غزة و«الماميز» والمواطن
رائع جداً التضامن الشعبى مع أهل غزة المنكوبين. وهذه هى عادة مصر والمصريين. التضامن والتكاتف والتعاطف والرغبة العارمة فى المساعدة ليست جديدة أو مدعاة للدهشة. فقط أود أن تكون روعة المشاعر مصحوبة بقدر من قراءة المشهد السياسى والأمنى والاستراتيجى، بالإضافة إلى بعض من رؤية أوسع لما يجرى حولنا، لا فى غزة فقط. وكلى أمل ورجاء ألا تكون هذه الرؤية وتلك القراءة مستمدتين من المحتوى الذى يضخه المؤثرون على أثير السوشيال ميديا، أو فلنقل ألا تعتمد على هذا المحتوى فقط. يظل هذا المحتوى إما حقيقة، أو خيالاً أو خليطاً من مادة معاد تدويرها مع قدر من توجهات وأهواء المؤثر، أو كذباً له أهداف أقلها تشويه أو تغييب أو توجيه الرأى العام فى اتجاهات بعينها.
تضامننا الكامل وتعاطفنا الكلى واستعدادنا لتقديم كل ما يمكن تقديمه لرفع المعاناة عن أهل غزة لا يعنى أن ندفع أنفسنا وبلدنا للتهلكة، ولو كان ذلك بحسن نية، أو بسبب عدم إلمام كامل بأبعاد ما يجرى.
قرارات الحرب والسلام، وسياسات الدول وصداقاتها وعداواتها، لا يتم تحديدها بناء على ما يصيح به المؤثرون، أو نتاج ما يخرج به المستخدمون من هوى أو رغبة أو قناعة بناء على الساعة أو الساعتين أو الـ14 ساعة التى يمضونها فى رحاب الـ«سوشيال ميديا». وهذا ليس تقليلاً من المستخدمين، أو طعناً فى المؤثرين، ولكن إنقاذاً للجميع من هلاوس ووساوس تختلط بالمكون الجاد والمفيد فى هذه المنصات، فتكون المحصلة الوحيدة المنطقية لكل ذى عقل ألا يتعامل مع المعلومات، والتحليلات التى ينضح بها الأثير باعتبارها حقائق منزهة عن الأهواء وكذلك الجهالات، فليس هكذا تُبنى الأمم، وتُتخَذ قرارات الحرب والسلام.
لسبب ما، أتذكر دائماً «جروبات الماميز» التى أفسدت وعطلت وعرقلت فرصاً كثيرة لإصلاح التعليم المدرسى فى السنوات الأخيرة. بالطبع لا أقصد كل «الماميز»، ولكن يبدو أن سيكولوجية «الجروب» أشبه بسيكولوجية الجموع الغفيرة.
يخبرنا علماء النفس بأن سلوك الجموع الغفيرة هو أحد أكثر جوانب علم النفس إثارة للقلق. ففى هذه الجموع، تذوب الهويات الفردية فى أعمال أو أفكار جماعية مدفوعة بمشاعر قوية. هذه المشاعر تتفجر بفعل أجواء ومشاعر غير مستقرة وشديدة الانفعال. وتشير دراسات نفسية عدة إلى سلوك يصل إلى درجة العنف والعدوانية يقترفه البعض من الأشخاص المعروفين بالهدوء والتعقل، ولكن يتأثرون بالأجواء المحمومة حولهم، فيجدون أنفسهم جزءاً من هذا الانفعال، ناهيك عن أن المشاركة مع مجموعة كبيرة بالصياح أو الهتاف أو ما شابه يعطى الأفراد شعوراً مثيراً جاذباً، لكنه قد يؤدى إلى نتائج كارثية بعد انتهاء الهتاف والصخب.
للتوضيح فقط، من حق الجميع التعبير عن الرأى والتوجه والرغبات، ولكن فرقاً كبيراً بين الرأى المستنير، أى الاعتقاد أو الحكم أو طريقة التفكير بشأن شىء ما بناء على معلومات، لا بناء على ما يعتقد آخرون أو ما يدفعوننا إليه بناء على رغباتهم أو معرفتهم التى قد تكون ضحلة أو غير مكتملة أو شخصية بحتة.
تذكرت جروبات «الماميز» بمناسبة العام الدراسى الجديد. وربما تكون هذه الجروبات مدعاة لسؤال مهم ويبدو بدائياً وبديهياً: لماذا نحرص على تعليم أبنائنا؟ لأن هذا ما عهدنا عليه آباءنا؟ لأن التطور الطبيعى هو أن نلد الصغار، ثم نقدم لهم الرعاية الأولية فى السنوات الأولى من العمر، ثم نلحقهم بالمدارس وبعدها الجامعات، ونتمنى أن يجدوا فرصة عمل مناسبة؟ لأن التعليم يعظم فرصهم الاقتصادية والاجتماعية والعملية فى الحياة؟ أو ربما -كما أخبرنى صديق بمنتهى الصراحة- «عمرى ما فكرت فى السبب»؟
أدعو نفسى وإياكم للتفكير فى الإجابة، لعلنا نصل لأفكار مثل: التنوير، القدرة على التفكير النقدى، لاكتساب المهارات، لاكتشاف المواهب، تعدد المعارف، بالإضافة إلى الأسباب الأخرى من وجاهة اجتماعية وآمال اقتصادية وغيرها.
وعلى هامش بدء العام الدراسى، أفكر كثيراً فى هذه الجموع من الصبية المنخرطين فى أعمال مضنية من عمل فى سوبرماركت، وأعمال نظافة وتنسيق حدائق، ودليفرى، وورش، وجمع قمامة قابلة لإعادة التدوير من على الطرق وغيرها. البعض من هؤلاء حين تسنح الفرصة وأسألهم إن كانوا ملتحقين بمدارس، يخبروننى إما بأنهم فى مدرسة فى مدينة بعيدة، ويذهبون للامتحان فقط، والغريب أنهم ينجحون، أو أنهم توقفوا عن الذهاب للمدرسة إما برغبتهم «لأن المدرسة لا تضيف لهم شيئاً» أو بإجبار الأهل.
كلمة أخيرة، لقاء رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى بعدد من رؤساء التحرير فكرة عظيمة. البداية رائعة، ولعلها بداية مرحلة جديدة يعى فيها المسئولون أن المواطنين يقفون معهم على الجبهة ذاتها، لا الجبهة المقابلة، وأن ما يحتاجونه، بالإضافة إلى تسليط الأضواء المبهرة على الإنجازات والمشروعات (والحقيقة أن أغلبها يستحق الإشادة والتعريف)، هو الاستماع لما يجول فى صدر وعقل المواطن. لا أقصد شكاوى بعينها، ولكن أقصد شعوراً عاماً، ودرجة الرضا، ومسببات القلق. الفهم والتفاهم بين الحكومة والمواطن مطلوبان لاجتياز المرحلة الصعبة.