«الموت الاجتماعي» خطر خفي يهدد كبار السن.. كيف يمكن التعامل معه؟

كتب: ندى قطب

«الموت الاجتماعي» خطر خفي يهدد كبار السن.. كيف يمكن التعامل معه؟

«الموت الاجتماعي» خطر خفي يهدد كبار السن.. كيف يمكن التعامل معه؟

اختبار قاسي يعيشه كبار السن، يبدأ بحالة العزلة الشديدة تعرف باسم «الموت الاجتماعي» التي قد تكون أشد قسوة من الأمراض الجسدية، وهو مصطلح يعبر عن غياب الروابط الاجتماعية والتواصل البشري، مما يفضي إلى الوحدة الكاملة، وهي ظاهرة تتزايد بشكل ملحوظ في العديد من المجتمعات حول العالم، وبدأت تظهر بشكل كبير في فرنسا.. فماذا نعرف عن الموت الاجتماعي؟

ماذا يعني الموت الاجتماعي لكبار السن؟

في دراسة حديثة أعدها معهد «سي إس إي» الفرنسي لصالح جمعية «لي بوتي فرير دي بوفر»، تم الكشف عن تفاقم العزلة الاجتماعية بين كبار السن وخاصة بعدما أصبحت ظاهرة في بعض الدول وعلى رأسها فرنسا، إذ ارتفعت نسبة المسنين الذين يعانون من العزلة بنسبة 150% خلال السنوات الثماني الأخيرة، وتوضح الدراسة أن نحو 750 ألف مسن يعيشون في عزلة تامة، ما يعد مؤشرًا خطيرًا على ما وصفه البعض بـ«الاحتضار الاجتماعي» هذه الإحصاءات تنبئ عن حجم الأزمة التي تعيشها شريحة كبيرة من كبار السن الذين لا تربطهم أي صلة اجتماعية بالعالم الخارجي.

بحسب التقرير، يمثل هؤلاء المسنون نحو 4% من إجمالي الأشخاص الذين تجاوزوا سن الستين في فرنسا، أي ما يعادل حوالي 18 مليون شخص، وعلى الرغم من أن هذه الفئة لا تتمتع بتواصل مع أسرهم أو أصدقائهم، فإن هذا الوضع يتفاقم بشكل ملحوظ مقارنة بتقارير سابقة، ففي عام 2021، بلغ عدد هؤلاء المسنين حوالي 530 ألف شخص، بينما كان عددهم في عام 2017 يقدر بحوالي 300 ألف فقط. وتقتصر وسائل تواصلهم الاجتماعي على مكالمة هاتفية نادرة أو نزهة شهرية مع الجيران.

أحد الأمثلة الملموسة لهذه الحالة هو «دانيال»، البالغ من العمر 77 عامًا، الذي أصبح يعيش في عزلة شديدة بعد وفاة زوجته في عام 2021، يقول دانيال: «ليس لدي أطفال، كما أن أصدقائي يعانون من مشاكل صحية ولا أستطيع التواصل معهم»، وفقًا للتقرير، يواجه نحو 1.5 مليون مسن في فرنسا عزلة شديدة بحيث لا يتواصلون مع أطفالهم أو أحفادهم مطلقًا، بينما يقدر عدد آخر من المسنين الذين ليس لديهم أبناء أو أحفاد على الإطلاق بحوالي 3.2 مليون شخص.

وما يزيد من تعقيد هذه المشكلة هو تأثير العزلة الاجتماعية على الصحة النفسية والجسدية لكبار السن، فقد سجلت فرنسا في عام 2022 معدل انتحار مرتفع بين المسنين الذين تتراوح أعمارهم بين 85 و94 عامًا، إذ بلغ 35.2 حالة لكل 100 ألف شخص، وهو ضعف المعدل المسجل لدى باقي الفئات العمرية، وتشير الدراسات إلى أن العزلة لا تؤثر فقط على الحالة النفسية، بل تؤدي أيضًا إلى تفاقم المشاكل الصحية المزمنة بسبب غياب الدعم الاجتماعي والعائلي.

ماذا قال الطب النفسي عن أسباب العزلة بين كبار السن؟

يؤكد الدكتور وليد هندي، استشاري الطب النفسي، في حديثه لـ الوطن، أن التغييرات الفسيولوجية التي يمر بها كبار السن تؤثر بشكل كبير على صحتهم النفسية، مع تقدم العمر، يعاني الجسم من انخفاض تدريجي في وزن جميع أعضائه، مما ينعكس في تغير شكل الجسم والملامح الخارجية، مثل ترهل الجلد وضعف العضلات، هذه التغييرات قد تعتبر علامة طبيعية من علامات الشيخوخة، ولكنها تسبب شعورًا بالانزعاج والتعب النفسي للمسن، خاصة عندما يترافق ذلك مع تدهور في الحالة الصحية العامة، وقد يواجه كبار السن صعوبة في قبول هذه التغيرات، مما يؤدي إلى أزمة نفسية وخلل في الصورة الذاتية.

من أبرز المشاكل النفسية التي قد يعاني منها كبار السن هي الشيخوخة المرضية، التي تصاحبها مجموعة من الأمراض المزمنة مثل الخرف، السكري، وأمراض القلب، هذه الأمراض لا تؤثر فقط على صحتهم الجسدية، بل أيضًا تسبب أزمات نفسية تتراوح بين الاكتئاب والقلق الشديد، فقد أظهرت الدراسات أن التغيرات في الدماغ والجسم المرتبطة بالشيخوخة يمكن أن تؤدي إلى ضعف القدرة على التكيف مع الأحداث اليومية، مما يسبب زيادة في الشعور بالعجز وفقدان الثقة بالنفس، وبالتالي يصبح المسن أكثر عرضة للأزمات النفسية والاضطرابات المزاجية.

يشير الدكتور هندي إلى أن الشيخوخة بشكل عام تؤدي إلى خلل في الشخصية والتواصل الاجتماعي، مع تقدم العمر، قد يصاب المسن بصعوبة في التفاعل الاجتماعي وفقدان القدرة على التعبير عن نفسه كما كان في السابق، هذه المشاكل في التواصل، إلى جانب الحوادث المتكررة التي قد يتعرض لها كبار السن داخل المنزل، قد تؤدي إلى عزلة اجتماعية كاملة، هذه العزلة ليست فقط جسدية، بل نفسية أيضًا، حيث يؤدي الشعور بالوحدة إلى تفاقم الحالة النفسية للمسن، لذلك يرى الدكتور هندي أن الأسرة تلعب دورًا أساسيًا في دعم كبار السن، من خلال توفير بيئة نفسية آمنة وداعمة، لضمان أن يعيشوا حياة أفضل نفسيا وصحيا في مرحلة الشيخوخة.