الوجه الآخر لسليمان شفيق.. «رفعت» مناضل مصري مع الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي من قلب لبنان
الوجه الآخر لسليمان شفيق.. «رفعت» مناضل مصري مع الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي من قلب لبنان
«رحيل سليمان يمثل خسارة كبيرة للمجتمع المصري، الذي يحتاج في هذه اللحظات الحرجة إلى مثل هذه النماذج الوطنية النزيهة»، هكذا عبر الكاتب والباحث أحمد بهاء الدين شعبان، عن رحيل الكاتب الصحفي سليمان شفيق، اليوم، بعد صراع مع المرض، مؤكدًا أنه عاش فقيرًا لكنه كان غنيًا بانتمائه الوطني والإنساني، وترك إرثًا من العطاء الفكري والسياسي سيظل حاضرًا في الذاكرة.
ولد سليمان شفيق سليمان، في محافظة المنيا، يوم 7 مارس 1953، حصل على ماجستير الإعلام من جامعة موسكو عام 1987، وله العديد من الدراسات العلمية المنشورة، وكتب في الكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية المصرية واللبنانية، بالإضافة إلى عدة كتب بينها «الأقباط.. 2000 عام بين المشاركة والعزلة»، و«رحلة إلى فلسطين»، و«ثلاثة وجوه»، ترك فيها خلاصة خبراته في الحياة والسياسة والصحافة للأجيال الجديدة، إلا أن ما لا يعرفه الكثيرون عنه هو وجهه النضالي ودعمه لقضايا الوطن، والقضية الفلسطينية.
الانضمام للمقاومة
عن هذا الوجه، يقول الدكتور عمار علي حسن، الكاتب والباحث السياسي، والذي قال إن «شفيق» انضم في فترة سابقة إلى المقاومة اللبنانية، قبل اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 وإجبارها على المغادرة إلى تونس، موضحًا أن هذا الصحفي كان ضمن مجموعة من الشباب المصريين، من بينهم أحمد بهاء الدين شعبان، حيث كانوا يتحركون بجوازات سفر بأسماء مستعارة، وينتقلون مع الفدائيين الفلسطينيين من لبنان إلى دول أخرى لتنفيذ عمليات في أوروبا وخارجها.
وأشار إلى أن سليمان شفيق حمل اسمًا حركيًا هو «رفعت»، وكان يعمل في صحيفة «معركة» التابعة للمقاومة، لكنه لم يكتف بالعمل الإعلامي فقط، بل شارك أيضًا كمقاتل ضمن صفوفهم، مضيفا أن ما كتبه عن تلك المرحلة في روايته «ثلاثة وجوه»، يعتمد في جانب كبير على الروايات التي يختلط فيها الواقع بالخيال، إلا أن المؤكد أنه عاش التجربة بكل تفاصيلها.
وتابع أن هذا الصحفي عاد لاحقًا إلى ممارسة عمله الإعلامي، وبعد توقيع اتفاق أوسلو توجّه إلى الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية لمتابعة ومراقبة الانتخابات الفلسطينية، بعد أن استأذن نقابة الصحفيين والبابا شنودة الذي كان يرفض التطبيع، لكنه سمح له بالسفر في هذه المهمة، موضحًا أن تلك كانت المرة الثانية التي ينخرط فيها مع الفلسطينيين، ولكن بصفة صحفي ومراقب، حيث كتب لاحقًا عن تجربته في كتاب بعنوان «رحلة إلى فلسطين».
تفاصيل السفر إلى لبنان
وكشف الكاتب والباحث أحمد بهاء الدين شعبان، أحد رفقاء الراحل سليمان في تصريحات لـ«الوطن» عن تفاصيل مهمة من سيرته السياسية والنضالية، مؤكدًا أن فترة السبعينات وأوائل الثمانينات كانت مرحلة صاخبة شهدت تصاعد المواجهة مع إسرائيل ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية، بالتوازي مع الحرب الأهلية اللبنانية.
وأوضح أن عددا كبيرا من المثقفين المصريين هاجروا إلى الخارج عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد، واستقر بعضهم في فرنسا وأوروبا والعراق وسوريا، بينما كان التجمع الأكبر في بيروت، حيث أصبحت ساحة رئيسية للنضال، وكان سليمان كان من الشخصيات البارزة وسط هذا المناخ، إذ امتلك قدرة لافتة على جمع الناس والتأثير فيهم، وعُرف بعطائه السياسي والأخلاقي والإنساني.
وأوضح «بهاء الدين» أن بيروت جمعت في تلك الفترة طيفًا واسعًا من الثوار من مختلف الجنسيات والديانات، وكان سليمان حاضرًا بينهم بإنسانيته النبيلة، حيث شارك في دعم المقاومة الفلسطينية سياسيًا وثقافيًا، وكتب في صحف مثل «الأهالي»، كما انخرط في أنشطة حزب التجمع، مشددًا على أنه لم يكن مجرد كاتب، بل كان جزءًا من الحالة النضالية العامة، متفاعلًا مع الفصائل الفلسطينية المختلفة، وإن ظل الدور الثقافي والتعبيري هو الأبرز في نشاطه.
رسالة واضحة
وتابع أن وجود مثقفين مصريين في صفوف المقاومة حمل رسالة واضحة مفادها أن الشعب المصري ظل منحازًا للقضية الفلسطينية حتى بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، مضيفًا أن سليمان لعب دورًا مهمًا في إدارة النقاشات وتقديم المحاضرات والكتابات التي دعمت الموقف الفلسطيني والعربي، وظل حاضرًا في كل المناسبات التي احتاجت إلى صوت وطني صادق.
وعن الجانب الإنساني، قال «بهاء الدين» إن سليمان كان بمثابة الأخ الكبير له ولرفاقه، مشيرا إلى أنه تحدث معه قبل أيام من رحيله حينما كان في المستشفى، ولم يبدُ أن أزمته الصحية خطيرة، لكن خبر وفاته جاء صادمًا، متابعًا: «هناك شخصيات وجودها في حياتك جزء من مقاومتك اليومية، حتى لو لم تكن على تواصل دائم معها، وسليمان كان واحدًا من هؤلاء».
إرث مهم.. وخسارة كبيرة
وختم حديثه قائلاً: إن رحيل سليمان يمثل خسارة كبيرة للمجتمع المصري، الذي يحتاج في هذه اللحظات الحرجة إلى مثل هذه النماذج الوطنية النزيهة، مؤكدًا أنه عاش فقيرًا لكنه كان غنيًا بانتمائه الوطني والإنساني، وترك إرثًا من العطاء الفكري والسياسي سيظل حاضرًا في الذاكرة.