«آلية التعاون والتنسيق» من النظرية إلى التطبيق (2)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى «إنشاء آلية عربية إسلامية» والوصول إلى توافق عربى إسلامى تحت مظلة إطار حاكم، ووضع الآليات التنفيذية اللازمة، تحقق عدة أهداف، أولها: توسيع الدائرة بتحويل «الرؤية المشتركة» من إطار عربى فقط، إلى إطار عربى/ إسلامى.

هذا «التوجه الاستراتيجى» يستدعى ثقل دول إسلامية كبرى، مثل إندونيسيا، وباكستان، ونيجيريا، وإيران، وتركيا (رغم التعقيدات) إلى طاولة الحوار، ويستهدف خلق كتلة جيوسياسية ذات تأثير دولى لا تملك أمامه القوى العظمى ترف الاستهانة به.

كما تهدف الآلية المقترحة إلى تجاوز الخطوط الجيوسياسية المتصدِّعة داخل العالمين العربى والإسلامى، وتقاطعات الرأى فيما يتعلق بطموحات بعض القوى الإقليمية -خاصة إيران وتركيا- والموقف من قوى الإسلام السياسى، والعلاقات البينية مع إسرائيل.

دعوة الرئيس السيسى أمام قمة «الدوحة» خرجت كمحاولة مصرية خالصة لإيجاد قاسم مشترك أدنى، يمكن معه إعادة تعريف المصالح المشتركة بشكل يخدم الجميع.

الدعوة أيضاً تتحدث صراحة عن مواجهة «التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية»، ما يعنى أن الأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بالتعاون الاقتصادى، والتكامل التجارى، والاستثمار فى البنى التحتية المشتركة.

والطريق أمام إنشاء «آلية التعاون والتنسيق» ليس مفروشاً بالورود، فهذه الفكرة «الثورية» تصطدم حتماً بالتحالفات الدولية القائمة حالياً، وأى محاولة -مجرد محاولة- لإنشاء تكتل عربى/ إسلامى مستقل، سيواجَه بشكوك وضغوط من القوى الدولية الكبرى، فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، لن ترغب فى رؤية حلفائها التقليديين يتجهون نحو الاستقلال الاستراتيجى الذى قد يتعارض مع مصالحها وتوجهاتها، خاصة فيما يتعلق بعلاقتها بالبيان الإسرائيلى.

وهناك تحدٍّ آخر، وهو التنافس العربى/ الإسلامى على بسط النفوذ السياسى فى الإقليم، وإدراج الدول الإسلامية غير العربية فى أى إطار للتعاون، يحتاج جهداً هائلاً فى مواجهة طموحات بعضها (خاصة إيران وتركيا) وتدخلاتها فى الشئون العربية، من سوريا إلى اليمن والعراق ولبنان، وهو ما يتعارض مع مبدأ سيادة الدول الذى تنادى به الرؤية المصرية- السعودية.

ولا يمكن إغفال الانقسامات العربية/ العربية، فما زالت بعض الخلافات قائمة بين دول عربية وأخرى، وفجوات الثقة حاضرة، والصراعات على النفوذ مستمرة، وبعض الملفات، مثل أزمة سوريا واليمن، خلفت آثاراً يصعب محوها فى المستقبل المنظور.

مصر تعى تماماً أن التاريخ ملىء بالمبادرات العربية والإسلامية البرَّاقة على الورق، والتى لم تجد طريقها إلى أرض الواقع، وهنا يأتى التحدى الأكبر، لضمان تحويل هذه الدعوة المصرية المخلصة -بفتح الخاء وتسكينها- إلى كيان قائم بآليات تمويل، ومؤسسات دائمة، وقوة ردع فاعلة.

دعوة الرئيس السيسى، المبنية على قرار «الرؤية المشتركة» تمثل لحظة فارقة فى الفكر الاستراتيجى العربى، لأنها تشير إلى وجود ضعف جماعى يصعب إنكاره، وإلى الحاجة الملحة لتجاوزه.

والعالم الآن يشهد تغيرات جذرية فى ترتيب موازين القوى، وتشير بعض الدراسات الاستراتيجية الجادة إلى أن عصر الأحادية الأمريكية لن يستمر بهذه الكيفية، وأن النظام العالمى يتجه نحو تعددية الأقطاب، مما يتطلب تحالفات إقليمية قوية.

وقيمة الدعوة المصرية فى قمة «الدوحة» تكمن فى إعادتها إحياء فكرة «المصير المشترك». وبصراحته ووضوحه، لفت الرئيس السيسى إلى أن الشعوب العربية والإسلامية تواجه جملة أعداء مشتركين، من الفقر والتخلف، إلى الاحتلال والتدخل الخارجى. والتغلب على هذه التحديات يتطلب ليس فقط إرادة سياسية، بل شجاعة أيضاً لتجاوز مرارات الماضى، وبناء مستقبل مختلف.

الطرح المصرى فى مضمونه، يؤكد أن الأمن ليس مجرد غياب للحرب، لكنه يعنى وضع قواعد حاكمة للعدل والكرامة.. والازدهار للجميع.

السيسى يعرف أن الطريق طويل ووعر، ولكنه وضع حجر الأساس لنظام إقليمى مختلف، وهذه هى الخطوة الأصعب والأهم، والتاريخ لن يرحم من سيتخلى عن مسئولياته فى هذا الزمن الصعب.