50 عاماً من الدم (4)

قدّمت فى الأيام السابقة ست ملاحظات على ما ورد فى «موسوعة العنف فى الحركات الإسلامية المسلحة: 50 عاماً من الدم» للمحامى الأستاذ مختار نوح، وهنا أكمل:
7 - كثير من عناصر التنظيمات الإسلامية المسلحة لا يتركون هذا الدرب تماماً بعد زوال أو انهيار التنظيمات المؤقتة التى ينتمون إليها، فهم ما إن يخرجوا من السجون، بعد أن لبثوا فيها سنين، حتى يسعوا للانضمام إلى تنظيم جديد، له قيادة مختلفة، لكن أفكاره لا تبتعد كثيراً عن سابقه. وقد تبيّن أن بعض العناصر التى تساهلت معها السلطة السياسية، لم تلبث أن عادت إلى ممارسة النشاط تحت لافتة تنظيمات أخرى تمكّنت من جذبهم إليها، للاستفادة مما لديهم من خبرة حركية.
8 - هناك حالة من المراكمة على بعض الأفكار التى تطرحها قيادات داخل هذه التنظيمات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن فكرة العزلة والاعتزال التى نادى بها يحيى هاشم، وهو كان من قبل يعمل فى سلك القضاء المصرى، طورها شكرى مصطفى زعيم «جماعة المسلمين» إلى «التكفير والهجرة».
9 - كثير من التنظيمات المغرقة فى الغلو والتشدّد والأفكار التى تبرر حمل السلاح، وُلدت فى غياهب السجون. فبعض الذين دخلوا إلى السجن على ذمة تنظيم «الإخوان المسلمون» بعد الاصطدام الثانى بينهم وبين جمال عبدالناصر، خرجوا يحملون أفكاراً أكثر راديكالية، لاسيما أن «الإخوان» أنفسهم كانوا قد تأثروا بأفكار سيد قطب التكفيرية.
10 - كان التفكير فى نهج أكثر تشدّداً قد زحف أيضاً إلى عناصر خارج السجون، ممن ربطوا وهماً بين انكسار جماعة الإخوان والعداء للإسلام نفسه. فبعض الذين انضموا إلى تنظيم يحيى هاشم وتنظيم «الفنية العسكرية» فى بداية السبعينات عزوا إقدامهم على هذه الخطوة إلى غضبهم مما جرى للإخوان. وهنا يقول نوح:
«روى لى أحد المشاركين فى أحداث الفنية العسكرية أن الاحتقان النفسى كان قد وصل إلى غايته بسبب السلوك الإعلامى فى مواجهة الفكرة الإسلامية.. وحكى لى أيضاً كيف أن لقاء الإعلاميين بالإخوان المسلمين فى التليفزيون المصرى عام 1965 قد أوصله إلى حد البكاء، مما دفعه إلى تبنى الفكر المتطرف فى أوائل السبعينات».
وبعض هؤلاء آمن بأنه لا أمل فى الانتصار لما يعتبرونه «الإصلاح الإسلامى» إلا بالجهاد المسلح.
11 - تحرك أغلب الشباب المنتمين إلى «الإسلام السياسى» خلال الفترة المتراوحة بين 1965 و1974 بلا قدوة ولا فكرة ولا تخطيط، وتوزّعوا فى اتجاهات عدة، إذ اختار بعضهم الاتجاه السلفى، وهناك من اختاروا جماعة الإخوان نفسها. واعتملت فى نفوس الكل طاقة عنف مكبوتة، فرّغت نفسها فى البداية عبر استهداف أضرحة المتصوفة، ثم بدأت سلسلة التنظيمات العنيفة الصغيرة التى أقدمت على عمليات إرهابية فاشلة، وكان من بين هؤلاء من يُؤمن بجدوى شن حرب عصابات ضد السلطة، إلا أن أمر هؤلاء سرعان ما انكشف.
12 - تجربة هذه التنظيمات تبين أنه فى أغلب الأحيان يكون أكثر العناصر صخباً، ورغبة فى دفع التنظيم إلى الانزلاق إلى العنف، مدسوساً عليه، لأخذه فى طريق الإنهاك والتصفية، بعد كشف عناصره.
13 - انزلقت التنظيمات الإسلامية المتطرفة إلى عالم الجريمة عبر عدة أبواب، فهى إما ضمّت فى صفوفها أحياناً، لاسيما الجهادية السرية العنيفة منها، بعض أصحاب السوابق الإجرامية، حيث احتاجت إليهم فى تنفيذ مهام معينة، وتعاونت أحياناً معهم فى حوادث محدّدة. كما أن ميل بعض الجماعات إلى «استحلال أموال الغير» شجّع مجرمين على الانجذاب إليها. علاوة على هذا فإن عناصر التنظيمات اضطرت إلى ارتكاب جرائم عدة لتنفيذ بعض العمليات الإرهابية، مثل سرقة مركبات أو سيارات أو تزوير جوازات سفر وبطاقات هوية، وغيرها.