«زكريا» 11 عاما.. «مسعف صغير» يساعد في إنقاذ الأرواح وتضميد الجراح: الاحتلال يغتال براءتنا

كتب: رؤى ممدوح

«زكريا» 11 عاما.. «مسعف صغير» يساعد في إنقاذ الأرواح وتضميد الجراح: الاحتلال يغتال براءتنا

«زكريا» 11 عاما.. «مسعف صغير» يساعد في إنقاذ الأرواح وتضميد الجراح: الاحتلال يغتال براءتنا

وسط ساحة مستشفى «شهداء الأقصى» فى دير البلح، وسط قطاع غزة، يقف زكريا عبدالله، البالغ من العمر 11 عاماً، مرتدياً بنطالاً رياضياً أزرق، وسترة باللون ذاته، بينما تغطى الكمامة والقفازات الطبية وجهه وكفيه الصغيرتين، على أهبة الاستعداد لاستقبال الجرحى والشهداء، الذين استهدفتهم مدفعية وطائرات الاحتلال الإسرائيلى، فما إن تطلق سيارات الإسعاف صافراتها المميزة والصاخبة، يهم «زكريا» بالوقوف رفقة الطاقم الطبى للمستشفى، للمساعدة فى إنقاذ الأرواح، وتضميد الجراح.

ففى غزة، حيث تختلط أصوات الانفجارات بصدى صرخات المصابين، يعيش الأطفال حياة لم تُخلق لهم، حياة تُسرق منهم فيها براءة الطفولة، وهو ما بدا واضحاً على ملامح الطفل الذى لم يعرف يوماً اللعب بين أصدقاء الحى، أو أحضان والدته بلا خوف، إذ نزح مرات عدة بين غزة وخان يونس ودير البلح، فبدلاً من اللعب مع أقرانه، أو الانتظام فى فصول الدراسة، تحول «زكريا» إلى «مسعف صغير»، يحاول بلطف يده الصغيرة تخفيف آلام المصابين، بينما تتكشف أمامه مشاهد صعبة، عشرات الشهداء والمصابين، والمئات من ذويهم يصرخون من الألم والحزن، فعيناه اللتان لم تتجاوزا سن الحادية عشرة، رأتا ما لم يكن يجب أن يراه أى طفل من وجوه محروقة، وجروح غائرة، وأحلام تنهار تحت الركام.

أصبحت لدىّ خبرة كبيرة فى التعامل مع أنواع كثيرة من الإصابات

فى المستشفى، يقف «زكريا» يوميا بين أَسرّة المرضى والجرحى، حاملاً حقيبته الصغيرة المليئة بالأدوات البسيطة، وكأنها امتداد ليده التى تحاول تهدئة الألم، يمد الضمادات على الجروح، يساعد الطاقم الطبى فى نقل المصابين من غرف الإسعاف إلى غرف العمليات، وأحياناً يحمل الأطفال الصغار على ذراعيه، ليصلوا إلى أمان نسبى وسط الفوضى، فالدماء والصرخات والوجوه المتألمة أصبحت جزءاً من يومه، وعن الأسباب التى دفعته للعمل ضمن فريق المسعفين بمستشفى «شهداء الأقصى»، قال: «الموضوع بدأ لما انقصفت دار جيراننا، وصرت أنقل مع المسعفين المصابين والشهداء، وأجمع لحمهم اللى كان متعلق فوق الشجر، ومن ها الوقت قررت أتطوع فى هذا المجال، صحيح أنا سنى صغير، بس صار عندى خبرة فى التعامل مع أنواع كثيرة من الإصابات، وكل يوم باتعلم شىء جديد»، وأضاف بينما كانت تعلو ملامح وجهه الصغير ابتسامة بريئة: «أنا مش بس مسعف، كمان باساعد فى تنظيف المستشفى، وأشترى احتياجات الأطباء والممرضين، يعنى تقدر تقول أنا المنقذ تبعهم».

وتابع «المسعف الصغير» قائلاً: «بدى أحكى معلومة وواقع عايشين فيه صار لنا سنتين، وهو إنه ما عاد فيه أطفال فى كل غزة، لو اطلعت على اللى فى سنى، أو اللى أصغر منى كمان، هتلاقيهم عندهم هموم أكبر من سنين عمرهم، وكل هادا بسبب الحرب اللى غيّرتنا، وكتير من رفقاتى صاروا أيتام، وحياتهم تدمرت، وملامحهم صارت بتشبه الرجال الكبار فى السن، من كثرة الهم اللى عايشين فيه»، وهنا تدخل أحد المسعفين، الذين يرافقهم «زكريا» فى كل مهمة إنسانية، بقوله: «زكريا ليس مجرد اسم فى غزة، بل هو صوت آلاف الأطفال اللى عايشين حياتهم بين الخوف والمسئولية، واتعلموا يكونوا مسعفين، ما يتعلموا اللعب، ويكونوا شجعان، قبل ما يتعلموا فى المدرسة».


مواضيع متعلقة