فضيحة.. تواطؤ رقمى أمريكى فى العدوان على الفلسطينيين (1)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

كشفت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فى أحدث تقاريرها حول أبرز التطورات والتفاعلات القانونية المتعلقة بالعدوان الإسرائيلى الهمجى على قطاع غزة والضفة الغربية، عن تطور خطير، حيث لم يعد القصف والتجويع هما أداتا القتل الوحيدتان، بل امتدت الآلة العسكرية لاستخدام البنى التحتية التكنولوجية العالمية فى تنفيذ جرائمها.
واستند تقرير الجبهة الديمقراطية إلى تحقيق استقصائى نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، أزاحت من خلاله النقاب عن واحدة من كبرى فضائح المراقبة الجماعية فى العصر الحديث، وهى ارتكاب وحدة الاستخبارات الإسرائيلية «8200» الشهيرة، انتهاكات جسيمة بحقوق الفلسطينيين، على منصة «أزور» السحابية، التابعة لشركة «مايكروسوفت» الأمريكية العملاقة.

قامت الشركة بتخزين تسجيلات المكالمات الهاتفية اليومية لملايين الفلسطينيين فى غزة والضفة الغربية، ورغم أن ذلك يمثل خطراً فى حد ذاته، لكن الأكثر خطراً هو إنشاء ما يشبه «منطقة مخصصة ومفصولة» داخل خوادم «أزور» كشبكة خاصة معزولة، تتيح للجيش الإسرائيلى التعامل مع هذه البيانات الهائلة بعيداً عن الأعين، مستفيداً من قوة التخزين والمعالجة التى توفرها «مايكروسوفت».

هذا الاستخدام ليس مجرد انتهاك للخصوصية الفردية، لكنه نموذج صارخ للمراقبة الجماعية، التى تحظرها المواثيق الدولية وقوانين حقوق الإنسان. فمراقبة كل مكالمة هاتفية دون تمييز تعنى رسم خريطة دقيقة للحياة الاجتماعية للشعب الفلسطينى، فضلاً عن تتبع تحركات الأفراد، وتحديد علاقاتهم، ورصد الأحاديث المتعلقة باحتياجاتهم للغذاء أو الدواء لاستخدامها كوسيلة للضغط، وكذلك تحديد المستهدفين بالاغتيالات والاعتقالات.
وهكذا وظّفت «مايكروسوفت» الأمريكية العملاقة إمكانياتها التقنية لحساب الآلة العسكرية الإسرائيلية؛ لتسهيل عملية الإبادة الجماعية والفصل العنصرى الممنهج.

وزادت الفضيحة عمقاً -وفقاً لتقرير الجبهة الديمقراطية- بسلوك إدارة «مايكروسوفت» بعد الاشتباه فى تواطؤ بعض موظفيها فى إسرائيل. أعلنت الشركة عن إطلاق «تحقيق خارجى» حول ما نشرته «الجارديان»، خاصة أن أى استخدام لمنصة «أزور» لتخزين بيانات تم الحصول عليها عبر مراقبة جماعية للمدنيين يعد خرقاً صريحاً لشروط الخدمة الخاصة بها.

وهذا الإعلان، رغم إيجابيته الواضحة، يكشف عن قصة أعمق من الإهمال أو التواطؤ، فالتقرير يشير إلى قلق الإدارة التنفيذية لـ«مايكروسوفت» من احتمال قيام بعض موظفيها فى إسرائيل بإخفاء معلومات حاسمة حول كيفية استخدام وحدة الاستخبارات الإسرائيلية «8200» لمنصة أزور خلال التحقيق الداخلى الأولى الذى أجرته سابقاً.

وهنا تتفجر عدة تساؤلات جوهرية؛ من بينها إلى أى درجة تتحكم الكيانات التابعة للشركات العابرة للقوميات فى تقديم المعلومات للقيادة المركزية؟، وهل يتم التغاضى عمداً عن هذه الانتهاكات تحت ذرائع تجارية أو سياسية؟.

هذا السلوك يذكرنا بالفضائح السابقة لشركات التكنولوجيا الكبرى التى تتعامل بازدواجية واضحة، حيث تتبنى خطاباً حول حقوق الإنسان على المستوى العالمى، بينما تقدم أدواتها للأنظمة القمعية، ومجرمى الحروب، فى مناطق الصراع.

وللحديث بقية.