غياب العدالة في «غزة».. حماية «كرامة الموتى» جريمة تستوجب الإعدام

كتب: محمود العيسوي

غياب العدالة في «غزة».. حماية «كرامة الموتى» جريمة تستوجب الإعدام

غياب العدالة في «غزة».. حماية «كرامة الموتى» جريمة تستوجب الإعدام

فى أحد شوارع مدينة غزة، وفى مشهد يتكرر كالكابوس فى ذاكرة الفلسطينيين، سقط أربعة أفراد من عائلة واحدة برصاص قناصة إسرائيليين جاءوا من ضواحى شيكاغو وميونيخ للمشاركة فى قتل أصحاب الأرض بدم بارد، هؤلاء الضحايا لم يكونوا مسلحين، ولم يشاركوا فى أى معارك، بل حاولوا فقط حماية كرامة الموتى، وانتشال الجثامين من قارعة الطريق، لكن ذلك كان كافياً لأن يتحولوا إلى أهداف لجنود يتعاملون مع مشاعر الحب والحزن كجرائم تستوجب الإعدام الميدانى.

يكشف هذا التحقيق، الذى استغرق خمسة أشهر، وشارك فيه تحالف يضم صحيفة «الجارديان» البريطانية، وشبكة «أريج» للصحافة الاستقصائية، وصحيفة «بيبر تريال ميديا»، إضافة إلى مجلتى «دير شبيجل»، و«زد دى إف» الألمانيتين، تفاصيل المأساة التى تعرضت لها عائلة «دغمش» فى أحد شوارع حى «تل الهوا» بمدينة غزة، وتضعها تلك الجريمة فى سياق أوسع لأنماط القتل التى ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلى، حيث باتت أجساد المدنيين وجنازاتهم جزءاً من ساحة الحرب.

فى صباح يوم 22 نوفمبر 2023، بدا المشهد فى حى «تل الهوا» خادعاً، أصوات تقطيع الخشب فى الشارع منحت السكان شعوراً زائفاً بالطمأنينة، وكأن القتال لم يبلغ ذلك الحى، لكن فى الحقيقة، كان قناصة إسرائيليون، من وحدة غير رسمية يطلق عليها اسم «رفائيم»، أى «الشبح»، اتخذوا مواقعهم فى مبنى مرتفع يطل على شارع «منير الريس»، قرب حديقة «برشلونة»، كانوا يترقبون أى حركة، يضعون خطوطاً وهمية لا يعرفها أحد سواهم، ويحوّلون كل من يخطو نحوها إلى «هدف مشروع».

فى ذلك اليوم، خرج الشاب الفلسطينى «محمد دغمش»، البالغ من العمر 26 عاماً، مع ابن عمه، ليتفقد المكان، لم يكن يحمل سلاحاً، بل اعتاد أن يكسب قوت يومه بجمع الخردة، كان محباً للحياة، يساعد والدته يومياً فى إعداد عجين الخبز، ويعشق أجنحة الدجاج، فى تلك اللحظة، كان يسير بجوار ابن عمه «يوسف»، لكن رصاصة القناص الألمانى «دانيال جريتس» اخترقت جسده، لتتحول خطواته الأخيرة إلى مشهد مأساوى، وثّقته كاميرا جندى إسرائيلى، بينما نجا «يوسف» بأعجوبة، إلا أنه يتذكر كيف هوى «محمد» أرضاً بلا أى مقاومة.

لم تمضِ دقائق حتى هرع «سالم»، الشقيق الأصغر لـ«محمد»، محاولاً سحب جسد أخيه بعيداً، «سالم»، الذى لم يتجاوز التاسعة عشرة، كان قد ترك دراسته مبكراً ليلتحق بشقيقه فى العمل، ويحلم بمستقبل يخفف عبء العائلة، لكن قناصاً آخر، هذه المرة الأمريكى «دانيال راب»، وجّه رصاصته إلى رأسه مباشرة، واعترف «راب» لاحقاً، فى مقابلة مصوّرة: «كان أول قتيل لى، كنت أعلم أنه غير مسلّح، لكنه حاول فقط سحب جثة أخيه، وهذا سبب كافٍ لإطلاق النار».

حين سقط «سالم» شهيداً بجوار جثمان شقيقه الأكبر «محمد»، خرج والدهما «منتصر»، الرجل الخمسينى، الذى لم يحتمل رؤية ولديه مضرجين بالدماء، لم يقل سوى كلمة واحدة: «أولادى»، قبل أن ترديه رصاصة قناص آخر، ولم تقف المأساة عند هذا الحد، فقد حاول ابن عمهما «خالد»، إنقاذ الأب «منتصر»، وبالفعل حمله بعيداً، لكنه أصيب إصابات بالغة فى ذراعه وصدره، ما زال يعانى من آثارها حتى اليوم، وبعد ساعات قليلة، استشهد أيضاً قريب آخر للعائلة، يدعى «محمد فريد»، يبلغ من العمر 47 عاماً، أصيب برصاص أحد قناصة «الشبح»، بينما كان يحاول الاطمئنان على منزله فى نفس الشارع.

