صراع على «عرش الكرملين» في موسكو.. مَن يقود روسيا بعد نهاية عهد بوتين؟

كتب: محرر

صراع على «عرش الكرملين» في موسكو.. مَن يقود روسيا بعد نهاية عهد بوتين؟

صراع على «عرش الكرملين» في موسكو.. مَن يقود روسيا بعد نهاية عهد بوتين؟

كتبت : دينا أبو زهرة

فى الكواليس المظلمة للكرملين، حيث تُصنع القرارات التى تهز العالم، يتردّد سؤال بات يفرض نفسه بقوة: «مَن سيقود روسيا بعد نهاية عهد فلاديمير بوتين؟»، الرئيس الذى هيمن على المشهد السياسى الروسى لأكثر من ربع قرن، وأدخل بلاده فى حرب ضروس مع أوكرانيا، تحوّلت إلى استنزاف طويل الأمد، يبدو اليوم أقرب من أى وقت مضى إلى لحظة النهاية، لكن هذه النهاية، التى لا تزال غامضة فى توقيتها وطبيعتها، تفتح الباب أمام صراع غير مسبوق على السلطة، صراع يشبه إلى حد كبير «لعبة شطرنج» روسية، كل خطوة فيها قد تحدد مصير دولة مترامية الأطراف، وتعيد رسم موازين القوى العالمية لعقود مقبلة.

حول السيناريوهات المحتملة لخلافة «بوتين» على «عرش الكرملين»، نشرت مجلة «ذا ويك» تقريراً اعتبرته بمثابة «جرس إنذار»، جاء فيه أن روسيا لم تعد تراهن على تدخل الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، لإنقاذ «بوتين» من مأزق أوكرانيا، ما يعنى أن السؤال الأكثر حساسية الآن لم يعد عن مستقبل الحرب فقط، بل عن هوية مَن سيجلس على العرش الروسى بعد الرجل الذى أحكم قبضته على السلطة فى روسيا بالحديد والنار؟!

وبينما أكدت الصحيفة الأمريكية أن التاريخ يقدّم دروساً لا يمكن إغفالها، فقد أشارت إلى أن نهاية الديكتاتوريين غالباً ما تبدأ بحروب غير مبررة، تنتهى بالخسارة؛ من «ليوبولدو جالتييرى» فى الأرجنتين، بعد هزيمة «جزر فوكلاند»، إلى «موسولينى» فى إيطاليا، وصولاً إلى أمثلة أقرب فى الذاكرة، كلها تؤكد أن «الطغاة يسقطون حين يبالغون فى طموحات التوسع الخارجى، ويقابلونها بقمع داخلى خانق»، مشيرةً إلى أن «بوتين»، الذى أطلق حرب أوكرانيا عام 2022، يجد نفسه بعد أربع سنوات أمام حصيلة دامية؛ نحو 900 ألف قتيل وجريح من الجنود الروس، واقتصاد مثقل بالعقوبات والتضخم، وشعب بدأ يفقد صبره على التضحيات الوهمية.

وأضافت أنه حتى حين حاول «بوتين» الاعتماد على «ترامب» فى مطلع عام 2025، بعدما أظهر الأخير ميلاً إلى مواقفه داخل مجلس الأمن، سرعان ما تبددت الآمال، فقد رفض الرئيس الأمريكى، فى مارس الماضى، وقف المساعدات العسكرية إلى «كييف»، وأعطى إشارات بأنه لم يعد مستعداً لشراء «أوهام بوتين» حول عملية سلام لا وجود لها، هذا التحوّل جعل «الكرملين» أكثر عزلة، ودفع «بوتين» إلى الاستنجاد بكوريا الشمالية وإيران لتأمين صواريخ وأسلحة، وهى خطوة وصفتها مؤسسة «كارنيجى» بأنها «دليل ضعف لا قوة».

وعلى الصعيد الاقتصادى، لم تعد روسيا قادرة على إخفاء جراحها، فإذا كان الناتج المحلى قد صمد فى بداية الحرب، فإن العقوبات الثقيلة والإنفاق العسكرى المفرط سرعان ما ألقيا بظلالهما، إذ بلغ التضخم نحو 9%، واضطرت الحكومة إلى رفع سعر الفائدة إلى 23%، حتى اعترف «بوتين» نفسه بأن الاقتصاد يعانى من «فرط النشاط». هذا الانكماش لم يعد مجرد رقم فى بيانات رسمية، بل انعكس على حياة الروس اليومية، من أسعار الغذاء، إلى انهيار فرص العمل.

وبالنسبة للسيناريوهات المستقبلية، فقد أشارت «ذا ويك» إلى أن «بوتين»، الذى يبلغ 72 عاماً، يقترب من «خط النهاية»، بعد ربع قرن فى السلطة، وكشف استطلاع أجرته إذاعة «أوروبا الحرة»، أو «راديو ليبرتى»، أن 40% من الخبراء يرون أنه سيبقى حتى وفاته، بينما توقّع 23% انقلاباً داخلياً، ولم يرجّح أكثر من 3% أن يختار التنحى طواعيةً، المفارقة أن «بوتين» نفسه أشار فى مقابلة إلى أن لديه «قائمة بالخلفاء المحتملين»، لكنه رفض الكشف عن الأسماء.

