زيارة ملك إسبانيا إلى مصر .. السياق والأهمية
في ظل الأحداث المتسارعة والتوتر المتزايد في الشرق الأوسط، تعد زيارة ملك إسبانيا فيليبي السادس إلى مصر خطوة ذات رمزية ودلالة قوية، وتأتي في لحظة مفصلية، فمصر دولة كبرى إقليميا وتلعب دوراً مركزياً في الوساطة، في المجالين العربي والدولي، خصوصاً فيما يتعلّق بالملف الفلسطيني .
عادة ما تكون القاهرة أحد المحاور التي يعتمد عليها في التوصل إلى تفاهمات بين الأطراف، وهي الدولة العربية الأكثر قدرة على المشاركة الفعالة في تحديد مسار الأحداث في المنطقة.
أما إسبانيا فلها دور مؤثر في السياسة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط، وكثيراً ما تعد من الدول التي تعبر عن مواقف واضحة إزاء الأزمات الإنسانية والسياسية مثل الأزمة الفلسطينية.. زيارة ملك إسبانيا تُعزز من حضور أوروبا كفاعل دولي في الملف الفلسطيني، وتُضفي مزيداً من الشرعية على الجهود التي تسعى لوقف النزاع أو تخفيف آثاره.
في ظل الانتقادات المتزايدة للصمت الدولي والغياب الفعلي تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، فإن أي تحرك دبلوماسي أو زيارة رسمية تحمل دعماً للقضايا الإنسانية أو تسعى لتفعيل الضغط الدبلوماسي يعتبر رسالة مفادها أن هناك من لا يقبل الصمت، ومن يرى أن مسؤولية ما بعد العدوان يجب أن تتضمّن إعادة البناء وإحقاق حقوق المدنيين.
وقد حظيت الزيارة الرسمية التي يقوم بها العاهل الإسباني إلى مصر باحتفاء رسمي وشعبي واسع نظراً لأهميتها في تعزيز «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين، إلى جانب مواقف إسبانيا الداعمة للقضية الفلسطينية وبروزها قوةً أوروبيةً قادرةً على «معاقبة» إسرائيل.
وأكد العاهل الإسباني، خلال مأدبة غداء رسمية، أن زيارته مصر بعد نحو ستة أشهر من زيارة الرئيس السيسي إسبانيا، التي أسفرت عن توقيع التحالف الاستراتيجي، تكرس فصلاً جديداً في العلاقات الثنائية، معتبراً أنها ثمرة حوار سياسي متواصل على جميع المستويات، وهو ما يؤكده خبراء إن مواقف إسبانيا تخدم أهدافاً مصرية لحصار إسرائيل دبلوماسياً، وتعوّل القاهرة على دورها ودول أوروبية أخرى للضغط على الولايات المتحدة ودفعها لحث إسرائيل على وقف المجازر.
وقد توافق الرئيس السيسي وملك إسبانيا على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار في قطاع غزة، وإطلاق سراح الرهائن والأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية، ووقف التصعيد في المنطقة، بعدما أصبحت الحكومة الإسبانية، التي اعترفت بدولة فلسطين في مايو 2024 إلى جانب آيرلندا والنرويج، واحدةً من أكثر الأصوات انتقاداً في الاتحاد الأوروبي لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ولم يعد لإسرائيل سفير لدى إسبانيا منذ العام الماضي.. ومؤخراً دعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى استبعاد إسرائيل من المنافسات الرياضية الدولية بينما تواصل حربها على غزة.. ويحظى حزب العمال الاشتراكي الإسباني الذي يقود الحكومة بدعم عدد من أحزاب اليسار، أبرزها «سومار»، وهي تدعم بطرق ومستويات مختلفة جميع أشكال النضال من أجل إنهاء الاحتلال والاستعمار، ما يفسر طبيعة الموقف من إسرائيل، ومنذ أن بدأت الحرب الإسرائيلية على غزة، لم تذهب دولة أوروبية إلى ما ذهبت إليه إسبانيا في إدانة الانتهاكات التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في القطاع، ودعمه المستوطنين في الضفة الغربية.
لذلك تحمل زيارة الملك رمزية خاصة، فهي تتجاوز العلاقات الرسمية بين الحكومات، وتصل إلى الجمهور والرأي العام. وتؤكد على أن القضية لا زالت مطروحة، وأن هناك دولاً تعيرها اهتماماً، قد يدعم المعنويات الفلسطينية ويضغط على الحكومات الأخرى لعدم التجاهل.
تستطيع مصر استخدام علاقتها الوثيقة مع الدول العربية والجماعات الدولية المستاءة من الوضع في غزة، لإيصال رسالة أوروبية موحدة وأوسع الضغط.. وإسبانيا، كونها عضو أوروبي مهم، يمكن أن تلعب دور الوسيط أو الجسر بين المواقف العربية والأوروبية، مما قد يعزز المصداقية والضغط من عدة محاور.
إن التحركات السياسية والدبلوماسية المصرية في الخارج والتشاور المستمر مع الدول الصديقة يهدف إلى إنقاذ الشعب الفلسطيني في غزة ودعم العلاقات وترقيتها مع هذه الدول، مثل إسبانيا المؤثرة في مجال الاتحاد الأوروبي وتملك القوة لأن ترفض الانتهاكات الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني.