«جوع ونزوح ومطاردة مستمرة».. كيف تكافح عائلة واحدة للبقاء على قيد الحياة في غزة؟

كتب: ندى قطب

«جوع ونزوح ومطاردة مستمرة».. كيف تكافح عائلة واحدة للبقاء على قيد الحياة في غزة؟

«جوع ونزوح ومطاردة مستمرة».. كيف تكافح عائلة واحدة للبقاء على قيد الحياة في غزة؟

تحمل سحر القسس، أم الثمانية أبناء من قطاع غزة، بين طيات ذاكرتها فصولاً من النزوح المتكرر، حيث وجدت نفسها وعائلتها مرة أخرى ضمن نسيج مخيم «المسمية» في دير البلح، الذي يحمل اسم قرية فلسطينية طُويت معالمها منذ عام 1948. لم يكن هذا المخيم مجرد نقطة على الخريطة، بل أصبح ملاذًا لعائلات كثيرة فرت من جحيم الحرب في شمال القطاع، حاملةً معها لا أكثر من أمل بالنجاة وذكريات من ديار تركتها خلفها. ورغم أن سعي هذه العائلات كان للبحث عن ملاذ آمن، لكن حتى بين الخيام، تبقى الرحلات غير مكتملة والأمل بشعاع سلام يبدو أحيانًا بعيدًا.

قصة التهجير المستمر

قصة سحر وعائلتها ليست غريبة عن التهجير، فقد انتقلوا مرارًا وتكرارًا بين مدن القطاع من مدينة غزة إلى رفح، ومن رفح إلى خان يونس، ثم استقروا مؤقتًا في دير البلح، في كل مرة كانوا يظنون أنهم في مأمن، كانت الحرب تجبرهم على مغادرة المكان والبحث عن مأوى آخر، وعندما كانت الهدنة قد سادت لفترة قصيرة، قررت سحر العودة إلى غزة، إلا أن الكابوس عاد ليلاحقهم من جديد، وتم تهجيرهم مرة أخرى إلى دير البلح بعد انتهاء الهدنة، بحسب صحيفة «thenewhumanitarian» التي تنقل قصص وأحداث حية من داخل قطاع غزة وتعيش مأساة التهجير مع الأهالي.

حياة بلا طعام في قطاع غزة

في محاولة للحصول على طعام لأطفالها، قررت سحر الذهاب إلى أحد نقاط توزيع المساعدات التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية في رفح، لكن الواقع كان مريرًا، حين وصلت، كانت الجثث تحمل على عربات الدواب بعد أن سقط العديد من القتلى في تبادل لإطلاق النار، توقفت سحر للحظة، تفكر بين الحياة والموت: «هل أريد أن أحصل على الطعام أم أن أموت في الطريق من أجل أن أطعم أطفالي»، ومع ذلك، قررت العودة بعد أن أدركت أن مخاطر الحصول على المساعدات أكبر من الفائدة، فذهبت إلى أقارب لها في منطقة المواصي بحثًا عن طعام، لكنهم كانوا في نفس الوضع ولم يكن لديهم ما يقدموه.

فخ الجوع في غزة

في تلك الأيام، كانت سحر تروي كيف أن الجوع أصبح سمة أساسية لحياة أسرتها، كانت تخبر أطفالها باستمرار أن الطعام قد يصل غدًا، لكن هذا الغد لم يكن يأتي أبدًا، كان الجوع ينهش في أجساد أطفالها، وكان الألم يتفاقم مع مرور الوقت، لم يعد هناك فرق بين الليل والنهار، فالجميع في المخيم يعيش على الأمل الباهت في غد أفضل بلا جوع أو حرب وخوف.

الحديث عن مريد، ابن أبو مصطفى، الذي قتل على يد الطيران الإسرائيلي، كان له وقع خاص في نفس سحر، فقبل أشهر، حضرت سحر زفاف مريد، الشاب الذي كان في بداية حياته وكان يرقص بين الخيام في يوم حزين بمناسبة زواجه، ومع ذلك، كان الموت يلاحق الجميع، ومريد لم يعد من رحلته لجلب الطعام من إحدى نقاط التوزيع، حيث قتل خلال محاولته توفير الغذاء لزوجته الحامل، كان في ريعان شبابه، ولم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره.

في تلك اللحظات التي كانت سحر وأطفالها يعيشون فيها تحت وطأة الجوع، وصلت أوامر إخلاء من القوات الإسرائيلية لجنوب دير البلح، سارعت سحر إلى العودة إلى مخيم المسمية لتجد أن منطقتها لم تكن مشمولة في الأوامر، لكنها لم تكد تجد السلام حتى بدأت دبابات الاحتلال في التحرك نحو المناطق المجاورة، وفجأة انفجرت قنبلة بالقرب من خيمتهم، وأصيب طفل في السابعة من عمره في جريمة أخرى ارتكبتها طائرة إسرائيلية.

كان الصراع داخل المخيم يزداد تعقيدًا، إذ بدأت العائلات في الهروب في محاولة للنجاة، من الصعب أن تكون نازحًا وأطفالك يعانون من الجوع، وهي كلمات رددتها سحر وهي تتذكر كيف كان أطفالها بالكاد يستطيعون السير بسبب الجوع الشديد.

جوع بلا نهاية في ظل الحصار والدمار

في ظل الأوضاع الصعبة، أصبح الخبز هو الهم الأكبر لعائلة سحر، إذ لا يكاد يوجد في الأسواق، حتى التوابل التقليدية اختفت من الأسواق، ليبدأ الناس في تحميص العدس واعتباره التوابل الوحيدة المتاحة، أما الخبز، فقد أصبح رمزا للثقافة والحياة، ولكنه أصبح نادرًا جدًا في غزة، تتذكر سحر كيف كانت تحاول إيجاد بدائل للخبز، إذ كانت تستخدم المكرونة أو العدس أو الفاصوليا لتحضير طعام أطفالها، ورغم محاولاتها المستمرة لإطعامهم، كان أطفالها يطالبون بالخبز كل يوم، معتبرين إياه مكونًا أساسيًا لحياتهم.

ومع مرور الوقت، تدهورت الأوضاع بشكل أكبر مع استمرار الحصار، حيث أصبحت المساعدات الإنسانية شحيحة وأسعار المواد الأساسية غير قابلة للتحمل، حتى مع وصول بعض المساعدات التجارية إلى غزة، فإن الأسعار ظلت مرتفعة للغاية، مما جعل العديد من العائلات مثل عائلة سحر عاجزة عن الحصول على الطعام، وبينما كانت سحر تحاول الموازنة بين تلبية احتياجات أطفالها من الطعام وبين حماية مشاعرهم، كانت معاناتها تتزايد مع كل لحظة، في أحد الأيام، وبسبب شعور أطفالها بالجوع، قررت سحر أن تحاول الهروب من الواقع بوعود كاذبة، لكنهم استمروا في السؤال: «ماذا سنأكل، يا أمي؟».