الإخوان من صناعة الطاعة إلى مسخ العقول

لم يكن غريباً أن يُستعبد عقل الشاب الإخوانى تحت لافتة الدين. فالتاريخ يحدّثنا أن هذا الداء قديم، وأن حركات كثيرة نشأت عبر العصور تستمد شرعيتها من وعد بالخلاص، وتستقطب أنصارها عبر خطاب بسيط لكنه حاد، يختزل الوجود كله فى ثنائية: نحن وهم.

نحن أهل الإيمان وهم أهل الكفر، نحن فى الجنة وهم فى النار.

الخوارج، مثلاً، كانوا فى صدر الإسلام شباباً متحمسين، رأوا الدنيا أبيض أو أسود: إمّا الحق المطلق أو الباطل المطلق. رفعوا شعاراً بريئاً فى مظهره هو: لا حكم إلا لله، وغير حكم الله باطل يستحق الإبادة.

لذلك كان هذا الشعار مفتاحاً لقتل الناس واستباحة الدماء. لم تكن القضية هنا تقوم على فهم صحيح للنصوص، ولكنها كانت رغبة فى السيطرة باسم الدين. ولقد واجههم الإمام على بن أبى طالب بحجة لا تزال صالحة اليوم، إذ قال: «كلمة حق أريد بها باطل».

وفى القرون الوسطى عرفنا الحشاشين، أتباع الحسن الصبّاح، الذين اختلط فى تربيتهم التصوف المنحرف، والعقيدة الفاسدة، بالولاء المطلق، وتحولوا إلى آلة اغتيال سياسى منظمة. كانوا صغار السن غالباً، معزولين عن أسرهم، يعيشون فى حصون أشبه بمعسكرات الإخوان الآن، يُربون على الطاعة العمياء، ويُقنعون بأن قتل خصومهم هو السبيل إلى الجنة.

وإذا خرجنا من تراثنا إلى أوروبا، وجدنا أن جماعات سرية مشابهة ولدت فى لحظات الاضطراب، كان منها الكاربونارى فى إيطاليا القرن التاسع عشر، وهى جماعة متطرفة كانت لها طقوسها السرية، إلى الفاشية والنازية فى القرن العشرين، كلها استخدمت الحماس الشبابى، وخلطت بين الطقوس الجماعية والرموز الدينية أو القومية، لتنتج إنساناً آلياً يرى نفسه جندياً فى معركة مقدسة، حتى لو كان من أجلها يقوم بقتل أبناء وطنه. لذلك فإن الإخوان ليسوا بدعاً من ذلك. فهم ورثوا المنهج، ثم قاموا بتطوير الوسائل. ولكن تبدأ القصة دائماً من نقطة واحدة، هى السيطرة على المشاعر الإيمانيّة للشباب ثم قيادتهم وتوجيههم.

وتبدأ رحلة الإخضاع من معسكر، أو رحلة، أو اعتكاف قصير، فيدخل الطالب فى تجربة وجدانية قوية، يشعر فيها أنه جزء من «جماعة مختارة»، ثم يتم تلقينه درس الطاعة المطلقة، وليس التلقين مجرد دروس نظرية، ولكنهم يدخلونه فى تجارب تطبيقية، فيخرج منها وقد تم إلغاء عقله، ويصبح عنده الرأى ما تراه القيادة. والاختلاف مع القيادة فتنة. والبيعة للمرشد هى بيعة لله، والولاء للجماعة هو ولاء لله.

بعدها ينتقل إلى مرحلة «التثقيف» فيحفظ رسالة التعاليم، ثم نصوصاً أخرى تشرح «التضحية»، فيفهم أن التضحية بالنفس هى للجماعة، لأنها كما علموه جماعة الإسلام التى تحيا فى جاهلية أشد من جاهلية القرون الأولى. ثم تأتى جرعة «التعبئة الفكرية»، عبر دروس عن «القوى المعادية»: المسيحيون، الليبراليون، الناصريون، الاشتراكيون… إلخ. هكذا يُزرع فى عقله أن العالم كله يتآمر، وأنه وحده مع إخوانه من يدافع عن الدين.

وهنا يتولى قسم التربية وهو أخطر أقسامهم مهمة غسل الأدمغة، مستخدماً كتباً مثل «المتساقطون على طريق الدعوة»، حيث يُلقن الأخ أن الانسلاخ من التنظيم سقوط من الإسلام. ومن خلال هذه التربية الاستعبادية يتحول الشاب إلى جندى فى جيش سرى، يظل فيه صف ضابط طوال عمره، لا يترقى إلا بالطاعة العمياء.

هذه التجربة التى يمر بها هذا الشاب ليست دينية بقدر ما هى نفسية وسياسية. فهى تبنى شخصية قلقة، مشحونة بالشك فى الآخرين، مطمئنة فقط داخل القطيع. وحين تكتمل التربية، يصبح الأخ مجرد «صفر» فى معادلة كبرى، لا قيمة له خارج التنظيم. يرددون له كلمات محفوظة مثل: «كدر الجماعة خير من صفو الفرد»، فيتربى على إلغاء ذاته، بل على اعتبار أن ذاته على خطر إن خرج من أسر الجماعة.

وإذا قارنا هذا النمط بما هو قائم فى حركات أخرى، وجدنا أن الفكرة واحدة، فالخوارج جعلوا النصوص أداة للقتل، والحشاشون جعلوا الطاعة طريقاً للجنة، والنازيون جعلوا «العرق النقى» ذريعة لإبادة الآخر، والإخوان جعلوا الجماعة مرادفاً للإسلام، حتى صار الخروج عليها كفراً. فصارت تتلاعب بالنصوص، وجعلت من طاعة القيادة طاعة لله، وادعت أنها تمتلك العقيدة النقية وغيرها على باطل.

والمجتمع فى كل هذه الحالات يدفع الثمن. لأنه حين يترك فراغاً تربوياً وثقافياً، تتسلل الجماعات لملئه. وحين يغيب الحوار الحر، تنمو الطاعة العمياء. وحين لا يجد الشاب متنفساً لحماسه، تتحول طاقته إلى مشروع عنف منظم.

ولعل أخطر ما فى الأمر أن هؤلاء الشباب بعد سنوات من التربية القاسية يحتاجون إلى علاج نفسى واجتماعى قبل أن يحتاجوا إلى مناظرة فكرية. فهم يعيشون فى حالة إنكار للواقع، وإحساس زائف بالنقاء، وإيمان متضخم بأن العالم كله يحاربهم. وتلك حالة مرضية أكثر مما هى اجتهاد دينى أو سياسى.

إننا بإزاء ظاهرة تتكرر عبر التاريخ: جماعات تُضلل الشباب بشعار جميل، ثم تستعملهم وقوداً فى صراعها مع المجتمع. ويبقى الدرس الأهم أن نحصن شبابنا بالمعرفة والنقد، لا بالخوف والقمع. فالشاب الذى يتعلم التفكير الحر، هو وحده الذى لا يتحول إلى دمية فى يد أى «زمبلك».