«سعار» نتنياهو بين مستحيلين

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

عامان مضيا والكيان الصهيونى يمارس، بلا جدوى، كل مناورات الاستفزاز والضغط على مصر.

إعلامياً، لم يتوقف ساستهم ومحللوهم العسكريون عن الندب فى وسائل إعلام الغرب معبرين عن مخاوف من تسليح الجيش المصرى وثبات قواته على الحدود دفاعاً عن كل شبر من سيادة الأراضى المصرية. بين كل حين وحين يدس رئيس وزرائهم اسم مصر ضمن سلسلة أكاذيبه التى أصبحت بضاعة رخيصة لم تعد تُغرى المجتمع الدولى ولا حتى دول الغرب.

أمريكا هى السوق الوحيدة التى ما زالت ترحب وتدعم هذا الإفك، بل تُغمض عينها عن وحشية جرائم الكيان الصهيونى، كما عبَّر الرئيس ترامب فى تعليقه عن تمادى إسرائيل فى جرائمها بعد الغزو البرى لقطاع غزة معلقاً «لا أعرف الكثير عن هجوم إسرائيل على قطاع غزة!».

الحقيقة أن هذيان الانتقادات الموجَّهة إلى مصر الذى لا يجد أذناً صاغية هو موجَّه إلى الرأى العام الإسرائيلى لأهداف سياسية داخلية لا يتورع نتنياهو عن إشعال المنطقة بالحرائق ثمناً للتشبث بمكاسبها.

التقارير المسمومة الصادرة عن وسائل الإعلام الإسرائيلية هى فى الواقع رسائل موجَّهة من الأجهزة الاستخبارية بهدف استدراج مصر والضغط عليها للإعلان عن أى موقف أو قرار كرد فعل، بينما تستمد مصر قوتها من الاحتفاظ بمفاتيح توقيت وصيغة أى رد وفق مصالحها وقرارها السيادى والأمنى.

أمنياً، بعد تقديم سلسلة إغراءات اقتصادية وسياسية لا حصر لها، اصطدمت حكومة العدو المتطرفة بثبات الموقف المصرى طوال عامين. بالتالى فقدت الأمل فى توريط مصر بالقبول بمخطط التهجير وتصفية القضية الفلسطينية.

خطه الغزو البرى لقطاع غزة التى يتشبث بها نتنياهو غيَّبت عنه حقيقة جوهرية، إذ بينما يمضى فى صراعاته المسلحة دون أى خطة للمستقبل وماذا بعد تدمير غزة بالكامل وفق الاعتراف الصادر عن قادة جيشه الذين أنكروا علمهم بأى خطة مستقبلية لما بعد الغزو البرى.

مصر فى المقابل كانت لديها رؤية استشرافية للتعامل مع إصرار نتنياهو، بدعم من الرئيس الأمريكى، على دفع أكثر من مليون فلسطينى إلى منطقة رفح الفلسطينية التى لا تبعد عن المعبر المصرى أكثر من كيلومترات معدودة.

مصر لم تنتهج العشوائية فى إدارة أى أزمة أو مخططات تهدد أمنها القومى.

بالتالى لديها العديد من الخطط والسيناريوهات للتعامل مع تداعيات ازدياد الضغط على الفلسطينيين للهجرة باتجاه جنوب قطاع غزة، إذ ستقابل هذه الخطط العبثية بردود غير متوقعة.

بينما نتنياهو ما زال يدور فى تخبطه بين مستحيلين.. هو عاجز عن استدراج مصر نحو أى مواجهة عسكرية خلافاً لقرارها السيادى، ولا يملك فى الوقت ذاته مبادرة إشعال هذا الصراع مع مصر.

سياسياً، مصر وضعت أمام أعين العالم معبر رفح المصرى لقطع الطريق أمام ما يروِّجه كيان العدو عن تحمُّل مصر مسئولية عدم دخول المساعدات إلى غزة.

عزلة كيان العدو التى بلغت ذروتها باعتراف رئيس وزرائهم أمام مؤتمر فى القدس «أن إسرائيل تواجه عزلة فائقة» لا تقتصر دولياً على الشق السياسى، بل امتدت إلى مواجهة عزلة اقتصادية متزايدة مع استمرار الحرب فى غزة التى ستمتد، وفق تصريحات قادته العسكريين، إلى أشهر.

لعل أبرز مثال على اصطناع الأزمات للضغط على القاهرة تعطيل صفقة الغاز مع مصر والتى توفر فوائد على قطاع إنتاج الغاز وتحتل جانباً اقتصادياً رئيسياً فى إسرائيل. نتنياهو يحاول تصدير فشله فى مجمل أزماته.. السياسية، الأمنية، الاقتصادية إلى مصر، متناسياً أن مصر تقرأ المشهد بوعى وتتحرك بخطوات استراتيجية مدروسة تسعى إلى الانفتاح سياسياً وخلق أطر تقارب مع قوى إقليمية مؤثرة فى الشرق الأوسط قادرة على وضع تصور واقعى لمستقبل الشرق الأوسط يدحض الأوهام التوسعية التى يهذى بها نتنياهو بناء على قراءاته التلمودية.

الواقع الحالى ببساطة يقر أنه بجيش يكاد يصل عدد أفراده إلى نصف المليون لن يستطيع مجرم الحرب الصهيونى السيطرة على شرق أوسط أو منطق عربية يتجاوز سكانها نصف المليار.