ضحايا توظيف الأموال

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

جرت ملاحقة الجناة والتحقيق فى قضية «الست غالية»، التى أثيرت الشهر الماضى، والتى قامت بالاستيلاء على 100 مليون جنيه من 20 شخصاً مقابل توظيفها فى الهواتف المحمولة، وذلك بناءً على كلام المجنى عليهم، كما أسست شركة اسمها «الست غالية للمواد الغذائية»، مقرها دمنهور، وهى عبارة عن ستارة لتوظيف الأموال.. وما زالت جهات التحقيق المختصة بدمنهور تباشر تحقيقاتها فى البلاغ المقدّم من عدة أشخاص يحمل رقم 6131 لسنة 2025 إدارى دمنهور، يتهم شركة الست غالية بتوظيف الأموال والاستيلاء على 100 مليون جنيه برفقة آخرين.

أثناء ذلك، وردتنى رسالة من صديق الفيس بوك «إسماعيل فاضل» تعبّر عن معاناة المودعين فى مثل هذه الشركات التى تنصب على الناس.. لكنه بعكس هجومنا على «المستريحين» ورفضنا حسن نوايا المودعين وعدم استثمار أموالهم فى «البنوك الرسمية».. فإنه كتب لى الآتى: ابنتى مع آلاف من المودعين كانوا اشتركوا فى مشروع مربح من مشروعات القطاع الخاص، وتوسّع هذا المشروع بعد أن زادت إيداعات العملاء، على أن كل فرد سوف يأخذ نسبة من الأرباح شهرياً، وهذا القدر يزيد كلما زاد مبلغ الإيداع (!!) واستمر المشروع أكثر من خمس سنوات، وفى كل موعد يحصل المودع على أرباحه شهرياً، ولم تكن هناك أى مخالفات، إلى أن جاء أهل السوء وتدخّلوا، إما أن يأخذوا أرباحاً أكثر وإلا سيُبلغون الحكومة.. وطبعاً رفض أصحاب المشروع، (لاحظ إيمانه المطلق بجدية هذه الممارسات ودفاعه عنها وأنا ضدها بالطبع) ذلك، فقاموا بالإبلاغ، وجاءت الشرطة وأغلقت المشروع بالشمع.

القضية التى أطرحها متعلقة بشركة «الحياة للإنتاج الحيوانى»، وهى مملوكة لثلاثة إخوان، هم أحمد وأشرف وأسامة.. عندما تم الإبلاغ عنهم أغلقت الشركة، وتم التحفّظ على أموالها، وأموال وممتلكات اثنين من الإخوة وهما أشرف وأسامة، وتم الحكم على أحمد بالحبس خمس سنوات، وخرج بعد قضاء المدة، وتم الحكم على أشرف وأسامة بالحبس لمدة سبع سنوات مع رد أموال المودعين. الوضع الحالى يتلخص فى انتهاء مدة الحبس لأشرف وأسامة بعد أن قضيا السبع سنوات، وذلك منذ عام مضى، لكنهما ما زالا بالحبس لم يخرجا وما زالت الدولة متحفّظة على أموالهما وممتلكاتهما ولم يتم رفع الحظر، فلا هما خرجا كى ينفذا الحكم برد أموال المودعين ولا الدولة رفعت التحفّظ على الأموال كى يستطيعا (رد أموال المودعين) الذين اشتكوا ورفعوا قضية لاسترداد أموالهم، والمبلغ بالكامل كله 380 مليون جنيه، مع العلم بأن أصول الشركة وممتلكات أشرف وأسامة تعدّت هذا الرقم بكثير والمشروع ما زال قائماً وتديره الدولة، لكن أرباحه لا تزال تحت التحفّظ حتى اليوم.. ثم قام أشرف وأسامة بتقديم شكوى لخروجهما من السجن، لأنهما قضيا المدة مع استرداد أموالهما، ولكن طلبهما قُوبل بالرفض، وكلما سألنا عن التنفيذ يقولون مكتب النائب العام ما زال يراجع القضية، فهل القضية تأخذ كل هذا الوقت للمراجعة؟

أجدها مأساة حقيقية تخص مئات الأسر، والجناة أخذوا جزاءهم، بينما الأسر المغلوب على أمرها تنتظر لحظة رجوع أموالها.. (بالطبع أرسلوا لى كل الأوراق اللازمة).. أنا لا أدافع عمن ورّطوهم فى عمل «مشبوه إن لم يكن ممنوعاً».. لكننى عاصرت رد أموال المودعين بشركات توظيف الأموال (الريان والسعد وغيرهما)، والتى كانت عينية فى هيئة مكرونة وثلاجات.. إلخ.. ولا أتصور أن هذا السيناريو قابل للتكرار.

لقد تدخل المشرّع المصرى بنص المادة 21 من القانون رقم 146 لسنة 1988 بتجريم تلقى الأموال لتوظيفها من الجمهور على خلاف أحكام القانون الذى أعطى هذا الحق فقط للشركات المساهمة المقيّدة بالسجل المعدّ لذلك بالهيئة العامة لسوق المال، ومن ثم فإن أى شركة غير هذا النوع من الشركات تعمل فى هذا النشاط تقع تحت طائلة العقاب، إلا أن الملاحظ أنه يُشترط فى جريمة توظيف الأموال قيامه بعدة أمور أوضحها مشروع القانون، أهمها أن توجّه الدعوى للجمهور بغير تمييز، أى أن تلقى المال لا يكون -كما هو الحال فى جريمة النصب- على الاعتبار الشخصى بين الضحية والجانى، أو بناءً على أى رابط شخصى يربط بين الجانى والضحية ويبعث على اطمئنان الأخير للجانى، فيُسلمه المال بناءً على تلك العلاقة، وإنما يُشترط أن تكون الدعوى فى جريمة توظيف المال موجهة للجمهور الغالب دون تمييز أو رابط بين موجه الدعوى ومتلقى المال.

والحقيقة أنه ليست لدىّ معلومات كافية عن تأسيس «شركة الحياة للإنتاج الحيوانى»، ولا أسباب توقيع أحكام بالسجن على أصحابها، ولا سبب عدم خروجهم من السجن.. أنا كل ما يعنينى «أموال المودعين» وهم بالقطع ليسوا مليونيرات يمكنهم العيش دون مدخراتهم، ولا يمكن أن نُعاقب «الضحية»!!.. ولهذا أوجّه رسالتى إلى السيد المستشار محمد شوقى، النائب العام، بأن يراعى هذه الحالات الإنسانية على الأقل، بإصدار بيان يوضّح حالة مدخراتهم وأرباحها وسبب تأخر تسليمها.

هناك «عائلات مصرية» تعانى، وواجبنا أن نحاول توصيل صوتهم للسادة المسئولين.. «حق أموال المودعين» أمانة فى رقابنا جميعاً.