السد الإثيوبى.. ورؤية مصر!

الحادث أن الرؤية المصرية فى ما يتعلق بالسد الإثيوبى تأكدت، وأثبتت التطورات صدق التوجه المصرى منذ اللحظات الأولى لظهور مشكلة السد الإثيوبى.

منذ البداية، كانت الدولة المصرية حريصة على استيعاب الأطراف الأخرى، وتفهم دوافع كل منها لتحقيق أقصى تعاون يعود بالنفع على جميع دول منابع ومصب النيلين الأبيض والأزرق.

منذ البداية، كانت الدولة المصرية حريصة على التأكيد على تفهم إقامة أى مشروعات تنموية على مجرى النيل، ولكن من دون أى مساس بمصالح أىٍّ من الدول المرتبطة بمنظومة منابع ومصب النيلين.

بهذه الرؤية بادرت مصر إلى توقيع اتفاق المبادئ سنة 2015 مع كل من إثيوبيا والسودان، والذى جاءت بنوده مترجمة وبصدق للرؤية والتوجّهات المصرية، التى تحترم وتقدّر احتياج أى دولة من دول المنبع أو المصب لنهر النيل وروافده لتحقيق التنمية بشتى صورها، ولكن دونما إحداث أى ضرر بمصالح الدول الأخرى.

الحادث أيضاً أن الرؤية المصرية كانت حريصة على أن تظل كل المداولات المتعلقة بتنظيم عملية ملء وتشغيل السد الإثيوبى فى إطار ودى مع إثيوبيا والسودان، وانطلاقاً من روابط كثيرة ووشائج تربط بين الدول الثلاث منذ عشرات السنين.

والحقيقة أن المشاركات المصرية فى المداولات المتعلقة بالسد الإثيوبى، كانت تستند إلى أسس ومرجعيات علمية، سواء حول الأمور المتعلقة ببناء السد أو بعمليات الملء وانتهاء بمرحلة التشغيل.

وعلى مدى دورات لا تُعد ولا تُحصى من المباحثات أو اللقاءات، سواء فى القاهرة أو الخرطوم أو أديس أبابا، شاركت فيها مصر خلال العقد الماضى بأكمله، لم تجد سوى التعنّت والتهرّب الإثيوبى من إعمال بنود اتفاق المبادئ موضع التنفيذ، وبالتحديد ما يتعلق باحترام رغبة كل دولة فى تحقيق التنمية، ولكن بما لا يُشكل مساساً بمصالح باقى الدول.

وأمام التلاعب الإثيوبى لجأت مصر إلى مجلس الأمن الدولى للتأكيد على أن السلوك الأحادى الإثيوبى فى إدارة ملف تنفيذ مراحل ملء السد الإثيوبى سوف ينتج عنه إضرار بمصالح الخرطوم والقاهرة، وربما تنتج عنه كوارث إنسانية، خاصة فى ظل انقسام علمى حول الأسس المتبعة فى تصميمات السد وفى نظم تشغيله خلال كل المراحل، البناء والملء والتشغيل. وأوصى مجلس الأمن بأن تتولى منظمة الاتحاد الأفريقى التعامل مع هذه الأزمة، لإيجاد رؤية توافقية حولها بين مصر والسودان وإثيوبيا، وهو مسلك باركته مصر وسعت للمُضى فيه، باعتباره يتّفق مع القناعات المصرية منذ البداية، كما أن التفاوض بين الدول هو أقرب السّبل لتحقيق تفاهمات وموازنات بين مصالح الجميع دون إضرار أو مساس.

جدير بالذكر أن الرؤية المصرية، وعلى مدى الأزمة كلها، ورغم أنها كانت حريصة كل الحرص على التمسك بالمسار التفاوضى مع مختلف الأطراف، إلا أن الدولة المصرية، وأجهزتها المعنية كانت حريصة، ولا تزال، على تأكيد أنها لن تقبل أى مساس بحصة مصر أو بحقوقها المائية وحق شعبها فى الحياة، باعتبار مياه النيل مصدراً رئيسياً للحياة فى مصر، التى لديها كل الوسائل للحفاظ على مصالحها وحقوق شعبها.

الحقيقة كذلك أن التعنت الإثيوبى لم تقل حدته يوماً ما، وكذلك عدم التفهّم الإثيوبى للأسس والتقارير الفنية المعمقة كان نهجاً تمسّكت به أديس أبابا، ومضت فى تنفيذ مراحل الملء دون التنسيق المفترض مع دولتى المصب، وأجّلت الطبيعة حدوث التأزمات خلال عمليات الملء، خاصة فى ظل ارتفاع الفيضان السنوى للنيل إلى المستوى المتوسط، وهو ما لم يحدث معه مساس بحصة مصر المقرّرة من مياه النيل. وكما أشرنا وكما هو ثابت وواضح فإن الرؤية المصرية ظلت ثابتة منذ بداية الأزمة وحتى الآن، بالتأكيد على حق كل دولة من دول المنبع أو المصب فى التنمية، ولكن دون مساس بمصالح أىٍّ من الدول الأخرى.

وجاءت التطورات الأخيرة، خاصة خلال الساعات الأخيرة، لتؤكد الرؤية المصرية، فقد تسبّب عدم اتباع الأسس العلمية فى تشغيل السد والتوربينات المفترض استخدامها لتوليد الكهرباء، فى زيادة المنسوب خلف السد الإثيوبى، مما دعا السلطات هناك إلى الإسراع بتفريغ الكميات الزائدة من المياه بمعدل يومى وصل إلى 750 مليون متر مكعب خلال الأيام القليلة الماضية، مما يُنذر بكوارث إنسانية ضخمة وغرق مساحات شاسعة من الأراضى المتاخمة لمجرى النيل فى السودان، وكذا تضرّر الكثير من المرافق المائية والسدود، وفى الوقت ذاته يُجمع الخبراء على أن السد العالى ومقوماته كفيلة بمواجهة أى تحولات أو تطورات فى كميات المياه الواردة عبر مجرى النيل.

الأمر يعنى أنه آن الأوان كى يدرك العالم ومنظماته الدولية، سواء القارية أو الدولية، أن النهج الإثيوبى فى إدارة ملف سد النهضة بات يُهدّد الحياة والبشر، خاصة فى السودان، وهو ما يستتبع المبادرة بالتدخّل السريع لمحاولة التقليل من الآثار السلبية للإدارة الإثيوبية لملف إدارة السد الإثيوبى.

ولا نمل من القول إن حجر الزاوية فى التدخّل المنتظر من المنظمات القارية والدولية هو الرؤية المصرية، التى تُثبت التطورات أنها كانت ولا تزال شاملة ومخلصة.