السُّعار الإسرائيلي.. والوحدة العربية (2)

د. دينا خليل

د. دينا خليل

كاتب صحفي

بعد انتهاء القمة العربية الطارئة فى قطر التى أسفرت أيضاً وبلا جدوى عن الإدانات والاستنكارات دون خطوات عملية أو آليات ردع حقيقية وملموسة أمام الاحتلال الإسرائيلى جاءت ردود الفعل الإسرائيلية والأمريكية لتضرب من جديد بأفعال صريحة على أرض الواقع لتؤكد الاستمرار فى «الغطرسة» واستباحة الهوية العربية ماضين فى سياسة الإبادة الجماعية العلنية ضاربين بالصرخات العربية عرض الحائط أولاً: فى اليوم التالى للقمة العربية قام الاحتلال بتفعيل العملية البرية فى غزة وبدأ الغزو الفعلى وتوغلت الدبابات. ثانياً: الفيتو الأمريكى السادس صدر ضد مشروع قرار وقف إطلاق النار فى مجلس الأمن وافق عليه كل الأعضاء ورفضته أمريكا بشكل سافر، هذه هى الإجراءات الواقعية على أرض الواقع إبادة تامة للحق الفلسطينى وإبادة للسيادة القطرية وإبادة للإرادة العربية، إذن ماذا نحن بفاعلين؟! باستثناء الاستنكار والرفض؟ فاللغة بين العرب والاحتلال أصبحت متباينة تماماً وأصبح من السذاجة الاستمرار فى الحديث فقط والحاجة ملحة إلى تنفيذ خطة ردع مشتركة، وقد نشر موقع «ميدل إيست آى» تقريراً مفاده أن مصر اقترحت إنشاء آلية للدفاع المشترك، غير أن هذه الفكرة لم تلقَ استحساناً من قطر والإمارات، وكان الرد القطرى البديل هو استقبال «روبيو» وزير الخارجية الأمريكى فى قطر وتبليغ أمريكا أن قطر ترغب فى «اعتذار» إسرائيلى عما حدث من اعتداء على سيادتها!

لا شك أن الرد القطرى جاء هزيلاً منحنياً للهيمنة الأمريكية، من ناحية أخرى تحركات التعاون الثنائية الجديدة بدأت بشكل فردى فى إعادة رسم خريطة التحالفات فقامت مصر بتنفيذ مناورات بحرية مع تركيا والاتفاق على تعاونات مستقبلية فى المسيرات والذخائر وقامت السعودية بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وقامت الإمارات بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع الهند! تواكب هذه التحالفات الجديدة الاعترافات الغربية بدولة فلسطين وخاصة بريطانيا وأستراليا وكندا، مما شكّل «كماشة» تضيق الخناق على الاحتلال! غير أن التاريخ يخبرنا أن حكومة الكيان المتطرفة لن تقف مكتوفة الأيدى، بل كلما ازداد الضغط عليها ازدادت توحشاً، لذا فإن الوحدة العربية هى الحل الأمثل والقوة الحقيقية الرادعة مهما تأجلت الفكرة أو خمدت بسبب مصالح كل دولة على حدة، وهناك عدة آليات وأدوات يمكن تفعيلها لإنفاذ استراتيجية «الضغط العربى» المشترك بجرأة على الاحتلال من خلال «حزمة ردع»، خاصة وسط حالة الغليان التى تشهدها الحكومة الإسرائيلية التى ستكون أكثر «تخبطاً» و«بلطجة» فى الأيام القادمة، من هذه الآليات ما يلى:

أولاً: آلية الضغط الاقتصادى المشترك: تتضمن هذه الآلية عدة أدوات أهمها توحيد التحكم فى موارد الطاقة وتقييد تصدير البترول، قائمة عقوبات اقتصادية مدروسة وتجميد استثمارات وصفقات والبحث عن بدائل أخرى، حملات مقاطعة حقيقية مثل إغلاق المتاجر والسلاسل التجارية الداعمة للكيان بشكل مشترك فى آنٍ واحد والاعتماد على المنتجات المحلية.

ثانياً: الحصار الدبلوماسى: الاتفاق على خطوات دبلوماسية واحدة، شكاوى فى المحافل الدولية وحملات ممنهجة لاكتساب الدعم فى الأمم المتحدة ومجالس حقوق الإنسان، سحب السفراء وخفض التنسيق الدبلوماسى، تنسيق عربى دائم وتفعيل قنصلية عربية لتوحيد الرسائل.

ثالثاً: المقاطعة السياسية: عدم التعامل أو التواصل نهائياً مع مسئولى حكومة الاحتلال، بناء تكتلات سياسية والتعامل مع القوى الدولية لإرساء قواعد القانون الدولى، خلق تحالفات جديدة وتقويض الحكومة الحالية سياسياً لإسقاطها والعمل على تغذية المعارضة الإسرائيلية لإنفاذ حل الدولتين والعدول عن ضم الضفة الغربية ومحو غزة.

رابعاً: التحكم فى المضايق البحرية: التحكم فى حركة ملاحة السفن الإسرائيلية والتضييق عليها ومنع سفن الأسلحة فى مضيق باب المندب وهرمز وجبل طارق وقناة السويس مما يشكل حصاراً استراتيجياً هائلاً.

خامساً: آلية الرد والدفاع المشترك: إنشاء آلية دفاع مشترك موحدة مكونة من توظيف الإمكانات التى تتميز بها كل دولة سواء بشرية، أو علمية، أو عسكرية، أو مادية، أو سيبرانية مع إنشاء وحدة مخابراتية مشتركة لتبادل المعلومات بحيث لا يتوانى هذا الجهاز فى الرد العسكرى على أى اعتداء صهيونى.

سادساً: العزلة الإقليمية: إلغاء التطبيع وتنفيذ فورى لمقاطعة شاملة ثقافياً ورياضياً وفنياً فى اللقاءات الدولية بجانب الهجوم الإعلامى الموحد ومنع التأشيرات والزيارات إلى الأراضى العربية لتحقيق حالة نبذ حقيقية للرد على الانتهاكات وعمليات القتل والتجويع والاستيطان والتطهير العرقى.

قد تبدو هذه الآليات صعبة التنفيذ للوهلة الأولى إلا أن تطبيق آلية واحدة منها فقط كفيل بردع قوى طويل المدى، إن المرحلة الحالية حساسة وحاسمة للغاية فى تاريخ الأمة العربية، إما التحرر من الاحتلال وتنفيذ حل الدولتين وإعادة إعمار غزة ومنع الاستيطان فى الضفة الغربية، أو الاستيلاء على الأراضى الفلسطينية وإقامة «ريفيرا غزة» وموت القضية الفلسطينية للأبد، والواقع يقول إن الاعتداءات الأخيرة على سيادة الدول العربية لن تكون الأخيرة حيث تستغل إسرائيل هذه الحقبة الدموية من الحكم الأمريكى لتحقيق أكبر المكاسب مما يستلزم ضرورة تفعيل هذه الآليات لإثبات وجود «الهيبة» العربية إذا ما أردنا إنهاء حالة الانبطاح والتراخى فى ظل نظام اتحاد إسرائيلى أمريكى لن يتوانى عن سرقة وتدمير كل ما هو مستباح أثناء الضعف العربى.