«من العدوان على قطر إلى القضية الفلسطينية».. مصر ترسم خريطة الأمن الإقليمي
مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى القمة العربية الإسلامية الطارئة بالدوحة تحمل أبعاداً سياسية عميقة تعكس مكانة مصر كركيزة أساسية فى النظام العربى والإسلامى وحرصها الدائم على الوجود فى اللحظات المفصلية التى تهدد الأمن القومى العربى.
الكلمة التى ألقاها الرئيس جاءت لتؤكد بوضوح أن القاهرة ترى فى العدوان الإسرائيلى على قطر سابقة خطيرة وانتهاكاً جسيماً لقواعد النظام الدولى يستوجب موقفاً عربياً وإسلامياً موحداً، لا سيما أن الاستهداف طال دولة تضطلع بدور مهم فى جهود الوساطة لإنهاء الحرب على غزة.
فى هذا السياق بدت رسائل التضامن المصرى واضحة وصريحة، إذ حرص الرئيس السيسى على التعبير عن وقوف مصر إلى جانب قطر، قيادة وشعباً، واعتبار ما جرى تهديداً مباشراً للأمن القومى العربى والإسلامى بأسره، وليس مجرد عدوان منفصل.
هذا الموقف يرسخ من جديد مبدأ أن أمن الدول العربية لا يتجزأ، وأن أى مساس بسيادة دولة عربية هو مساس بالجميع.
أعادت كلمة الرئيس السيسى تأكيد ثوابت الموقف المصرى تجاه القضية الفلسطينية بدءاً من رفض استهداف المدنيين وسياسة العقاب الجماعى، وصولاً إلى رفض محاولات تهجير الفلسطينيين من أرضهم أو فرض أمر واقع بالقوة.
وشدد على أن هذه الحقوق غير قابلة للتصرف، وأن مصر ستظل سنداً للشعب الفلسطينى فى صموده وتمسكه بأرضه، وفقاً لما يقره القانون الدولى وقرارات الشرعية الدولية.
ووجَّه الرئيس السيسى تحذيراً قوياً من خطورة النهج الإسرائيلى الذى وصفه بالمنفلت والمتجاوز لكل الخطوط الحمراء، مشيراً إلى أن استمرار هذه السياسات لا يعنى فقط تعقيد الأزمة الفلسطينية، بل يفتح الباب أمام توسع رقعة الصراع فى المنطقة بأكملها.
كما حمل المجتمع الدولى مسئولية واضحة فى مواجهة سياسة الإفلات من العقاب وضرورة محاسبة إسرائيل على الانتهاكات الصارخة للقانون الدولى.
كلمة مصر ورئيسها لم تكتفِ بالإدانة، بل تضمنت دعوة لتطوير رؤية عربية إسلامية مشتركة تستند إلى القرار الأخير الصادر عن مجلس الجامعة العربية بشأن «الرؤية المشتركة للأمن والتعاون فى المنطقة».
هذه الرؤية يمكن أن تشكل أساساً لبناء آلية عربية إسلامية، للتنسيق والتعاون بما يتيح للعالمين العربى والإسلامى امتلاك أدوات فاعلة لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية ومنع أى طرف من فرض ترتيبات أحادية أو هيمنة إقليمية.
وفى موازاة لهذه القمة، عاد الرئيس ليضع القضية الفلسطينية فى قلب المشهد باعتبارها مفتاح الاستقرار فى المنطقة.
فأكد أن الأمن لن يتحقق عبر القوة والاعتداء وإنما من خلال احترام القانون الدولى والالتزام بحل الدولتين القائم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما دعا المجتمع الدولى إلى الاعتراف الفورى بدولة فلسطين باعتباره السبيل الوحيد للحفاظ على فرص السلام.
البعد الأهم فى خطاب الرئيس السيسى كان استراتيجياً بامتياز، إذ ربط بين العدوان على قطر وبين جذور الصراع الممتدة فى فلسطين، محذراً إسرائيل من أن سياساتها الحالية ستقوض أى فرص للسلام، وقد تفضى إلى انهيار الاتفاقيات القائمة وإعادة المنطقة إلى أجواء الصراع والفوضى، بل وجَّه رسالة مباشرة إلى الشعب الإسرائيلى، موضحاً أن استمرار هذا النهج لن يجلب له الأمن، بل سيدفع الجميع إلى دفع الثمن.
كلمة مصر دعوة صريحة إلى ضرورة وحدة الصف العربى والإسلامى باعتبارها نقطة ارتكاز لمواجهة التحديات الراهنة. الرسالة كانت واضحة: لن يقبل العرب بالاعتداء على سيادتهم، ولن يسمحوا بإفشال جهود السلام، وسيظلون مجتمعين فى الدفاع عن الحقوق العربية والإسلامية، وفى مقدمتها حق الشعب الفلسطينى فى دولته المستقلة. بهذا الطرح وضعت مصر عبر خطاب رئيسها تصوراً شاملاً يجمع بين الإدانة السياسية والرؤية الاستراتيجية، والدعوة إلى بناء آلية عملية تعزز من تماسك الصف العربى والإسلامى فى مواجهة التهديدات التى تعصف بالمنطقة.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها وقائدها.