أبطال غزة.. أطباء يجرون العمليات على ضوء الهواتف ويقاومون الجوع لإنقاذ الأرواح
أبطال غزة.. أطباء يجرون العمليات على ضوء الهواتف ويقاومون الجوع لإنقاذ الأرواح
في قلب غزة، حيث لا يتوقف القصف ولا تزيد المعاناة إلا مع كل لحظة تمر، يواصل الأطباء عملهم بلا كلل، واضعين حياتهم على المحك في سبيل إنقاذ الأرواح، هؤلاء الأبطال يعملون في ظروف مستحيلة، يواجهون الموت يوميًا وهم يهرعون لإنقاذ المصابين، وهذه قصص حقيقية تروي تضحيات خط الدفاع الأول في مواجهة كارثة إنسانية لا تبدو لها نهاية.
أطباء يعملون تحت القصف
في مشهد قاسٍ، تجد المستشفيات في غزة نفسها على حافة الانهيار في كل لحظة. القصف المستمر يحوّل المدينة إلى ساحة معركة، لكن الأطباء لا يتراجعون، يواصلون عملهم في غرف العمليات، ويُجبرون على إجراء الجراحات في ظل انقطاع الكهرباء وتدمير البنية التحتية.
يقول الدكتور سامي (اسم مستعار لأسباب أمنية)، أحد الأطباء في مستشفى الشفاء: «كنت أجري عملية لإنقاذ طفل صغير، بينما انهار جزء من المستشفى بسبب القصف، كل دقيقة كانت حياة أو موتًا، لكنني لم أستطع التوقف.. هذا عملي وهذا ما وجدت من أجله».
أطباء غزة يقاومون الجوع والإرهاق في سبيل حياة المرضى
في مستشفى ناصر جنوب غزة، يعاني الدكتور محمد صقر من جوع شديد لدرجة أنه أصبح يكافح أحيانًا للبقاء واقفًا أثناء معالجة مرضاه المصابين بأمراض خطيرة، وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله لمواصلة عمله، إلا أن أحد الأيام شهد حادثًا غير عادي، حيث أُغشي عليه أثناء عمله في القسم، وبعد لحظات من تعافيه، عاد الدكتور صقر لمواصلة مناوبته التي تستمر 24 ساعة دون توقف.
وفي حديثه في تصريحات تلفزيونية، قال الدكتور صقر: أمسك بي زملائي قبل أن أفقد وعيي، وأعطوني محاليل وريدية، كان هناك طبيب أجنبي أحضر لي علبة عصير تانجو، فشربته على الفور، أنا لست مصابًا بالسكري، بل كنت أعاني من الجوع، لا يوجد سكر، ولا طعام.
تفاقم أزمة الجوع في غزة أصبح مصدرًا كبيرًا للمعاناة لأولئك الذين يحاولون الحفاظ على حياة السكان المصابين بسوء التغذية الحاد، إلى جانب علاج مرضاهم، وقال الدكتور صقر إن حالة الجوع بين الطواقم الطبية في المستشفيات تتفاقم بشكل متسارع، حيث أُغشي على عدد من زملائه في الأيام الأخيرة، في ظل تعرض الأطباء والممرضين للجوع والإرهاق الشديد.
وفي شمال غزة، يعاني الأطباء والمستشفيات نفس الظروف الصعبة، الدكتور فضل نعيم، جراح ومدير مستشفى الأهلي العربي شمال القطاع، وأكد أن العديد من زملائه قد سقطوا أيضًا بسبب الجوع وسوء التغذية، ومن بينهم اثنان تعرضا للإغماء أثناء إجراء عمليات جراحية هذا الأسبوع.
وأوضح الدكتور نعيم: بما أنني مدير المستشفى، فإن إحدى مهامي هي إيجاد طعام للموظفين. نحن لا نحصل على ما يكفي من الطعام، إذا تناولنا وجبة واحدة يوميًا، فنحن محظوظون، ومعظم الناس في المستشفى يعملون على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، من الصعب جدًا الاستمرار على هذا النحو.
هذه القصص تعكس الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة، حيث يواجه الأطباء والممرضون معركة شاقة للحفاظ على حياة مرضاهم في ظل الظروف القاسية، مع نقص حاد في الطعام والموارد الأساسية.
صمود لا ينتهي وسط القصف والدمار
وقال البروفيسور البريطاني نيك ماينارد، الجراح الاستشاري المتطوع في غزة منذ 15 عامًا، إن الأطباء في القطاع يعيشون في ظل ظروف استثنائية، إذ لا يحصلون على أي فرصة للراحة، وأضاف ماينارد أن الأطباء يعملون بشكل متواصل داخل المستشفيات على مدار الساعة، ويتعرضون لاستدعاءات متواصلة لعلاج أعداد هائلة من المصابين جراء القصف المستمر، وأكد أن هذه الحالة من الضغط المستمر على الكوادر الطبية قد استمرت لأكثر من عامين، مما يجعل صمودهم في مواجهة التحديات أمراً مذهلاً حقًا.
قصص عن التضحية في خط الدفاع الأول
منظمة أطباء بلا حدود هي واحدة من أبرز المنظمات التي تعمل في غزة في ظل ظروف بالغة الصعوبة، في تقرير لها، أشارت إلى أن عددًا من الأطباء كانوا يتعرضون للتهديدات المباشرة أثناء عملهم في مناطق النزاع، يروي أحد الأطباء العاملين في مستشفى الوفاء بغزة: كنت أعمل في غرفة العمليات عندما بدأت القذائف تضرب المنطقة المحيطة بالمستشفى، لكننا لم نتوقف، استمررنا في إجراء العمليات، وفقط عندما استحال الأمر اضطررنا لإيقاف العمليات الجراحية بسبب الوضع الأمني.
ولا تقتصر التضحية على الأطباء الذكور، بل هناك العديد من الطبيبات اللاتي يعملن في ظروف لا تطاق، الدكتورة فاطمة، جراحة في مستشفى غزة الأوروبي، تروي حكايتها: في أحد الأيام، كنا في غرفة العمليات عندما أصابتنا قذيفة قريبة جدًا من المستشفى، كان الجميع في حالة صدمة، ولكنني لم أستطع أن أترك مريضًا في حالة حرجة، استمررنا في العمليات رغم الدمار، وكان العمل في تلك اللحظة ليس فقط مهنيًا، بل هو التزام أخلاقي وإنساني.
وفي غزة، يتعين على الأطباء التعامل مع شح المعدات الطبية والمواد الأساسية، في بعض الأحيان، لا يكون لديهم الأدوات اللازمة لإجراء العمليات الجراحية بسبب نقص الإمدادات التي تؤثر على قدرة المستشفيات على تقديم العلاج: المستشفيات في غزة تعمل تحت ضغط هائل، ونحن مضطرون أحيانًا لاستخدام معدات قديمة للغاية أو غير مكتملة في إجراء العمليات، لكننا نواصل العمل لأننا نعلم أن الحياة لا تنتظر.
وفي غزة، الأطباء ليسوا مجرد مهنيين في مجال الطب، بل هم أبطال حقيقيون يتحدون الموت كل يوم من أجل إنقاذ الأرواح، عملهم في ظل القصف والدمار هو أسمى تجسيد للإنسانية والتضحية.