنه شاهد أحد أفلامه بسينما المنيل عشية قيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 كنوع من التمويه وخداع أى أعين يمكن أن تكون تراقبه فى تلك الليلة المجيدة، أما بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة فلم تُعرف عنهم أى آراء فنية معلنة حتى وإن كان معظمهم قد غاصت قدماه فى وحل العلاقات الخاصة مع نجمات تلك الفترة.