محمود فوزى السيد يكتب: لماذا وصف «ويجز» محمد منير بـ«الملهم»؟
كلمات بسيطة خرجت من القلب والعقل الواعى -واللاواعى- لمطرب الراب ويجز عبّر فيها عن تأثير محمد منير فى حياته، كتب «ويجز» نصاً: شكراً كلمة قليلة جداً على البصمة اللى سبتها فيا وفينا كلنا؛ أنت حبيبى ومصدر إلهامى يا كينج».. أكتفى بهذا القدر من «البوست» الذى كتبه «ويجز» فى حب محمد منير، لأنها تحمل المعنى الذى استوقفنى فى كلماته.
«مصدر إلهامى»، هنا بيت القصيد وسبب كتابة ويجز عن أحد أهم المشروعات الغنائية فى التاريخ المصرى محمد منير، فالقارئ الجيد للتاريخ الموسيقى المصرى يعى جيداً أهمية مشروع محمد منير الغنائى وتفرّده وتأثيره على ما بعده من حالة غنائية مصرية، فالغناء فى رأيى يمكن التأريخ له بمرحلتين «ما قبل محمد منير.. وما بعده».
جاء محمد منير فى بداياته أواخر السبعينات، حاملاً راية التجديد والتغيير فى الشكل النمطى للأغنية المصرية. جاء متمرداً على المدرسة الطربية للأغنية المعتمدة فى أغلب إنتاجاتها على الموسيقى الكلاسيكية المسيطرة على حالة الغناء المصرى وقتها، ولولاه ما غنت كتيبة الجيل التالى له الحجار وصالح والحلو وحتى عمرو دياب الذى تأثر فى بداياته بمشروع منير الغنائى، وكان يغنى له دائماً «الليلة يا سمرة» فى حفلات البدايات.
قرّر منير مع أصدقائه من أصحاب حلم التغيير نفسه الخروج عن المألوف وكسر الصندوق الضيق الذى تعيش الأغنية المصرية حبيسة بداخله، بـ«التيشرت الأبيض والبنطلون الجينز» وموسيقى الجاز والريجى والفلكلور النوبى وأصدقاء أمثال هانى شنودة ويحيى خليل.
قاد منير حملة تمرّده على الشكل النمطى للأغنية وقدّم مجموعة من ألبومات البدايات كان أهمها على الإطلاق «شبابيك»، وهو الألبوم الذى يحمل رقم 3 فى مشواره، ألبوم صاحب مكانة فى قائمة الأعلى مبيعاً فى تاريخ الغناء المصرى لما حمل من أشكال موسيقية جديدة على ذوق المستمع المصرى وقتها تعد فى حد ذاتها ثورة موسيقية متكاملة الأركان.
كان الشباب فى تلك المرحلة يبحثون عن صوت يمثلهم وينتقل بهم من مرحلة الغناء الكلاسيكى إلى عالم أوسع وأكثر رحابة للتعبير عنهم بكلمات تشبه أحلامهم، وأفكار تشبه تمرّدهم..
فكان صوت محمد منير هو ذلك الجسر الذى عبرت منه الأغنية المصرية من حالة الجمود والتكرار إلى حالة التحرّر فى الأفكار على مستوى الكلمات والموسيقى باستخدام كلمات أقرب للشباب وقتها كتبها رفقاء الحلم والرحلة من أمثال صلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم وعبدالرحيم منصور وغيرهم.
تلك الحالة التى صنعها منير الذى تحول إلى صوت الشباب الباحث عن التحرّر فى الثمانينات من الشكل التقليدى للأغنية هى نفسها «الرحم» التى ولد منها «ويجز»، الذى ظهر هو الآخر فى وقت أصيب فيه الشباب بحالة من الملل من تكرار الأفكار والموضوعات نفسها، وربما المفردات والموسيقى التى تشبّعت بها الحالة الغنائية المصرية لأكثر من عشرين عاماً، وبالتحديد منذ نهاية التسعينات وحتى وقت ظهوره؛ لدرجة هروب البعض منهم إلى «المهرجانات»، باحثين فيها عن شكل جديد، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أنها مجرد «فقاعة غنائية» لا يمكن اعتبارها بديلاً أو تجديداً.
فى هذا التوقيت المفصلى ظهر ويجز مازجاً فى أغنياته، وأشهرها «دورك جاى» بين المهرجانات و«الراب»، نجحت الأغنية ومعها صاحبها.. استشعر الشباب أنهم قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى «الصوت الجديد» المعبّر عنهم، توالت أعمال ويجز وأصبح صوت كثير من الشباب بأفكار أغنياته ومفرداتها الأقرب للغة الشارع، مسبّباً نقلة جديدة فى شكل الموسيقى، تم إعلان الحرب عليه فى البدايات، شأنه شأن كل ظاهرة موسيقية جديدة، لكنه قرّر استكمال طريقه وطريقته حتى تحول إلى «الأنجح» فيها.
ربما يكون ويجز ليس الأهم فى عالم الراب، فمنافسوه فى تلك المنطقة لا يستهان بهم، أمثال «مروان بابلو وأبيوسف وعفروتو وغيرهم»؛ لكنه الأشهر والأنجح والأكثر طلباً؛ فمن المعروف أن النجاح ليس فقط فى أرقام المشاهدات «وإن كان ويجز من بين الأعلى أيضاً»، وإنما فى زيادة الطلب على المطرب، سواء فى الحفلات «داخل وخارج مصر» أو فى عالم الإعلانات وما شابه ذلك من تلك المقومات التى تساهم فى صناعة «النجم».
كل ما سبق يوضح تأثر ويجز بمشروع ومنهج منير، فطريقة التفكير «كسر المألوف» وتوقيت الظهور «أثناء حالة ملل من التكرار» وتشابه الجمهور «الشباب الباحث عن التحرّر من الشكل التقليدى للأغنية»، كانت هى العوامل التى جعلت من محمد منير مُلهماً لويجز وجعلت الأخير يكتب شهادة للتاريخ، واصفاً إياه بـ«مصدر إلهامى».