أيهما أفضل الصلاة في أول وقتها منفردا أم تأخيرها لأدائها جماعة؟ المفتي يرد
أيهما أفضل الصلاة في أول وقتها منفردا أم تأخيرها لأدائها جماعة؟ المفتي يرد
أجاب الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، عن سؤال تلقته دار الإفتاء جاء فيه: أيهما أفضل الصلاة في أول وقتها منفردا أم في آخر وقتها جماعة؟ فهناك مجموعة من الرجال يعملون في مزرعة بعيدة عن العُمران، ويسأل أحدهم: حين يدخل وقت الصلاة وأريد أن أصلي في أول الوقت في جماعة، يطلب مني زملائي في العمل الانتظار لمدة من الزمن حتى يفرَغوا مما في أيديهم ونصلي معًا في جماعة، فأيُّ الأمرين أفضل لي ثوابًا وأقرب امتثالًا لأمر الله عَزَّ وَجَلَّ بإقامة الصلاة والمحافظة عليها: الصلاةُ منفردًا في أول الوقت، أم انتظار الجماعة وإن تأخَّرَت عن أول الوقت؟.
صلاة الجماعة في أول الوقت أعظمُ في تحصيل الثواب
وقال مفتي الجمهورية: مراعاة صلاة الجماعة والحرص عليها في أول الوقت أعظمُ في تحصيل الثواب والأجر من صلاتها جماعة في آخر الوقت أو منفردًا في أوله، فإن تعذرت الجماعة في أول الوقت فالمستحب للمنفرد والأكثر ثوابًا له أن يبادر بالصلاة في أوَّلِ الوقتِ إبراءً لذمته، فإن تيسر له حضور الجماعة بعد ذلك استُحب له ألَّا يفوِّتها، اغتنامًا لفضلها، وتحصيلًا لعظيم ثوابها، فإن شق عليه الجمع بين الأمرين فله أن يختار أيَّهما شاء وما يناسب حاله، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج.
وشدد المفتي على أن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام الخمس بعد الشهادتين، وهي أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة، فإن صلُحت صَلح سائر الأعمال، وإن فسدت فَسد سائر الأعمال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ: صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» أخرجه الأئمة: الترمذي -واللفظ له- والنسائي والبيهقي.
بيان فضل صلاة الجماعة
وتابع المفتي عبر موقع دار الإفتاء: أمَّا أفضلية صلاة الجماعة فبيانها في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وفي روايةٍ: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» أخرجها الإمام البخاري من حديث أبي سعيد الخُدْرِي رضي الله عنه.
والمراد بالجماعة التي ينال بها هذا الفضل والأجر العظيم: كلُّ صلاةٍ اجتمع فيها مع الإمام واحدٌ أو أكثر في غير الجمعة والعيدين، سواء كان ذلك بالمسجد أو غيره كالبيت ومقر العمل ونحوهما، مع استصحاب أن الصلاة في المساجد أعظم أجرًا من غيرها من المواضع لما فيها من أجر الخطوات إليها والمكث والانتظار فيها، كما ورد في السُّنة.
وقال المفتي بخصوص الأفضلية بين أداء الصلاة في أول وقتها منفردا أو أدائها في آخر وقتها جماعة: إن تعارضت الفضيلتان، المحافظة على أداء الصلاة في أول وقتها، والحرص على أداء الجماعة، فقد اختلف الفقهاء في أفضيلة أيٍّ منهما وأيهما أكثر مثوبةً وأجرًا، وذلك على عدة أقوال ترجع في مجموعها إلى اختلافهم في حكم صلاة الجماعة.
فمَن ذهبوا إلى أنَّ صلاة الجماعة واجبة وجوبًا عينيًّا -وهو مذهب الحنابلة، والحنفية على الراجح في المذهب، ووجه عند الشافعية، نَصُّوا على أنه يجب على المنفرد أن يؤخر صلاته إلى وقت الجماعة، ولا تصح صلاته منفردًا إلا بعذر، حيث إنه إذا تعارض واجب ومستحب قُدِّمَ الواجب على المستحب؛ لأنه أقوى وآكد منه في العمل، فلزم تقديم الواجب وهو صلاة الجماعة على المستحب وهو فضيلة أول الوقت.
