ثقافة العداوة مع التاريخ الفرعوني
لم يكن حادث سرقة الإسورة حادثاً أمنياً فحسب، أو يجب مناقشته من الناحية البوليسية كتفاصيل مثيرة ومطاردات لاهثة، وإنما هو حادث يكشف عن ثقافة معادية للتاريخ المصرى القديم، ثقافة تستند إلى دعاوى دينية واجتماعية وقومية، ثقافة تستبيح تراث هؤلاء الفراعنة الذين يعتبرونهم كفاراً وليسوا عرباً ومتعددى الآلهة وعلاقاتهم الاجتماعية مفتوحة وتماثيلهم هى أصنام ومساخيط، ونقوشهم شخبطات وتهاويم.. إلخ.
تحمل هذه الثقافة الموظفة التى استباحت سرقة تلك الإسورة بكل ضمير مستريح، وهى لا تحس أنها ارتكبت ذنباً أو جريمة فى حق بلدها ووطنها، وهى فى الأصل تعمل مرممة!! أى إن وظيفتها الأساسية هى الحفاظ على هذا التراث الذى أمامها، سمعنا الداعية الشهير الذى أفتى بسرقة الآثار وسكتنا عندما صرح بأن الإنسان إذا وجد آثاراً فى أرضه أو منزله أو أى مكان يملكه فهى ملكه، ويعد هذا رزقاً وكنزاً من عند الله، ومن حقه أن يبيعها ويصرفها، وتكون أموالها حلالاً له، وأكد على أن أى شخص وجد أى آثار مجسدة فى صورة أشخاص فلا بد من أن يطمسها!
وفى 2011 وصف المهندس عبدالمنعم الشحات، المتحدث الرسمى باسم الدعوة السلفية بالإسكندرية، فى فتوى شهيرة له أن التماثيل الفرعونية تشبه التماثيل التى كانت حول الكعبة عندما فتحها الرسول، وطالب الشحات بأن يتم النظر فى أمر هذه التماثيل وعلاجها مثلاً بتغطية وجهها بالشمع، وبعدها طالب مرجان سالم الجوهرى، القيادى بالسلفية الجهادية فى مصر، بتحطيم تمثال أبوالهول والأهرامات وكل التماثيل فى مصر، وقال الجوهرى فى فتوى شهيرة له: «يجب تحطيم الأصنام والتماثيل التى تمتلئ بها مصر، والمسلمون مكلفون بتطبيق تعاليم الشرع الحكيم، ومنها إزالة تلك الأصنام كما فعلنا بأفغانستان وحطمنا تماثيل بوذا»،
وأضاف: «نحن مكلفون بتحطيم الأصنام وسنحطم تمثال أبوالهول والأهرامات لأنها أصنام وأوثان تعبد من دون الله، وأكد على أن الله عز وجل أمرنا بتحطيم الأصنام!!! ما زال هذا الفكر الداعشى يسمى التماثيل الفرعونية أصناماً، وما زالت فكرة التماثيل المحرمة، التى تجاوزها الزمن ورفضها العقل الحديث تسيطر كوسواس قهرى على أذهان هؤلاء، وما زالت كراهية هذه الحقبة الفرعونية، التى تفضح تخلف هذا الفكر المتطرف، الذى لم يضف إلى حضارة العالم أى منجز حضارى اللهم إلا إذا كان التفجير والقتل والأحزمة الناسفة وقطع الأيدى وفرض النقاب من المنجزات والمخترعات الحديثة!!
وأختم مقالى بكلمات د. زاهى حواس عن تلك الفتاوى عندما قال «الجهل هو المجرم الحقيقى الذى جعل إصدار الفتاوى الظالمة عن الفراعنة بغير حق وبدون علم أمراً ممكناً. إن فتاوى التحريم الخاصة بالفن المصرى القديم وخاصة التماثيل والتصاوير على جدران المقابر والمعابد هى إحدى صور الجهل بالتاريخ والحضارة. ويبقى السبيل الوحيد لعلاجه هو التعليم والمعرفة، إن الوثن هو التمثال أو الصورة التى تعبد والتى يعتقد فى جلبها النفع أو الضرر وهى المحرمة فى الدين الإسلامى، وليس ما خلفته الحضارات القديمة من تماثيل وفنون من نقوش ومنحوتات لا يعبدها أحد ولا يعتقد فى نفعها أو ضرها أحد! لقد أمرنا المولى عز وجل أن نسير فى الأرض وننظر لآثار الأولين لنعتبر من سيرهم ولنتعلم من تاريخهم. وعلى الرغم من ذلك لا يجد كل جاهل ومدع للعلم حرجاً من أن يفتى ويحرم على الناس ما لم يحرمه الله، ووصل بهم الحال إلى تحريم لعب الأطفال التى على شكل دمى بشرية وحيوانية بدعوى أنها تمثيل لخلق الله!».