معجزة لويس باستور.. كيف أنقذ طفلا وغير تاريخ الطب بلقاح داء الكلب؟
معجزة لويس باستور.. كيف أنقذ طفلا وغير تاريخ الطب بلقاح داء الكلب؟
هل تخيّلت أنّ عضة كلب كانت كفيلة بالحكم على الإنسان بالموت دون فرصة نجاة.. هكذا عاشت البشرية قرونًا في رعبٍ من «داء الكلب»، إلى أن كسر عالم فرنسي هذه اللعنة.
في يوم 4 يوليو 1885 خطّ العالم الفرنسي لويس باستور فصلًا جديدًا في تاريخ الطب، حين تحدّى المستحيل وسعى لصنع لقاح ينقذ ضحاياه من مصير محتوم، بفضل إنقاذه طفلًا صغيرًا، ليمنح العالم أول لقاحٍ ضد هذا المرض القاتل.
مسيرة باستور العلمية في اكتشاف لقاح داء الكلب
من الكيمياء والفيزياء بدأ لويس باستور رحلته مع العلم، حيث انشغل في بداياته بدراسة علم البلورات، قبل أن يأخذه الشغف لاكتشاف عوالم جديدة في البيولوجيا والزراعة والطب وحتى النظافة، ومع مرور الوقت، أصبح اسم «باستور» مرادفًا للثورة العلمية في القرن الـ19، خصوصًا بعد اثنين من أهم إنجازاته وهما البسترة ولقاح داء الكلب.
ولم يكن الطريق أمام باستور مفروشًا بالورود، فقد خاض تجارب عدة على الحيوانات سعيًا لفهم أسرار التطعيم والتلقيح، ففي عام 1878، بدأ بتجارب على البكتيريا المسبّبة لمرض كوليرا الدجاج، ولاحظ تراجع حدة أعراض المرض بعد تطعيم الطيور، وهو ما فتح الباب أمامه لاكتشافات أكبر. وبعد 3 سنوات، نجح في حماية الأبقار والأغنام من «الجمرة الخبيثة»، ثم طور في العام التالي لقاحًا آخر لمرض «الحمرة» الذي كان يفتك بالخنازير، وفقًا لما ذكره Science History Institute؛ ليضع باستور اللبنات الأولى لعصرٍ جديدٍ في عالم اللقاحات، مُمهدًا الطريق لاكتشافات غيّرت وجه الطب.
منذ أوائل ثمانينيات القرن الـ19، بدأ لويس باستور يُلاحق حلمًا كبيرًا وهو «القضاء على داء الكلب»، ذلك المرض الذي بثّ الرّعب في قلوب البشر لقرون، إذ كان الموت النتيجة الحتمية لأي شخص يتعرض لعضة كلب مصاب، وفي تلك الحقبة، لم يكن هناك علاج فعّال، وكان الأطباء يقفون عاجزين أمام هذا الفيروس القاتل، ما دفع باستور إلى تكريس جهوده لإيجاد لقاح ينقذ الأرواح.
بدأ باستور سلسلة من التجارب على الحيوانات، وبعدما نجح في عزل الفيروس المسبب للمرض، حقن به أحد الأرانب، ثم أعاد عزله مرة أخرى، وكرّر العملية مرارًا مستخدمًا في كل مرة أرانب جديدة، وهذه المحاولات المتكررة مكّنته في النهاية من الحصول على فيروس مُضعف يمكن استخدامه في إنتاج لقاح.
وفي مايو ويونيو عام 1885، كانت لحظة الاختبار الكبرى، حيث أجرى باستور أولى تجاربه على مريضين مصابين بداء الكلب، لكن النتيجة لم تكن كما تمنى، إذ انتهت التجربة بالفشل بعد وفاة المريضين؛ ليواجه العالم الفرنسي خيبة أمل مؤلمة، لكنها لم تكسر إصراره على الوصول إلى النجاح الذي سيغير وجه الطب إلى الأبد.