ومَن ذهبوا إلى أنَّ صلاة الجماعة سُنة مؤكَّدة، وهو قول عند الحنفية، والمالكية في المعتمد، والشافعية في وجهٍ ثانٍ، أو فرضٌ على الكفاية وهو الأصح عند الشافعية، ووافقهم الإمامان الكَرْخِي والطَّحَاوِي من الحنفية، ونقله الإمام المَازِرِي عن بعض فقهاء المالكية، اختلفوا فيما بينهم في الأفضلية والمفاضلة بين الصلاة على أول الوقت للمنفردِ، أم التأخير والانتظار لأدائها جماعة، أم الجمع بينهما، وذلك على أربعة أقوال:
القول الأول: أن أداء الصلاة على أول وقتها للمنفرد أفضلُ من الانتظار لأدائها في آخر الوقت جماعة مطلقًا، وإليه ذهب المالكية، والشافعية في وجه، وذلك لما ورد في أفضلية الصلاة في أول الوقت، وأن أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله.
القول الثاني: أن انتظار صلاة الجماعة أفضلُ من الإتيان بها في أول الوقت منفردًا، وهو قول عند الحنفية، ووجه ثانٍ عند الشافعية، وذلك لتحصيل شعيرة صلاة الجماعة والتي تزيد على فضيلة الصلاة على أوَّلِ الوقتِ.
القول الثالث: أن التفضيل بينهما يختلف باختلاف أمورٍ، منها: اليقين: فإن حصل اليقين بالجماعة التي هي سبب التأخير عن تحصيل فضيلة أول الوقت، فالتأخير أفضل، والثاني: حصول رجاء الجماعة: فإن أراد التأخير رجاء حصول الجماعة ففيه قولان بين التأخير وعدمه كقولهم في الصلاة بالتيمم أول الوقت مع رجاء توفر الماء، وثالثها: مقدار التأخير، فإن كان كثيرًا بحسب تقديره فالتعجيل منفردًا أفضل، وإن كان يسيرًا فالانتظار حينئذٍ أفضل، وهو وجه ثالث عند الشافعية، قياسًا على الصلاة بالتيمم، وجماع القول في ذلك أنه متى كان التأخير لسببٍ معتبرٍ متيقن، أو كان يسيرًا غير مؤثرٍ، فالأفضل الانتظار لتحصيل أجر الجماعة.
القول الرابع: استحباب الجمع بين الأمرين: بأن يؤدي المنفرد الصلاة في أول وقتِها، ثُمَّ يؤديها مرة أخرى في آخر الوقت إن وجدت الجماعة، وهو قول المالكية -خلافًا للإمام شمس الدين البِسَاطِي، حيث يرى أنه إذا صلَّى المنفرد وحدهُ فإنه لا يعيدُ في جماعةٍ-، والشافعية في المختار، وذلك لتحصيل الفضيلتين: فضيلة أول الوقت، وفضيلة الجماعة، وللخروج من خلاف من أوجَب صلاة الجماعة.
وتابع مفتي الجمهورية: وهذا القول الأخير هو الذي نميل إلى الأخذ به والعمل بمقتضاه، وذلك ابتغاءً للزيادة في الأجرِ والقربةِ إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وتحصيلًا للفضيلتين: الصلاة في أول وقتها، وإدراك فضل الجماعة بعد ذلك لو أُقيمَت؛ جمعًا بين الأحاديث الواردة وأقوال الفقهاء في المفاضلة بين الأمرين، فيصلي المنفرد في أوَّلِ الوقتِ بحيث تبرأ ذمته، فإن الآجال لا يعلمها إلا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثم يصلي مع الجماعة إن وُجدت وتيسر له ذلك في أثناء الوقت.
فإن شَقَّ عليه الجمع بين الأمرين وعَسُر فأيَّهما فعل -بأن صلى في أول الوقت منفردًا؛ اغتنامًا لفضيلة أول الوقت وبركته، أو صلى في آخر الوقت في جماعة؛ اغتنامًا لشعيرة الجماعة وتحصيل ثوابها- فقد حاز الفضيلة ونال الأجر وحصَّل الثواب الجزيل، وله أن يتخير بين الأمرين ما يناسب حاله وظروفه؛ لما هو مقررٌ في الشرع الحنيف من أن العامِّي في مثل هذه المسائل التي لا ينبني عليها حقوق للآخرين، أو لم يتخير فيها ولي الأمر مذهبًا معيَّنًا -لا مذهب له، وأنه لا يلزمه التزامٌ بمذهب معيَّن، وإنما له أن يَتَخَيَّر في تقليد أيِّ مذهب من المذاهب المعتبرة.
مع مراعاة أنه إذا لم يتيقن المصلي من إقامة الجماعة قبل خروج وقت الصلاة، أو لم يتسع الوقت المتبقي لإيقاع كامل الصلاة قبل خروج وقتها مع انتظاره للجماعة، فإن التعجيل بالصلاة منفردًا حينئذٍ هو الأَوْلَى.