غير أن هذه الأسماء لم تبقَ فى طى الكتمان طويلاً، إذ وضع الاستطلاع ذاته اسم «ميخائيل ميشوستين»، رئيس الوزراء الحالى، فى الصدارة، فالرجل البالغ من العمر 59 عاماً، الذى أمضى عقداً فى رئاسة مصلحة الضرائب، ثم صار رئيساً للوزراء عام 2020، ظهر كخيار براجماتى، فهو اقتصادى متخصص، عارض قرار غزو أوكرانيا، وركز على احتواء العقوبات، ما يجعله قادراً، نظرياً، على البحث عن مخرج تفاوضى يجنّب روسيا مزيداً من الاستنزاف.

فى المرتبة الثانية، يبرز اسم «سيرجى سوبيانين»، عمدة موسكو، الذى أثبت قدرة لافتة على إدارة العاصمة فى الأزمات، من احتجاجات المعارضة، إلى جائحة كورونا، إلى الضربات الأوكرانية بالطائرات، وتكمن قوته فى قربه من «بوتين»، وحزبه «روسيا الموحدة»، لكنه يحرص على تجنب الملفات الخارجية، وكذلك يبرز اسم «دميترى ميدفيديف»، الرئيس السابق ونائب رئيس مجلس الأمن حالياً، رغم أنه ظل تابعاً لـ«بوتين» سنوات طويلة، إلا أن تصريحاته النارية، حتى حد التلويح بخيار نووى، تجعله مرشحاً مطروحاً، لكن مشكلة «ميدفيديف» تكمن فى صورته كظل باهت لـ«بوتين» أكثر من كونه قائداً مستقلاً.

أما «سيرجى كيريينكو»، نائب رئيس موظفى الكرملين، فقد صنع لنفسه مكانة من خلال مهام حساسة، مثل إدارة الاستفتاءات فى الأراضى الأوكرانية المحتلة، لكنه يفتقر إلى قاعدة شعبية، ما يجعل مستقبله مرهوناً بدعم «بوتين» المباشر، وكذلك «ألكسى ديومين»، الحارس الشخصى السابق للرئيس الحالى، والذى لعب دوراً محورياً فى ضم «شبه جزيرة القرم» عام 2014، يظل من بين الأسماء القوية، فهو ضابط استخبارات سابق، وحاكم إقليمى أثبت ولاءه المطلق، وفى الكواليس، لا يستبعد مراقبون أن يكون أحد «الخيارات المضمونة»، إذا قرر «بوتين» أن يسلم الراية طواعية، «نيكولاى باتروشيف»، رجل الاستخبارات العجوز، الذى لطالما دفع بفكرة أن الغرب يتآمر لتقسيم روسيا، لكنه يبلغ 73 عاماً، ما يثير الشكوك حول مدى صلاحيته لقيادة بلد يواجه تحديات طويلة المدى، ومع ذلك، يبقى ابنه «ديمترى باتروشيف»، نائب رئيس الوزراء لشئون الزراعة، ورقة مطروحة فى إطار سيناريو «التوريث العائلى».

«بيلوسوف» يتمتع بخبرة اقتصادية .. و«شويجو» فقد نفوذه.. و«ذا ويك»: سيناريوهات مفتوحة على «المجهول».. و«لعبة شطرنج» تعيد رسم موازين القوى العالمية

فى المقابل، لم تغب أسماء أخرى مثل «أندريه بيلوسوف»، وزير الدفاع الحالى، الذى يتمتع بخبرة اقتصادية، أو «سيرجى شويجو»، وزير الدفاع السابق، الذى فقد الكثير من نفوذه، أو «ديمترى كوزاك»، الذى حاول التوصل إلى اتفاق مع أوكرانيا، قبل أن يرفضه «بوتين»، بل وحتى المعارضة، رغم تراجعها بفعل القمع والاغتيالات، لا تزال تقدم وجوهاً بارزة، مثل «ميخائيل خودوركوفسكى»، رغم وجوده فى المنفى، و«جارى كاسباروف»، و«فلاديمير كارا مورزا»، الذى أفرج عنه فى تبادل أسرى عام 2024، أما «أليكسى نافالنى» فقد تحول اغتياله داخل السجن إلى رمز لروسيا التى يخشاها «بوتين» أكثر من أى عدو خارجى.

وتعتبر «ذا ويك» أن الحقيقة الأهم تتمثل فى أن أياً من هذه الأسماء لا يقدم حتى الآن ضمانة لانتقال سلس للسلطة، فروسيا ليست دولة ديمقراطية تتناوب فيها الأحزاب على الحكم، بل نظام مغلق، تتحدد خياراته عبر صفقات خلف الأبواب المغلقة، وصراعات بين الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وتختتم الصحيفة بقولها: «قد تأتى نهاية (بوتين) على شكل وفاة طبيعية، أو انقلاب داخلى، أو انتفاضة شعبية، أو حتى صفقة مخرج مشرف، لكن أياً كان السيناريو، فإن ما يحدث فى الكرملين لن يظل شأناً روسياً داخلياً، بل ستتردد أصداؤه من أوروبا إلى الشرق الأوسط، ومن أسواق الطاقة إلى خرائط التحالفات الدولية، فخلافة (بوتين) ليست مجرد تغيير فى القيادة، بل لحظة مفصلية، قد تعيد تعريف النظام العالمى بأسره».


مواضيع متعلقة