منجي علي بدر يكتب: المنافسة السياحية العالمية ورقة مصر الرابحة في يد الملحق التجاري
عندما تتم الإشارة إلى دور الملحق التجارى فى السفارات المصرية بالخارج، يتبادر إلى الذهن عادةً الملفات التقليدية مثل «دعم الصادرات، جذب الاستثمارات، وفتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية»، ولكن المشهد العالمى اليوم يفرض بُعداً آخر لا يقل أهمية، وهو الترويج للسياحة كجزء من القوة الناعمة المصرية، وذلك نظراً لعدم وجود مستشار سياحى بالخارج، فالسياحة ليست مجرد نشاط اقتصادى موسمى، بل صناعة استراتيجية تدر مليارات الدولارات، وتُوظف ملايين الأيدى العاملة، وتعكس صورة مصر الحضارية والثقافية.
وهنا يصبح الملحق التجارى، إذا أحسن استخدام أدواته، سفيراً خفياً للسياحة لا يقل تأثيراً عن الحملات الدعائية التقليدية.
إن السياحة كسلاح تنافسى فى سوق مزدحم بالمنافسين. يكشف المشهد الدولى عن سباق محموم بين الدول على استقطاب السائح، فتركيا، على سبيل المثال، تسوِّق شواطئها عبر الطيران منخفض التكلفة والإعلانات الرقمية، واليونان تراهن على جزرها الخلابة، والمغرب يروِّج لتراثه الأندلسى وصحرائه، ووسط هذا الزحام يجب أن يُعيد الملحق التجارى المصرى تعريف دوره، ليس منافساً مباشراً لتلك الدول، بل مروجاً للريادة المصرية التى لا يملكها أحد سوانا.
وتقدم مصر سياحياً ما لا يجتمع فى مكان واحد، حيث: حضارة فرعونية عمرها آلاف السنين، وسياحة نيلية فريدة، وشواطئ على بحرين فى شمالها وشرقها، وصحراء ممتدة تصلح للمغامرة، مع مراعاة أن الملحق التجارى الذكى لا يدخل معركة مقارنة صفرية مع الآخرين، بل يسوِّق لمصر باعتبارها وجهة مختلفة ومتنوعة.
ويملك الملحق التجارى المصرى أوراقاً تتجاوز الملصقات الدعائية والكتيبات السياحية باستخدام أدوات غير تقليدية للترويج مثل:
- الشراكات الذكية: بناء تحالفات مع شركات طيران وسلاسل فنادق، ومنصات سفر رقمية فى البلد المضيف وحزم ترويجية تحت شعار «مصر + وجهة أخرى» يمكن أن تتحول إلى مدخل عبقرى لجذب سياح جدد.
- التسويق الرقمى بلغات الأسواق المستهدفة، وليس بالإنجليزية وحدها، بل باليابانية والكورية والإسبانية والبرتغالية، حيث استخدام لغة الزائر يصنع نصف الإقناع.
- القوة الناعمة الثقافية: تنظيم أسابيع ثقافية وعروض فنية أو حتى أمسيات موسيقية وسينمائية مصرية، حيث يكون الترويج للسياحة جزءاً ضمنياً من الفاعلية الثقافية، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار.
- استضافة المؤثرين والصحفيين، حيث تنظيم رحلة واحدة لمدوِّن سفر شهير قد يحقق لمصر من الحجوزات أضعاف إعلان تقليدى فى صحيفة.
- إبراز سهولة الوصول والتجربة الميسرة، وذلك عن طريق التأشيرات الإلكترونية والرحلات المباشرة وتحديث البنية التحتية السياحية بحيث تكون جزءاً أساسياً من الخطاب الترويجى.
وأهمية التعامل مع المنافسين بذكاء، حيث الخطأ الأكبر أن يسعى الملحق التجارى لمهاجمة المنافسين أو تقليدهم، بينما المطلوب هو إدارة التنافسية بذكاء. ونسوق، على سبيل المثال، الدول الثلاث التالية:
مع تركيا: إبراز أن مصر تقدم تجربة تاريخية عميقة إلى جانب السياحة الشاطئية، وبأسعار أقل.
مع اليونان: التأكيد على أن مصر مقصد سياحى طوال العام، بينما يظل موسم اليونان قصيراً.
مع المغرب: طرح مصر كخيار أكثر تنوعاً يجمع بين الشواطئ والآثار والنيل والصحراء.
وبذلك يتحول التنافس إلى تمايز إيجابى، ويُقدِّم مصر كخيار مكمِّل وليس مجرد بديل.
ونسوق المحاذير الواجب تجنبها، حيث يتطلب النجاح حذراً وتؤدة، ومن أكبر الأخطاء:
- المبالغة الدعائية التى تُفقد المصداقية.
- إهمال التنسيق مع وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة، مما يؤدى إلى ازدواجية الجهود.
- الترويج بنفس الرسالة لجميع الأسواق، فى حين أن ما يجذب الأوروبى قد لا يجذب الآسيوى أو الخليجى.
وعليه، تتمثل النتائج المتوقعة إذا أحسن الملحق التجارى توظيف الأدوات بعاليه وتجنب المحاذير، أن تتحقق نتائج ملموسة، منها:
- زيادة أعداد السياح من أسواق غير تقليدية مثل شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.
- رفع عوائد العملة الصعبة وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبى.
- جذب استثمارات مباشرة فى الفنادق والبنية التحتية السياحية.
- تحسين صورة مصر فى الخارج كدولة مستقرة وجاذبة للحضارة والثقافة والانفتاح.
وفى الختام فإن الترويج للسياحة لم يعد مهمة مقتصرة على وزارات وهيئات بعينها، بل أصبح جزءاً من الدبلوماسية الاقتصادية الشاملة لمصر، وفى قلب هذه المعادلة يقف الملحق التجارى، ليس فقط كمسوِّق للسلع والخدمات، بل كسفير خفى يملك القدرة على صياغة صورة مصر فى ذهن السائح والمستثمر معاً، وحين ينجح الملحق التجارى فى هذا الدور فإنه لا يجلب السياحة فحسب، بل يعيد توظيفها كأداة من أدوات التنمية المستدامة والقوة الناعمة المصرية.