حركة «حماس» والسؤال المركزي

سمير عمر

سمير عمر

كاتب صحفي

فى مطلع عام ألفين وثلاثة عشر، زارنى ثلاثة من قيادات حركة حماس بقطاع غزة، كان الحوار ودياً إلى حد كبير فى بدايته، لكنه سرعان ما تحول إلى ما يشبه المواجهة، حين سألنى أحدهم: لماذا برأيك يهاجم المصريون المقاومة الفلسطينية فى هذه الأيام؟

وقبل أن أبدأ بالكلام، كان الآخر يجيب بلغة الواثق العالم ببواطن الأمور: إنهم متأثرون بحملات إعلامية يقودها فلول نظام «مبارك»، بينما اكتفى ثالثهم بمراقبة الموقف فى انتظار ردى، ورغم غضبى من طريقة السؤال والرد التى بدت كأنها متفق عليها بين «الضيوف الثلاثة» فإننى كتمت غضبى وقلت لهم: ليس صحيحاً أن المصريين يهاجمون المقاومة الفلسطينية، فالمصريون الذين قاوموا التطبيع مع «إسرائيل» ويرونها رغم توقيع معاهدة السلام قبل أكثر من ثلاثة عقود «العدو الاستراتيجى» لبلدهم وأمتهم لا يمكن أن يهاجموا المقاومة، وكل ما فى الأمر أنهم يهاجمون حركة حماس لارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين التى يتولى أحد أعضائها الآن رئاسة البلاد، إن الهجوم على حماس لارتباطها بالإخوان، لا يعنى على الإطلاق عدم دعم المصريين للمقاومة الفلسطينية، لذا ينبغى التفريق بين المقاومة المشروعة للمحتل، وبين حركة حماس كحركة وفصيل سياسى فلسطينى ينتمى لتنظيم الإخوان المسلمين.

فرد الثالث: لكن نحن بالأساس «حركة مقاومة ذات مرجعية إسلامية»، هدفنا تحرير فلسطين ولا علاقة لنا بالخلافات داخل أى بلد عربى، فأجبته: للأسف هذا ليس صحيحاً، وارتباطكم بالإخوان لا يخفى على أحد، وهذا الارتباط لن يزيدكم إلا رفضاً من قطاعات من الشعب المصرى إلا مَن كان من أعضاء الإخوان أو من يدعمهم ويساندهم.

كنت أتحدث بصوت عال ونبرة حادة، فحاول الرجل تهدئتى: إذا كانت الحال كذلك فبماذا تنصحنا؟

قلت له أنتم لن تقبلوا النصح، لكن إن كنت لكم ناصحاً فعليكم بالابتعاد عن الإخوان، لأن مساحات الرفض الشعبى فى مصر لسياسات الإخوان آخذة فى الاتساع، وبالتأكيد سينعكس ذلك عليكم.

وأضفت: هناك قوى سياسية فى مصر من الناصريين واليساريين والليبراليين يدعمون المقاومة الفلسطينية على الدوام، إن أردتم أن تستعيدوا الحاضنة الشعبية الداعمة لكم فى مصر فلتقتربوا من هذه القوى، ولتبتعدوا ما استطعتم عن تنظيم الإخوان، وإن امتلكتم شجاعة الإعلان عن فك الارتباط مع الإخوان فسيكون هذا فى صالحكم، لكننى لا أتوقع أنكم قادرون على فعل ذلك.

انتهى هذا اللقاء الذى استمر لنحو نصف ساعة، وغادر الضيوف الثلاثة مكتبى وبعدها وفى أسبوع واحد عقد وفد الحركة عدداً من اللقاءات مع عدد من ممثلى القوى السياسية فى مصر، ونظمت لهم مؤتمرات صحفية بنقابة المحامين والصحفيين المصريين.

كانوا يدركون أن الغضب الشعبى فى مصر من حكم الإخوان يتسع، لكنهم لم يمتلكوا شجاعة فك الارتباط بالتنظيم.

فك الارتباط

بعد هذا اللقاء جرت مياه كثيرة فى نهر العلاقات بين مصر وحركة حماس، على خلفية الثورة الشعبية التى أطاحت بحكم الإخوان فى مصر حتى كان يوم الأول من مايو سنة 2017 والذى أعلنت فيه حركة حماس فك ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين، وإعادة تعريف نفسها باعتبارها «حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية بمرجعية إسلامية، وهدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيونى» وهو ما شكل قطيعة واضحة - اعتبرها البعض تحركاً تكتيكياً- مع ميثاق الحركة الصادر عام 1988 عندما تم الإعلان عن انطلاق الحركة باعتبارها جناحاً من أجنحة جماعة الإخوان المسلمين، وقد أوضحت الحركة فى وثيقة الأول من مايو والتى تضمنت 42 بنداً أنها تعتبر منظمة التحرير الفلسطينية إطاراً وطنياً للشعب الفلسطينى فى الداخل والخارج يجب الحفاظ عليه، فضلاً عن قبولها بدولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس، دون أن يعنى ذلك اعترافاً بإسرائيل أو قبولاً بالتنازل عن تحرير كامل فلسطين من النهر إلى البحر.

كان إعلان حماس فك ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين خطوة مهمة على طريق إعادة تموضعها داخل الحركة الوطنية الفلسطينية من جانب، وإعادة وصل ما انقطع من علاقات مع مصر والقوى الوطنية المصرية الرافضة للإخوان المسلمين من جانب آخر، وهو ما استقبل بترحيب من القوى المناهضة للتطبيع المعارضة للإخوان فى ذات الوقت، غير أن ما حملته التطورات خاصة فى الشهور الأخيرة، وما شهدته من تحركات ومواقف لبعض قيادات الحركة كشفت عن تنسيق وتبادل واضح للأدوار بين الحركة وتنظيم الإخوان ضربت عمق وثيقة فك الارتباط الذى صدر فى مايو 2017.

دفعت حركة حماس دون شك ثمن ارتباطها العضوى بتنظيم الإخوان وكلفها هذا الارتباط، سواء كان ذلك قبل صدور وثيقة 2017 أو بعدها الكثير، فحركات التحرر بطبيعتها حركات جبهوية تضع مقاومة المحتل إطاراً جامعاً ومنهجاً حركياً يجمع ولا يفرق، بينما الحركات والتنظيمات السياسية هى تجسيد لرؤى وأفكار يسعى المؤمنون بها إلى تطبيقها، وهم فى سبيل ذلك يخوضون معارك سياسية فى مواجهة المختلفين معهم، وهذا أمر طبيعى ومشروع، لكنه بطبيعته أيضاً يفرق ولا يجمع، وهنا موطن الخطر، الذى ينبغى على حركة حماس إدراكه وتجنب الوقوع فيه، حتى تبقى جزءاً من جبهة المقاومة كحركة تحرر وطنى تضع المصلحة العليا للشعب الفلسطينى كبوصلة حاكمة لتحركاتها، وليست كفصيل سياسى يسعى لتغليب مصلحته الحزبية على حساب قضيته الوطنية العادلة.