«محمد الدرة» أيقونة هزت ضمير العالم.. ودليل على وحشية الاحتلال
«محمد الدرة» أيقونة هزت ضمير العالم.. ودليل على وحشية الاحتلال
كتب : محمد على حسن وماريان سعيد
فى ذاكرة الشعوب تبقى صور قليلة، لكنها تُصبح رموزاً أكبر من كل الكلمات، وفى ذاكرة فلسطين، لا تزال صورة الطفل «محمد الدرة»، الذى احتمى بوالده خلف حاجز أسمنتى فى شارع صلاح الدين بغزة عام 2000، تطارد العالم كله، ثوانٍ معدودة سجّلتها الكاميرا، والرصاص يخترق الهواء قبل أن يخترق جسد الطفل، لكن تلك الثوانى تحولت إلى أيقونة أبدية تلخص مأساة شعب بأكمله، فى ذلك اليوم، لم تفقد فلسطين طفلاً وحسب، بل فقدت الأم الفلسطينية، «أمل الدرة»، قدرتها على أن تصدق أن الألم قد ينتهى.
على أنقاض منزل هدمه عدوان الاحتلال الذى لحق بأحداث طوفان الأقصى، جلست «أم محمد» تروى الحكاية كأنها حدثت بالأمس: «كنت أسمع الرصاص، وقلبى يتقطع، ولا أنسى حين رأيت صورة محمد وهو فى أحضان والده، وكأن اللحظة تعود وتعاش من جديد»، قالتها والدة الشهيد محمد الدرة لـ«الوطن»، لكنها تعلم جيداً أنه منذ هذه اللحظة وابنها هو ابن فلسطين كلها.
والدته: «رأيته يفارق الحياة على شاشة التلفاز وكنت أسمع الرصاص وقلبى بيتقطع»
تستحضر والدة الشهيد محمد الدرة تفاصيل اليوم الذى لا يفارق ذهنها حتى اللحظة، لتقول: «مساء يوم الجمعة الموافق 29 سبتمبر من عام 2000، وجدت محمد فرحاً للغاية ولا يريد الاستجابة لمطالباتى المتكرّرة لأن يخلد للنوم، فالوقت تأخر، وكنا قد اقتربنا من منتصف الليل، لكنه لم ينم إلا عند أذان الفجر، ليُبرر لى قبلها سهره بأن يوم السبت سيشهد إضراباً عاماً فى المصالح الحكومية والخاصة داخل الأراضى الفلسطينية احتجاجاً على اقتحام شارون للمسجد الأقصى، وتكون آخر كلماته قبل وضع رأسه على الوسادة (يا أمى هادا أحلى يوم عندى، ما فى مدرسة باكر)».
تستجمع والدة محمد قواها مرة أخرى، وتظهر دموعها فى الهاتف عبر أنين صوتها، لتُكمل: «تناول محمد الإفطار معنا، وخرج مع والده الذى كان ينوى الذهاب إلى سوق السيارات فى غزة فى تمام الساعة الحادية عشرة ظهراً، لم أكن أتوقع بنسبة واحد بالمائة أن هذا سيحدث، لدرجة أننى كنت أشاهد التلفاز، ومرّت الصورة أمامى ولم أركز فيها على الإطلاق، إلى أن زارتنا خالة زوجى دون أى ميعاد سابق على غير عادتها، فتعجّبت وحينما نظرت إلى تفاصيل وجهها شعرت بأن هذا الرجل والصبى اللذين كانا فى التلفاز هما زوجى وابنى، وبعد عشر دقائق وجدت جميع جيراننا فى الشارع قد علموا بالحادث، لتتوالى الزيارات، وكل ما أستطيعه وصف هذا اليوم بأنه (عذاب وفاجعة)».
«الأم»: «حوّلت غرفته لمتحف.. والصهاينة هدموا البيت.. وقتلوا أخوه أحمد فى 2024»
بركان غضب عمّ الشوارع فى سبتمبر من عام 2000 تحول إلى بركان حزن فى قلبها، كل حجر كان يحمل صورة طفل، وكل زقاق كان يتردّد فيه صدى صرخة أب أو أم، وفى قلب تلك الانتفاضة، صار محمد رمزاً ووجهاً محفوراً فى ذاكرة الشعوب، بينما تحولت الأم إلى شاهد حىّ على معنى الفقد الذى لا ينتهى. تقول الأم وهى تنظر إلى أنقاض المنزل: «لسنوات احتفظت بصوره، وكل ما يتعلق به حتى الدروع والتذكارت التى أهديت لنا عقب استشهاده وحوّلت غرفته إلى متحف مشبع بالفخر، ولكن الاحتلال رفض حتى الاحتفاظ بذكراه وهدم البيت فى عدوان غاشم، ولم يكتفِ العدوان بهدم ذكريات ابنها محمد، بل أخذ منها ابنها الثانى أحمد الدرة فى يناير 2024 بعد أذان الفجر، حيث كان القصف مرعباً، وشهد إلقاء براميل متفجرة على المنازل، فعاشت الأم حينها كوابيس الماضى بكل تفاصيلها».
بعد أن فقدت «أمل الدرة» ابنها محمد فى الانتفاضة، وأخاه فى غزة تقول: «أنا أم فلسطينية مكتوب علىّ أعيش الحزن مرتين، مرة شُفت ابنى يموت قدام العالم كله، والمرة التانية دفنت ابنى بإيدى تحت الركام»، كانت كلماتها تخرج وكأنها جمر مشتعل، تحمل غضباً ووجعاً، لكنها أيضاً محاطة بعناد وإصرار، فلم تنكسر رغم الجنازتين، بل تحولت شهادتها إلى رمز آخر للصمود الفلسطينى.