العثور على صافرة مصرية عمرها 3300 عام.. استخدمت لحراسة مقبرة ملكية

كتب: أمنية سعيد

العثور  على صافرة مصرية عمرها 3300 عام.. استخدمت لحراسة مقبرة ملكية

العثور على صافرة مصرية عمرها 3300 عام.. استخدمت لحراسة مقبرة ملكية

وسط رمال تل العمارنة التي تخفي أسرارًا تعود إلى آلاف السنين، عثر علماء الآثار على قطعة صغيرة بحجم كف اليد، تحمل تاريخًا ضائعًا منذ 3300 عام.. صافرة بسيطة، منحوتة من عظمة إصبع بقرة، لكنها قد تكون أول «صافرة» عرفتها مصر القديمة، استُخدمت لمراقبة العمال وحماية مقبرة ملكية في مدينة «أخيتاتون» التي أسسها والد الملك توت عنخ آمون، ذلك الاكتشاف الفريد قد يفتح نافذة على تفاصيل الحياة اليومية بعيدًا عن قصور الفراعنة وعروشهم.

قصة صافرة مصرية عمرها 300 عام

ميشيل لانجلي، الباحثة المشاركة في الدراسة والأستاذة المساعدة في علم الآثار بجامعة جريفيث في أستراليا، قالت إنّ هذا الاكتشاف فريد للغاية، وعثر علماء الآثار في مشروع تل العمارنة على الصافرة عام 2008، في أثناء تنقيبهم بموقع أثري داخل مدينة أخيتاتون، ولكن لم تحلّل إلا في الآونة الأخيرة، وتُعرف المدينة بمؤسسها الفرعون أخناتون الذي منع عبادة الآلهة المصرية الأخرى باستثناء آتون، قرص الشمس، لكن العاصمة التي تأسّست نحو 1347 قبل الميلاد، لم تدم سوى 15 عامًا، وتمّ التخلي عنها بعد وفاة الفرعون، حيث أعاد الملك توت عنخ آمون لاحقًا الآلهة المصرية إلى المملكة، بحسب ما ذكرت مجلة «live science» العلمية.

منظر جانبي لصافرة مصنوعة من عظمة أصابع البقرة

وأوضحت «لانجلي» أنّ هذه الصافرة التي تُعتبر قطعة أثرية بسيطة للغاية، تُلقي الضوء على أنشطة السكان غير الملكيين في المدينة، وأضافت أنّ العظمة تحتوي على ثقب واحد محفور، وتتناسب بشكلٍ مريحٍ مع راحة اليد.

وفي إحدى التجارب، وصنع الباحثون نسخة طبق الأصل من عظمة إصبع قدم بقرة طازجة، ووجدوا أنّ الشكل الطبيعي لنهاية العظمة يخلق سطحًا مثاليًا لوضع الشفاه، حتى يتمكن الشخص من النفخ عبر الفتحة.

وعثر الباحثون على الصافرة في موقع يسمى القرية الحجرية، وهو قريب من موقع آخر يعرف باسم قرية العمال، ويرجح أنّ القريتين كانتا تؤويان العمال الذين شاركوا في بناء المقبرة الملكية، وفقًا لفريق البحث الذي أشرف عليه عالما الآثار من جامعة كامبريدج آنا ستيفنز وباري كيمب.

ووجدت الحفريات السابقة أنّ القرى كانت تضم شبكة معقدة من الطرق بجانب سلسلة من الهياكل الصغيرة، التي ربما كانت نقاط مراقبة جيدة للضباط لمراقبة المنطقة، حسب ما كتب الباحثون في الدراسة التي نشرت في المجلة الدولية لعلم الآثار العظمية.

منظر أمامي للثقب الموجود في صافرة العظام

وذكرت «لانجلي» أن هذه المنطقة يبدو أنّها كانت تخضع لحراسة أمنية مشددة للحفاظ على الموقع المقدس للمقبرة، بحيث لا يمكن الوصول إليه إلا من قبل الأشخاص المعنيين فق، وبالتحديد، جرى العثور على الصافرة في مبنى فسره الفريق على أنه نوع من نقاط التفتيش للأشخاص الذين يدخلون ويخرجون من قرية ستون، ولهذا فإن استخدام الصافرة من قبل شرطي أو حارس هو التفسير الأكثر منطقية.

الميدجاي لحراسة مقابر المصريين القدماء

وفي موقع شهير آخر، وهو دير المدينة، وهي قرية لعمال المقابر في وادي الملوك، كان عمال المقابر يخضعون لحراسة أمنية مماثلة، وتكشف قطع أثرية أخرى من عصر الدولة الحديثة، مثل النصوص والصور، أن المصريين كان لديهم ضباط شرطة يعرفون باسم «الميدجاي»، وقالت لانجلي إنّ الميدجاي كانت مجموعة من البدو الرحل، أصلهم من منطقة صحراوية، واشتهروا بمهاراتهم العسكرية المتميزة، وقد استخدمهم المصريون كقوة شرطة نخبة.

وهناك أدلة أخرى تشير إلى أن الصافرة المكتشفة حديثًا كانت تستخدم من قبل ضابط شرطة، فعلى سبيل المثال، اكتشف قبر مزخرف لرئيس شرطة أخيتاتون «ماهو»، في المنطقة نفسها، ويظهر قبر ماهو، رئيس الشرطة في أخيتاتون، ما قد يكون حراسًا يحرسون نقاط مراقبة مختلفة.

صورة لمناظر طبيعية صحراوية

وتُظهر لقطة مقربة من النقوش على جدار القبر حصانًا واقفًا وحراسًا في مواقع المراقبة، ووفقًا لميشيل لانجلي، فإنّ تفاصيل من مقبرة «ماهو» تظهر الحراس المحتملين الذين يشرفون على مواقع المراقبة، وأضافت في قبره، يظهر أحد المشاهد رجال الشرطة وهم يحتجزون رجالًا، على ما يبدو أُلقي القبض عليهم وهم يحاولون التسلل إلى المدينة، وفي مشاهد أخرى، نرى سلسلة من الحراس يقفون على طول ما يُحتمل أن يكون طريقًا مشابهًا للطريق الذي يحيط بالقرى.

وفي صورة أخرى في مقبرة ماهو، يقف الحراس عند هياكل صغيرة قد تكون نقاط تفتيش، وقالت لانجلي: «نعلم أن الشرطة كانت تحرس حدود المدينة ومناطقها بنشاط»، وعندما رأت لانجلي الصافرة لأول مرة، ذكّرتها بالصفارات المنحوتة من العظام من العصر الحجري في أوروبا، وبعد استبعاد استخدامات أخرى لهذه القطعة الأثرية المصرية، مثل استخدامها كقطعة للعب، شعرت لانجلي وزملاؤها بالحماس لتوثيق أول صافرة معروفة في مصر القديمة.

وتقول «لانجلي»: «على الرغم من الاهتمام الكبير بالمقابر والآثار التي بناها الفراعنة، فإنّنا لا نزال لا نعرف سوى القليل نسبيًا عن الشخص العادي، وتعد مواقع مثل تل العمارنة بالغة الأهمية لأنها توثق حياة ليس فقط الفرعون وحاشيته، بل أيضًا حياة الناس العاديين».