سبق لى أن كتبت عدة مرات أننا نحتاج إلى «ثورة تشريعية»، وهذا جزء من إصلاح الحياة السياسية والاجتماعية، وتحقيق العدالة والمساواة بين أفراد الشعب، وكثيراً ما حاربت بعض مواد القانون مثل (قانون ازدراء الأديان وقانون حبس الصحفيين) وأيضاً استخدام «الحبس الاحتياطى» كوسيلة عقابية غير مقننة (!!).. ربما كان البلد بحاجة لتحقيق استقرار أكبر بعد برنامج «الإصلاح الاقتصادى»، وربما جاء الإجماع من قوى «الموالاة والمعارضة» على ضرورة تعديل قانون الإجراءات الجنائية، خلال «الحوار الوطنى» الذى دعا له السيد الرئيس «عبدالفتاح السيسى».
وأنا عادة لا أجادل ولا «أقاوح» كثيراً فى أولويات الإصلاح فى البلاد، لأن لدىّ يقيناً بأن من يمكنه تحديدها بدقة هو «قمة هرم السلطة»، حيث يتوافر معلومات لا تصل إلينا بالقطع، ويُحدث توازناً بين معطيات الواقع ومتغيراته وبين القدرة على استيعاب الشعب لتغيير ما.. وبالتالى توقيت التغيير أو الإصلاح يأتى عادة بإرادة سياسية فوقية.
ويعتبر ملف «حقوق الإنسان» فى مصر هو الملف الأكثر سخونة، والذى يلقى اهتماماً دولياً صاخباً وفيه مبالغة، وقد أصبح بعض النشطاء السياسيين المعارضين للبلد عنواناً لهذا الملف، وذريعة لاستعداء الرأى العام العالمى على البلاد، المفاجأة أنه فى قلب الصمت الذى غطى على هذا الملف لاهتمام العالم بالحروب والنزاعات الأخرى.. جاء عرض مشروع قانون «الإجراءات الجنائية» على السيد الرئيس الذى أعاده إلى مجلس النواب لبحث الاعتراضات على عدد من مواد القانون، وهو ما لاقى ترحيباً فى الأوساط الحقوقية والشارع المصرى، حيث شدد «السيسى» على ضرورة إعادة دراسة هذه المواد لتحقيق مزيد من الضمانات المقررة لحرمة المسكن ولحقوق المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة، وزيادة بدائل الحبس الاحتياطى للحد من اللجوء إليه. لضمان تحقيق العدالة والمساواة لصالح المجتمع.
وقانون الإجراءات الجنائية يتصل مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين وينظم ويحدد كل أنواع الجرائم الجنائية بأشكالها المختلفة وكافة العقوبات المترتبة عليها، وتنظم قواعده الإجراءات القضائية التى تلتزم بها السلطات القضائية، كما يحدد حريات المواطن التى يصونها الدستور، والإجراءات القضائية التى تتم فى حالة تقييد حريته أو الاعتداء على حرية وخصوصية مسكنه.
وبالتزامن مع هذه الخطوة الإصلاحية جاء قرار العفو الرئاسى عن باقى مدة العقوبة المقضى بها على عدد من المحكوم عليهم بعد اتخاذ الإجراءات الدستورية والقانونية فى هذا الشأن من بينهم الناشط السياسى «علاء عبدالفتاح».. وجاء قرار العفو عن «عبدالفتاح» بعد توجيه الرئيس السيسى للجهات المعنية، بدراسة الالتماس الذى تقدم به المجلس القومى لحقوق الإنسان، بشأن الإفراج عن «عبدالفتاح» وعدد من المحكومين.
وكانت محكمة مصرية قد رفعت فى يوليو الماضى، قبل هذه الخطوة، اسم «عبدالفتاح» من قوائم الإرهاب. وكان رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر قد ناشد الرئيس السيسى فى وقت سابق من هذا العام إطلاق سراح عبدالفتاح الذى يحمل الجنسية البريطانية. ولاقى قرار العفو عن «عبدالفتاح» ترحيباً كبيراً على مختلف المستويات، إذ رحبت به وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، وقالت عبر حسابها على موقع «إكس»، إنها تتطلع إلى عودته إلى المملكة المتحدة، ليلتقى بعائلته.
والعفو الرئاسى هو قرار يصدر من رئيس الجمهورية بالعفو عن العقوبة، وذلك وفقاً لنص المادة 155 من الدستور المصرى، التى جاء نصُّها أنه (لرئيس الجمهورية بعد أخذ رأى مجلس الوزراء العفو عن العقوبة، أو تخفيفها، ولا يكون العفو الشامل إلا بقانون، يُقر بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب).. وبالتالى العفو الرئاسى نوعان، إما العفو عن العقوبة أو العفو الشامل. وهو مقيد بشروط متعلقة بنوع الجريمة والمدة التى قضاها السجين وحسن السير والسلوك وشروط أخرى عديدة.. وقد جرت العادة أن يصدر رئيس الجمهورية قرارات العفو الرئاسية فى المناسبات والأعياد الرسمية.
فالقضية إذاً لا علاقة لها بالحب ولا الكراهية، ولا اتفاقك الفكرى وتوجهك السياسى أو اختلافك معه، هو «حق» يكفله الدستور لكل مواطن تنطبق عليه الشروط.. وفى تعليق للمجلس القومى لحقوق الإنسان، قال فى بيان له: إن هذا القرار يعتبر تجسيداً عملياً لإعمال الصلاحيات الدستورية المخوّلة لرئيس الجمهورية، وخطوة تعكس اتجاهاً متنامياً لتعزيز مقومات العدالة الناجزة، واحترام الحقوق والحريات الأساسية.
قد أختلف كلياً مع توجهات شخص وممارساته، لكنى أدافع لآخر نفس عن حقه فى محاكمة عادلة وقوانين محكمة تحمى العدالة.. وما ينطبق على أى مواطن مثل «العفو الرئاسى» له أن يتمتع به.. القانون هو درع الوطن ضد الفوضى والقضاء حائط الصد الأخير.. نحن نختلف تحت «سماء الوطن» ولا ننفى الآخر أو نصادر حريته.