«درية» ضد «اليسار والإخوان»

أصدرت الدكتورة «درية شفيق» واحدة من أشهر المجلات النسائية فى تاريخ مصر، وهى مجلة «بنت النيل» التى اهتمت بنشر المقالات حول القضايا النسائية، واقتراحات حول التغذية، ونصائح تتعلق بتربية الصغار، بالإضافة إلى صور ملونة حول آخر صيحات الأزياء فى باريس، وساهم مع الدكتورة درية شفيق فى إدارة المجلة وإنتاج محتواها الدكتور إبراهيم عبده، رحمه الله. وقد أولت المجلة القضية الفلسطينية اهتماماً خاصاً، بعد هزيمة العرب فى حرب 1948، وقيام دولة إسرائيل، وتشير «درية» فى هذا السياق إلى أن «مآسى مصر الحقيقية بدأت مع حرب فلسطين».


نحن أمام سيدة آمنت بحقوق المرأة بكافة أشكالها، رأت أن الحقوق السياسية لا تقتصر على حق المرأة فى الانتخاب، بل والمشاركة فى الترشيح، وسعت إلى تغيير القوانين المدنية التى تحول دون ترشيح المرأة لدخول البرلمان، كما سعت إلى تغيير قانون الأحوال الشخصية، فيما يتعلق بتعدد الزوجات والطلاق وحضانة الأطفال، أرادت إلغاء بيت الطاعة، كما طالبت بإلغاء الإجراءات البوليسية لتطبيق ذلك القانون. وكانت تحتج فى مطالباتها بنصوص الشريعة، حتى فيما يتعلق بتعدد الزوجات، إذ أشارت إلى أن روح الإسلام تتعارض مع فكرة التعدد (إلا فى حالة الزوجة العاقر أو المريضة). فالإسلام يسمح للرجال بالزواج من أربع نساء شريطة العدل بينهن، وبما أن ذلك مستحيل مهما حاول المرء أن يفعل، فلا يمكن تفسير ذلك إلا بأنه حظر لتعدد الزوجات.


بدأت الاتهامات تكال لدرية شفيق من جديد بأنها تبحث عن تحرير سيدات الطبقة الراقية، وأن ما تطالب به يقع فى دائرة اهتمامات سيدات الأسر المخملية، وأنها لا تعمل من أجل المرأة الفقيرة، وكان هذا الاتهام موجهاً لها بشكل أساسى من التيارات اليسارية التى كانت تتزاحم فى مصر ما قبل 1952، ووجهت إليها التيارات الدينية الأصولية -وعلى رأسها جماعة الإخوان- اتهامات بالعمالة للغرب والاستعمار، وأنها تنشد نشر أفكار تتناقض مع الإسلام وما جاء به من أحكام. وحقيقة الأمر أن السيدة كانت بريئة من الاتهامين، فالمجلتان اللتان أشرفت عليهما اهتمتا بحقوق المرأة المصرية ككل، والتركيز فى بعض الأحوال على سيدات الأسر المخملية بدا طبيعياً فى ظل رعاية «الأميرة فايزة»، ومن قبلها «الأميرة شويكار» بالمجلتين، أما اتهامها بنشر أفكار تتناقض مع الإسلام، فهو اتهام يقفز على حقيقة أن «درية شفيق» كانت تستند إلى تأويلات للإسلام تختلف عن تأويل التيارات الأصولية له، وبالتالى فالمسألة تقع فى سياق «اختلاف التأويل» ليس أكثر.


وتجربة مجلة «بنت النيل» تشير إلى أن درية شفيق انطلقت بكل طاقتها لخدمة الطبقة الفقيرة من سيدات المجتمع المصرى، والنساء العاملات والمحتاجات فى القاهرة، فافتتح اتحاد بنت النيل كافيتريا تقدم وجبات مدعومة لسيدات الطبقة العاملة، ومكتباً لتشغيل الطلبة، بالإضافة إلى تنظيم ندوات لرفع مستوى وعى المرأة المصرية ككل بحقوقها، ونظمت برامج لمحو أمية النساء البالغات، بل وأنشأت مدرسة لمحو الأمية بين صفوف المرأة فى حى بولاق، وحققت إنجازات طيبة على مستوى استقطاب السيدات الفقيرات لتعلم مبادئ القراءة والكتابة، انطلاقاً من أن المرأة الأمية لن تستطيع أن تفعل شيئاً بما يمكن أن تناله من حقوق سياسية واجتماعية. أما خطوتها الأخطر فتمثلت فى تلك المسيرة التى قادت فيها 1500 سيدة من قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية نحو بوابة البرلمان المصرى للمطالبة بتمرير قانون ينص على حق المرأة فى الانتخاب، وانتزعت من رئيس البرلمان وعداً بأن ينظر البرلمان فوراً فى مطالب المرأة.