النجاح الأول للقاح والشهرة العالمية
في 4 يوليو عام 1885، شهدت فرنسا لحظة حاسمة في تاريخ الطب، ففي صباح ذلك اليوم، كان الطفل جوزيف مايستر، البالغ من العمر 9 سنوات، في طريقه إلى القرية المجاورة، فهاجمه كلب مسعور وانقض عليه مخلفًا 14 جرحًا عميقًا في جسده الصغير. ومع فحص الكلب لاحقًا، أكدت التحاليل أنّه حامل لفيروس «داء الكلب»، ليبدأ سباق مع الزمن لإنقاذ حياة الطفل، بعدما كان الموت المصير الحتمي لكل من تنتقل إليه العدوى في ذلك الوقت.
وسط حالةٍ من الهلع واليأس، حملت والدة جوزيف طفلها على وجه السرعة إلى باريس، بعدما سمعت عن وجود عالم فرنسي يُجري تجارب جريئة لمحاربة هذا المرض القاتل، هو لويس باستور. في البداية، تردد باستور خوفًا من فشل التجربة وموت الطفل على يديه، لكن أمام حتمية الهلاك التي كانت تنتظر جوزيف، ومع إصرار والدته وتشجيع بعض الأطباء، اتخذ قراره التاريخي بالمضي قدمًا.
على مدار 10 أيام متواصلة، تلقى جوزيف 13 حقنة في منطقة البطن، حيث كان تركيز الفيروس في كل جرعة أقوى من سابقتها، في تجربةٍ طبيةٍ محفوفةٍ بالمخاطر، أشرف عليها الطبيب جرانشيه. ومع انتهاء فترة العلاج، عاد جوزيف إلى منزله يوم 28 يوليو، دون أن تظهر عليه أي أعراض للمرض، في مفاجأة مذهلة قلبت الموازين.
وخلال فترة الانتظار القلقة، لجأ باستور إلى مسقط رأسه في إقليم جورا الفرنسي، يترقب النتيجة بقلق بالغ، متوجسًا من أن تكون الجرعة الأخيرة قاتلة. لكن مع تأكد نجاح العلاج، دوّن باستور تفاصيل التجربة في مقالٍ علمي، وسرعان ما تناقلت الصحف العالمية الخبر، ليصبح إنجازه حدثًا عالميًا.
وفي عام 1887، افتتحت فرنسا معهد باستور تخليدًا لاسمه، بحضور الرئيس الفرنسي سادي كارنو، ليبدأ عهدٌ جديدٌ في مواجهة داء الكلب، حيث تمكّن المعهد في العام التالي من تطعيم مئات الأشخاص، فاتحًا باب الأمل أمام البشرية في معركتها مع هذا المرض القاتل.
ما هو داء الكلب وأعرضه؟
وداء الكلب أو السعار هو مرض فيروسي التهاب يسبب حاد في الدماغ ويصيب الإنسان ومعظم الحيوانات ذات الدم الحار (الثدييات والطيور)، وندما يصيب المرض البشر دون الحصول على اللقاح يكون قاتلًا، وينتشر المرض في الكثير من الدول الفقيرة التي تقل فيها الرعاية الصحية ويتسبب بوفاة ما لا يقل عن 50 ألف شخص سنويًا ومعظمهم من الأطفال التي يقل عمرها عن 15 سنة.
وتعد الكلاب واللواحم البرية «النمور، الفهود، الأسود، الضباع، القطط البرية» والخفافيش هي العوائل الأساسية لهذا المرض في الطبيعة، ومنها تنتقل العدوى للحيوانات الأخرى، وتحدث الإصابة بهذا المرض نتيجة عقر كلب مصاب للإنسان، حيث يوجد الفيروس في لعاب الكلب وهو فيروس يسمى «فيروس داء الكلب»، وتتمثل أعراضه في:
- آلام شديدة بمكان الإصابة ثم ارتفاع درجة الحرارة.
- تقلصات حادة في عضلات الفك والبلعوم والحنجرة.
- حركات عضلية لا إرادية وصعوبة في البلع.
- تشنجات واضطرابات عصبية ثم الوفاة نتيجة شلل في جهاز التنفس.