«الجارديان»: فرقة «الشبح» غير نظامية غالبية أعضائها مزدوجو الجنسية يعتبرون كل فلسطينى بين 18 و40 عاماً هدفاً مشروعاً

تؤكد صحيفة «الجارديان»، فى تقريرها عن نتائج ذلك التحقيق الاستقصائى المشترك مع صحف أخرى، أنه فى غضون ساعات، مزقت رصاصات القناصة الإسرائيليين ثلاثة أفراد من عائلة «دغمش»، على مرأى ومسمع الجيران، الذين لم يجرؤوا على الاقتراب، بعدما أدركوا أن أى محاولة لانتشال الجثث تعنى الانضمام إلى قائمة القتلى، وبقيت جثث الأب وابنيه فى الشارع، حتى سمحت هدنة مؤقتة فى 24 نوفمبر بدفنهم، ويكشف التحقيق أن فريق القناصة الذى ارتكب تلك «المجزرة»، لم يكن وحدة نظامية من القوات الخاصة الإسرائيلية، بل مجموعة أطلقت على نفسها «الشبح»، معظم أفرادها من مزدوجى الجنسية، جاءوا من أوروبا والولايات المتحدة، كانوا يعيشون حياةً طبيعية، قبل أن يتحولوا إلى «أدوات قتل» تشارك فى إبادة الفلسطينيين.

الأمريكى «دانيال راب»، القادم من ضواحى شيكاغو، كان لاعب كرة سلة جامعياً، قبل أن ينضم إلى جيش الاحتلال، فى مقابلات مصوّرة، تحدث ببرود عن عمليات «التصفية» التى نفذها، معتبراً أن أى رجل فلسطينى بين 18 و40 عاماً يُعد هدفاً، حتى لو كان أعزل، أما الألمانى «دانيال جريتس»، الذى نشأ فى ميونيخ، فقد وثّق ظهوره فى مقاطع فيديو نشرتها قوات الاحتلال نفسها، وتأكدت هويته عبر تقنيات التعرف على الوجوه، ومقابلات مع زملاء دراسة سابقين.

وتشير الصحيفة إلى أن مقاطع الفيديو، التى نشرها عدد من الجنود، بينهم «شالوم جيلبرت»، صارت لاحقاً أدلة فى تحقيقات لمنظمات حقوقية أوروبية، منها فى بلجيكا وفرنسا، تتابع شبهات ارتكاب «جرائم حرب»، كما أن الظهور المتكرر للقناصة، وهم يطلقون النار على مدنيين عزّل، يعزز من المطالبات بتحقيقات دولية وملاحقات قضائية، وجاءت شهادات جنود احتياط سابقين فى جيش الاحتلال، لتدعم هذه المطالبات، حيث قال أحد هؤلاء الجنود لـ«الجارديان» إنه شهد بنفسه عمليات إطلاق نار متكررة على فلسطينيين، كانوا يحاولون فقط سحب جثث أقاربهم.

وأضاف أن الجيش يرسم «حدوداً أمنية وهمية» لا يعرفها المدنيون، ثم يعامل أى شخص يعبرها كعدو، بل يوسّع دائرة الاستهداف، لتشمل من يحاولون إنقاذ أو انتشال من سقطوا أولاً، وتعتبر الصحيفة البريطانية أن هذا النمط الممنهج أدى إلى تحوّل قطاع غزة إلى مسرح لمجازر صامتة، حيث تُترك الجثث فى الشوارع، وتُستباح أبسط القيم الإنسانية التى كرّستها المواثيق الدولية، وفى مقدمتها القانون الدولى الإنسانى، الذى يؤكد أن «حماية المدنيين واجبة، وانتشال الجثامين وإنقاذ الجرحى عمليات محمية لا يجوز استهدافها»، حتى القواعد العسكرية الإسرائيلية المكتوبة تؤكد ذلك، كما أوضح «أسا كاشر»، أحد المشاركين فى وضع «مدوّنة أخلاقيات الجيش الإسرائيلى»، الذى قال: «من يسحب جثماناً أو يساعد جريحاً، يجب احترامه، لا استهدافه».

إلا أن الوقائع فى شارع «منير الريس» جاءت على النقيض من ذلك تماماً، ويقول الدكتور توم داننباوم، أستاذ القانون الدولى فى جامعة «ستانفورد» الأمريكية: «الأدلة المتاحة تشير بوضوح إلى ارتكاب جريمة حرب»، مع ذلك، فقد تجاهلت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أسئلة التحقيق، وأصدرت بياناً مقتضباً تزعم فيه أنها «تعمل وفق القوانين الدولية وقواعد الاشتباك، مع اتخاذ التدابير اللازمة لتقليل الأضرار المدنية»، وهذا التناقض بين الأقوال والأفعال هو ما يجعل من «مجزرة عائلة دغمش نموذجاً صارخاً لانعدام المساءلة».

وبحسب ما كشفه «راب» نفسه، فإن فريقه قتل 105 أشخاص، خلال فترة وجوده فى غزة، بل ووصف ذلك بأنه «إنجاز مثير للإعجاب»، متباهياً بالحصيلة الدموية التى خلّفها، أما فى غزة، فكانت النتيجة عائلات مدمّرة، وأطفالاً يتامى، وأمهات مكلومات، من بينهن «فايزة دغمش»، والدة الشقيقين «محمد وسالم»، تتذكر اللحظة التى رأت فيها جثمانيهما بعد أيام من بقائهما فى الشارع، كانت ترتدى ملابسهما فى الفيديو الذى صوّره الجنود، وانهارت باكية وهى تشاهد ذلك الفيديو، وبعد مرور ما يقرب من عامين على المجزرة التى راح ضحيتها اثنان من أبنائها ووالدهما، تحدثت مع الصحفيين بمرارة شديدة، وقالت: «حتى لو سامحته، الله لن يسامحه».

الناجون من العائلة، وبينهم «خالد»، الذى ما زال يعانى من إصاباته، يدركون أن العدالة الدولية بطيئة، وربما بعيدة المنال، لكنهم يرون أن ما حدث موثق بالصوت والصورة والشهادات، وأنه سيبقى دليلاً دامغاً على أن دماء الأبرياء فى غزة أُريقت بدم بارد، على يد قناصة، جاءوا من قلب الغرب ليمارسوا القتل وكأنه لعبة رياضية يتسابقون فيها.


مواضيع متعلقة