محمود مرزوق يكتب: الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
شهد القرن الثالث عشر الميلادى العصر الذهبى لازدهار كتب الطبخ العربية، إذ ظهرت مؤلفات فريدة جمعت بين الوصفات الدقيقة لإعداد الأطعمة والمشروبات وأبرزت البعد الثقافى والاجتماعى للغذاء. من بين هذه الكتب برز «زهر الحديقة فى الأطعمة الأنيقة» و«كنز الفوائد فى تنويع الموائد»، لكن يظل ما صنّفه ابن العديم من أهم ما كُتب فى بابه وأكثرها شمولاً، حيث جمع فيه أكثر من ثمانمائة وصفة من مطابخ الشرق.
وابن العديم، المحدث والمثقف الموسوعى الكبير، عاصر اجتياح المغول لبلاد الشام، فاضطر إلى الرحيل إلى مصر وأقام فى القاهرة حتى وافته المنية. وهناك أكمل كتابه الشهير «الوصلة إلى الحبيب فى وصف الطيبات والطيب»، وهو من أنفس ما وصل إلينا من التراث العربى فى فنون الطهى.
وقد شرح فى مقدمته سبب التسمية، قائلاً إن أعظم اللذات الدنيوية والأخروية تكمن فى الأطعمة والمشروبات والملابس المعطَّرة، فهى التى تجمع بين الأحبة وتوثق الأواصر بينهم. فكانت الطيبات من مأكل ومشرب، والطيب من عطر وبهاء، بمثابة «وصلة» بين القلوب.
اللافت أن ابن العديم لم يكتفِ بجمع الوصفات، بل أكد أنه جربها بنفسه، مضيفاً لمساته الخاصة وذائقته الشخصية فى الطهى، لذلك جاء الكتاب بمثابة سجل حى يعكس ذائقة المطبخ الشامى والمصرى فى القرن السابع الهجرى، ويكشف عن تقاليد الطهى فى المدن الكبرى كحلب والقاهرة.
قسَّم المؤلف عمله إلى أبواب متعددة، فبدأ بالمقبلات والشوربات والمخللات، ثم انتقل إلى الأطباق الرئيسية، حيث أفاض فى وصف ألوان اللحوم والدواجن مستخدماً مكونات تُعد من كلاسيكيات المطبخ الحلبى مثل الفستق والسفرجل والسماق. ومن أمتع فصول الكتاب ما سماه «الشرائح المصرية»، أى طرق طهى اللحوم على الطريقة المحلية. وقد ذكر وصفات مبتكرة، من بينها أكلة شديدة الشبه بالحواوشى الإسكندرانى: عجين محشو بشرائح لحم يُطهى فى الفرن. ورغم أن اسم «الحواوشى» لم يكن معروفاً وقتها، فإن أصله أقدم بكثير مما نتصور؛ ويُرجح أن التسمية اللاحقة جاءت نسبة إلى مطعم كان يقدمه وكان صاحبه من قبيلة الحواويش الصعيدية.
أما باب الحلويات، فقد أظهر فيه ابن العديم تأثره بالحلويات المصرية بصفة خاصة، فذكر المشبك والأخميمية والأسيوطية، وهى حلويات ذات شهرة إقليمية محدودة سرعان ما انتشرت بعد ذلك. ومن بين الوصفات اللافتة حلوى «القاهرية»، وهى مزيج من الفستق المجروش والسكر يُنزل فى السمن ويُقدَّم ساخناً. هذه الوصفات لا تعكس فقط مهارة الطهاة، بل تكشف أيضاً عن التبادل الثقافى بين مدن مصر والشام آنذاك.
تكمن قيمة الكتاب فى أنه ليس مجرد دليل للطبخ، بل وثيقة اجتماعية تعكس طبيعة الحياة الحضرية، وتُبرز مكانة الطعام كوسيلة للوصال والمحبة، كما أن ازدهار هذا اللون من التأليف يعكس خصوصية الثقافة العربية، إذ لم تعرف الحضارات السابقة مؤلفات متخصصة فى فنون المائدة بهذا الزخم والتنوع.
ولعل المناخ المعتدل فى مصر والشام وتوافر الخضراوات والفواكه على مدار العام، إضافة إلى ازدهار التجارة العابرة للمنطقة وما جلبته من مكسرات وتوابل نادرة، عوامل ساعدت على نشوء هذا التراث الغنى الذى يستحق التوثيق والاحتفاء.