صناعة المجرم تبدأ من القسوة على الحيوان
ليست الجريمة وليدة لحظة عابرة، بل نتاج مسار طويل من التشوهات النفسية والسلوكية التي تتشكل منذ الطفولة. أولى البذور التي تُزرع في طريق صناعة المجرم , القسوة غير المبررة على الحيوانات الضعيفة، من قططٍ تبحث عن مأوى في الشوارع، أو كلابٍ تستجدي لقمة في أزقة المدن. هناك، حيث يختبر البعض سلطته الزائفة على كائن لا يملك الدفاع عن نفسه، تبدأ الحكاية.
حين يرفع طفل أو مراهق يده ليعذب كائنا أعزل، فهو في الواقع لا يهاجم الحيوان بقدر ما يكشف عن فراغ داخلي وعن اضطراب عميق في قدرته على التعاطف. هذا الفعل ليس تسلية بريئة، بل تدريب نفسي على تقبل العنف، وترويض للضمير على الصمت. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الممارسات الصغيرة إلى سلوك معتاد، يكسر الحواجز الأخلاقية ويعد صاحبه لخطوات أبشع.
التوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي فتح الباب على مصراعيه لمتابعة ومشاهدة والمشاركة التفاعلية في العديد من الأنشطة لملايين الناس في كل مكان . وبحكم الواقع أشاهد كثيرا مقاطع لأشخاص يمارسون السادية المفرطة مع الحيوانات الأليفة التي يطلق عليها البعض – ضلالا – لقب الضالة . هي ليست حيوانات ضالة , إنما ليس لها مأوى محدد , لذلك يتعامل معها البعض بقسوة غير مبررة , وعندما يناقش أحد الرفقاء والرحماء بالحيوان ممارس التعذيب فإنه إما يجد صدا وقحا , أو تبريرا بأن هذه الحيوان مسعور ويمثل خطرا على الناس خاصة النساء والأطفال , فيجب ربطه أو قتله , أو تعذيبه !!
من خلال ما تيسر من معرفته عن طريق الفيديوهات , قبضت الشرطة على عدد ممن يعذبون أو يقتلون الحيوانات . أحدها كان غريبا , بعض الشباب معهم كلاب شرسة , أطلقوها على كلب بلدي مسكين فمزقته الكلاب بينما هم يضحكون , لقد تمتعوا بسفك دماء حيوان تصادف وجوده في طريقهم . وفي مكان ما بمحافظة البحيرة صورت كاميرا أحد الأشخاص صبيا ربط كلبا بحبل وصار يسحله يمنة ويسارا حتى قضى عليه والمسكين لا يعلم ما جناه لكي يتعامل معه الصبي بهذه الطريقة . عشرات الفيديوهات ومنا من يتحرك لفك الحبل من رقبة كلب ومنا من يخشى من بلطجة الذي ربط الكلب , لكني أشيد بوزارة الداخلية التي تتدخل فوريا للقبض على القساة الساديين مدركة أن ما يحدث منهم هو الطريق لصناعة مجرمين يصلون إلى مرتبة السفاحين , وكذلك الموقف الحازم من النيابة العامة التي تعاقب كل من يعذب حيوانا , فنحن لسنا مجتمعا بربريا أو همجيا , إنما مجتمع صاحب أعرق الحضارات ويحض دينه على الرحمة والرفق بالحيوان . وقد سبق إثبات تأثير القسوة على الحيوان , عندما أُلقي القبض على مراهقين عذبوا قططا وكلابا وأحرقوها للتسلية، ووجد لاحقا أن بعضهم انخرط في جرائم سرقة وعنف .
في أمريكا كان تيد بندي أحد أشهر السفاحين ، وُجد في سيرته أنه مارس العنف ضد الحيوانات في طفولته. وكذلك جيفري دامر المعروف بـ«آكل لحوم البشر»، بدأ منذ صغره بقتل وتشريح الحيوانات قبل الانتقال إلى البشر. هذه الأمثلة تكشف أن القتل يبدأ صغيرا من طائر أو قطة، ثم يتطور تدريجيًا مع كسر الحواجز النفسية.
إن التحليل النفسي لهذه الظواهر القاسية , يرى أنها سادية مشبعة بالاضطراب يجد من خلالها الفرد متعة مشوهة في إيذاء الآخرين , ما يؤدي في النهاية إلى غياب الضمير، وعدم الشعور بالذنب أو الندم. ويأتي ذلك لتفريغ الغضب الناتج عن بيئة أسرية أو مجتمعية قاسية على كائنٍ لا حول له . فحين يرى الطفل , الكبار يمارسون القسوة، يتعلم أن العنف وسيلة مقبولة للتعبير أو السيطرة. ويحدث بسبب ذلك تفكك إنساني وتتآكل قيم الرحمة والشفقة من النفوس. ويحدث تطبيع مع العنف ويصبح مشهد الاعتداء على الحيوان مألوفًا، فيمهد لقبول صور أعنف ضد البشر. وهو ما ينتج مجرمين صغار مدربين عمليًا على الجريمة، فيكبرون وهم يحملون أدواتها النفسية.
إن القسوة على الحيوان ليست مجرد خطيئة أخلاقية، بل جرس إنذار مبكر لميلاد مجرم محتمل. كل صفعة على قطة، كل طعنة لكلب ضال، هي شرارة صغيرة في نار قد تحرق مستقبل إنسان ومجتمع بأكمله. إن مواجهة هذه الظاهرة ليست دفاعًا عن الحيوان وحده، بل عن إنسانيتنا نحن، وعن أمان غدٍ نريد أن يبقى بعيدًا عن العنف والدماء.