السُعار الإسرائيلي.. والوحدة العربية (1)
لماذا تجرأت إسرائيل على ضرب قطر وهى تحت الحماية الأمريكية؟ وهل يصدق أحد أن الضربة نُفذت بدون ضوء أخضر من ترامب؟
هذا ما آلت إليه سياسات السكوت على البطش الإسرائيلى المستأسد على الأمة العربية، استقوى الاحتلال بلامبالاة مؤخراً وقام بقصف سبع دول عربية «فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن وتونس وقطر» ماذا بعد؟!
هذا التبجح فى «إرهاب الدول» والاعتداء على «سيادتها» يميناً ويساراً إنما هو نتاج عاملين أساسيين: أولهما الغطاء الأمريكى اللامحدود والانحياز الصارخ للاحتلال حتى وإن كان غارقاً فى جرائم الحرب، فبعض السياسيين الأمريكيين يعلنون بكل برود عن دعمهم لإسرائيل وهى تقتل الأطفال الفلسطينيين وتخطط لمحو أمة كاملة.
فى هذا السياق يتكشف الوجه البشع للإمبريالية الأمريكية الحديثة بهدف السيطرة على الشرق الأوسط، والنفاق السافر بخصوص حقوق الإنسان وأُسس الديمقراطية التى كانت تضرب بها الدول العربية مراراً وتكراراً، فالسياسة التوسعية للاحتلال أصبحت علانيةً.
وفرض القوة على دول الشرق الأوسط أصبح واقعاً تدعمه الولايات المتحدة، ورغم تصاعد التيارات الشعبية المعارضة لذلك بقوة، وظهور عدد كبير من النشطاء السياسيين للدفاع عن القضية الفلسطينية، بعد رؤيتهم الحقائق على الهواء مباشرة، وتفتح عقول الشباب فى الشوارع والجامعات، إلا أن تأثير هذه الموجة من الصحوة يستغرق وقتاً لتكوين قوى ضاغطة على القادة الأمريكيين، وتغيير سياسات صُناع القرار.
ونظراً لديناميكية الصراع على غزة والتطورات المتلاحقة التى تزحف نحو تنفيذ «ريفيرا غزة» بدون الفلسطينيين، يتحتم النظر فوراً إلى العامل الثانى المتسبب فى التبجُح الإسرائيلى وهو «الوَهن العربى»، نتاج سياسة الغرب الشهيرة ضد العرب «فرّق تسُد»، هذه التفرقة التى طالما زرعتها القوى الغربية فى الجبهة العربية بإقناع بعض الدول على الاستقواء بالغرب لحمايتها، دون أن يفطن العرب لمدى إمكاناتهم وقوتهم فى «الاتحاد»، هذه الوحدة التى تشكل كابوساً للاحتلال والقوى الاستعمارية الطامعة، لإدراكهم منذ أمد عدم استطاعتهم السيطرة على كيان متوحد يحمل تاريخاً وأرضاً ولغة وديناً وثقافة مشتركة إلا عن طريق تفريقهم!
لا يوجد وقت لمزيد من التنديد والرفض لممارسات الاحتلال، يتوجب على العرب إيجاد حل فورى ونافذ وفعال لإيقاف الآلة الإسرائيلية المارقة، بل كان يستوجب إيجاد هذا الحل الحازم بدايةً من الاعتداء الغاشم على غزة، فالصمت العربى هو أحد الدوافع القوية للتمادى الإسرائيلى.
وبدلاً من الاتحاد يداً بيد أصبحنا أضحوكة للعالم فى مهاتراتنا مع بعضنا بالتخوين أو المزايدة على عروبتنا، فشغلتنا الخلافات الداخلية عن العدو المتربص المتوغل، هذا العدو الثابت تاريخياً ومستقبلاً وإلى الأبد حتى اندثاره!
ومما لا شك فيه تملك الدول العربية القدرات القوية والتى لا مثيل لها لتحقيق النصر فى هذا الصراع، والتى تخولها لتكون «قوى عظمى» مكونة من قوى بشرية شابة وخبرات عسكرية ومخابراتية وتاريخ وعلم وخبرات وموارد بشرية وطبيعية هائلة وثروات الطاقة اللامحدودة.
بالإضافة إلى التحكم فى أهم المضايق والممرات البحرية، إذن هذا العامل الثانى المتسبب فى السُعار الإسرائيلى يجب أن يعمل العرب فوراً على إصلاحه، من خلال استراتيجية تعاون حقيقية تُنفذ على أرض الواقع، وليس مجرد مؤتمرات وقمم وبيانات إدانة.
هذه الاستراتيجية تضمن توظيف كل الإمكانات المذكورة فى مكانها الصحيح لتكون وسيلة رادعة للاحتلال، فأداة واحدة من التقييد والعقاب من تلك الأدوات التى تمتلكها الأمة العربية قادرة على كبح «الاستباحة» الإسرائيلية، غير أن استخدام هذه الأدوات يتطلب شرطين: أولاً صدق الاتحاد وصدق النوايا لتقديم المصلحة العربية وثانياً التخلص من «الانبطاح» الناتج عن الخوف خشية تعرض الدول للغضب الأمريكى والذى قطعاً يمكن التصدى له بالاتحاد العربى.
لربما يكون الاتحاد العربى الحقيقى صعب التحقق، نظراً لانكفاء كل دولة على ذاتها ومصالحها، ولكنه ليس مستحيلاً، فهو السبيل الوحيد للتخلص من العدوان الإسرائيلى الأمريكى والحفاظ على أرض وكرامة هذا الوطن إذا أردنا الانتصار للسيادة العربية على أراضيها، فلا يمكن التشبث بالحلول الدبلوماسية فقط مع طرف اتخذ الإرهاب والاعتداءات والبلطجة الدولية نهجاً له.
ولا يمكن المضى فى التنسيق مع طرف اختار سفك الدماء فوق أى اعتبارات أخرى، ومزيداً من الصمت دون موقف موحد قوى ورادع هو ترسيخ للوهن العربى والتخاذل المميت فى حق هويتنا وأراضينا، آجلاً على المدى البعيد هناك عاملان قد يكونان سبباً فى الهزيمة الإسرائيلية رغم دعمها بالغطرسة الأمريكية، أولاً النضال والصمود الفلسطينى للتحرر من الاحتلال.
ثانياً كما ذكرنا الرأى العام الغربى المتنامى الناتج عن تغير الوعى الجمعى ضد الاحتلال، بعد انكشاف حقيقتهم الإجرامية للعالم، فالنصر قادم ولو بعد حين، مثلما انتهت حرب أمريكا الطويلة على فيتنام! ولكن فى الحاضر الواقع لا بد من الحسم العربى المضاد فوراً إذا أراد العرب ألا يكتب التاريخ علينا وصمة عار من الجبن والصمت!
فى المقال القادم نتطرق إلى احتماليات آليات وأدوات استراتيجية الوحدة العربية.. يُتبع.