رسائل «السيسي» القوية من قمة الدوحة

جمال حسين

جمال حسين

كاتب صحفي

أعترف أننى وكثيرين مثلى ارتفع سقف طموحاتنا وتوقعاتنا بأن تتخذ قمة الدوحة لزعماء وقادة الدول العربية والإسلامية إجراءات عملية رداً على انتهاك إسرائيل لسيادة دولة قطر وقصف تجمع سكنى بالطائرات والصواريخ.

أطلقنا لخيالنا العنان باتخاذ قرارات قوية للرد على إسرائيل بقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية وسرعة تشكيل قوة ردع عربية إسلامية فى حال أى تحرك إسرائيلى فى المستقبل وتوحيد الجيوش العربية والإسلامية، وأن تفتح القمة صفحة جديدة فى مسيرة التضامن العربى وتقدم حلولاً واقعية للتحديات المشتركة، لكن خابت ظنوننا ونحن نتابع توافد القادة على مطار الدوحة.

وكانت الصدمة تغيب 6 من القادة والزعماء العرب عن الحضور، بينهم 4 دول خليجية من جملة 7 دول تشكل مجلس التعاون الخليجى شاركت بتمثيل أقل لا يتناسب مع أهمية القمة وترقب قراراتها فى الوضع الراهن، وأيضاً التراجع الواضح فى تصريحات بعض المسئولين العرب عكس تصريحاتهم العنترية فور قصف قطر، لكن 48 ساعة جرت خلالها فى النهر مياه كثيرة وحوارات من وراء البحار والمحيطات كانت كفيلة بانخفاض حدة التصريحات وتهدئة التوترات، وجاء البيان الختامى للقمة هذه المرة أكثر قوة لكنه خال من الدسم.. جاء بالإدانة والشجب دون اتخاذ إجراءات عملية دبلوماسية أو سياسية أو اقتصادية ضد إسرائيل.

لكن والحق يقال أنه لا يختلف اثنان على أن كلمة مصر التى ألقاها الرئيس عبدالفتاح السيسى جاءت قوية صريحة صارمة، حملت رسائل قوية هزت أرجاء دولة إسرائيل باعتراف إعلامها وخبرائها الاستراتيجيين، الذين عكفوا على تحليل ودراسة كل كلمة جاءت على لسان الرئيس السيسى.. أكد «السيسى» أن مصر متمسكة بدورها التاريخى كدعامة أساسية للأمن القومى العربى، وأنها لن تتهاون مع أى تهديد يطال استقرار الدول العربية أو يفتح الباب أمام الفوضى.

شدّد على أن الأمن القومى العربى كلٌ لا يتجزأ، وأن التحديات الراهنة سواء كانت الإرهاب أو التدخلات الخارجية أو الأزمات الاقتصادية تستدعى موقفاً موحداً يقوم على التنسيق والتكامل لا على الانقسام أو الحسابات الضيقة.

وجّه رسائل واضحة بشأن القضية الفلسطينية، مؤكداً أن مصر ستبقى منحازة إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، وأن الحل العادل القائم على إقامة دولة مستقلة هو السبيل الوحيد لإنهاء دوامة العنف. وفى الملف السورى والليبى واليمنى، شدد على أن الحلول السياسية الشاملة هى الخيار الوحيد الكفيل بالحفاظ على وحدة هذه الدول وسيادتها.

دعا الرئيس السيسى إلى تعزيز التعاون العربى العربى فى مجالات الاستثمار والطاقة والأمن الغذائى، معتبراً أن التضامن الاقتصادى هو خط الدفاع الأول فى مواجهة الأزمات العالمية المتلاحقة.

كان اللافت للنظر أن الرئيس استخدم مصطلح «عدو» فى نبرة تصعيدية مقصودة، رغم أن مصر ما زالت تربطها بإسرائيل معاهدة سلام حتى لو كانت شعبياً حبراً على ورق، حيث يرفض الشعب المصرى التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلى. الرئيس كان واضحاً وصريحاً وهو يؤكد أن أى خطوة تهدد السلام أو الاستقرار فى المنطقة سيكون لها عواقب وخيمة، وأن مصر لن تسمح بأى تهديد لمكتسبات السلام القائم.

الرئيس السيسى كان قوياً وهو يوجّه رسالة للداخل الإسرائيلى بأن نتنياهو وتصرفاته ستضيع كل شىء عليهم.. وأنهم لو أضاعوا مكتسبات السلام سيعيشون فى معاناة لسنين كثيرة قادمة.

ختاماً أرى أن هناك بعض النقاط لا يمكن النظر إليها بمعزل عن قمة الدوحة، أولها أن الولايات المتحدة تركت الأيام كلها واختارت يوم انعقاد القمة لترسل وزير خارجيتها إلى إسرائيل ليجتمع مع نتنياهو لتجدد دعمها لإسرائيل، التى طالت ضرباتها حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة نفسها. النقطة الثانية أن فرنسا أثبتت حضورها على هامش القمة العربية الإسلامية بالدوحة، حيث قام الرئيس ماكرون بدعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى وأمير قطر والعاهل الأردنى للمشاركة فى مؤتمر مصغر، ضم أيضاً وزير خارجية السعودية ورئيسى وزراء بريطانيا وكندا.

الرئيس الفرنسى أرسل رسالة بأن السياسات الأوروبية الإيجابية تجاه القضية الفلسطينية لن تتغير، ولكن ما يلفت الانتباه مشاركة قادة كندا وبريطانيا وهم أقرب الحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية، وهى رسالة قوية لأمريكا.

النقطة الثالثة أن أقصر كلمة فى القمة العربية كانت للرئيس السورى أحمد الشرع، الذى ألقى بيانه فى 44 ثانية فقط خلال قمة الدوحة، النقطة الرابعة قول رئيس الوزراء الماليزى خلال القمة بأن الإدانة لن توقف إطلاق الصواريخ ولن تحرر فلسطين بل لا بد من فرض عقوبات على إسرائيل ولا بد من قطع العلاقات التجارية والدبلوماسية معها.

وفى الأخير أؤكد أن قمة الدوحة التى عقدت وسط ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد حققت بعض المكاسب، أهمها تجديد الالتزام بوحدة الصف العربى، والدعوة إلى مواجهة التدخلات الخارجية، والتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية العرب الأولى، مع التشديد على رفض محاولات تصفيتها، وطرح مبادرات للتعاون الاقتصادى فى مجالات الطاقة والأمن الغذائى، فى ظل الأزمات العالمية المتلاحقة، ووضع خطوط واضحة للحلول السياسية فى بؤر التوتر، لكن هل القرارات قابلة للتنفيذ أم ستظل فى إطار البيانات الختامية؟ هل استطاعت القمة أن تتجاوز الخلافات البينية بين بعض الدول العربية؟

يمكن القول إن قمة الدوحة شكّلت محطة مهمة، لكن ما زال أمام العرب شوط طويل لترجمة الأقوال إلى أفعال، وتحويل روح التضامن إلى برامج عملية تعيد للمنطقة قوتها ومكانتها، وفى مقدمتها تحقيق الحلم العربى بإنشاء «ناتو عربى» طالب به الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ 10 سنوات لكن تمت عرقلته بفعل فاعلين وليس بفعل فاعل واحد.