المقاومة بالكلمة.. شاعر فلسطيني يوثق نضال أصحاب الأرض بخيوط الألم والأمل: «نموت واقفين.. ولن نركع»

كتب: محرر

  المقاومة بالكلمة.. شاعر فلسطيني يوثق نضال أصحاب الأرض بخيوط الألم والأمل: «نموت واقفين.. ولن نركع»

المقاومة بالكلمة.. شاعر فلسطيني يوثق نضال أصحاب الأرض بخيوط الألم والأمل: «نموت واقفين.. ولن نركع»

تحقيق - محمد علي حسن وماريان سعيد:

من قلب التغريبة الفلسطينية، برز الشاعر ناصر عطا الله، كأحد أبرز الأصوات التى تعبر عن الأمل والمقاومة، من خلال كلماته، التى تعكس نضال الشعب الفلسطينى، وتجسد صموده فى وجه التحديات، ويعتبر رمزاً للشجاعة والتحدى، لأنه ينسج أشعاره من خيوط الألم والأمل، مؤكداً ضرورة التمسك بالحقوق والأرض، التى تمثل جوهر الهوية، ليصبح صوتاً بارزاً للمقاومة والأمل، حيث ينقل من خلال أشعاره معاناة الناس وآلامهم، مؤكداً أن الفلسطينيين، يتشبثون بالأمل الذى يدفعهم للتمسك بحقوقهم وثوابتهم، لأن الأرض التى يقاتلون من أجلها ليست مجرد بقعة جغرافية، بل تجسيد لجذورهم ودمع عيونهم ومهجة قلوبهم.

«كان الشعر لى ملجأ وبيتاً صغيراً، دخلته وأنا فى سن السادسة عشرة تقريباً، عندما بدأت أُركّب الحروف على بعضها البعض وأقرأ»، بهذه الكلمات استهل الشاعر الفلسطينى ناصر عطا الله حديثه لـ«الوطن»، مشيراً إلى أن أول من قرأ له الشاعر الفلسطينى إبراهيم طوقان، وأمير الشعراء أحمد شوقى.

وأضاف: «ومن ثم بدأت أكبر على كلمات الشاعر الفلسطينى محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وغيرهم من شعراء الأرض المحتلة، حتى بدأت فى صياغة أولى الجمل على الجدران»، التى استعان فيها بمقولة القائد الفلسطينى الشهيد أبوعلى إياد «نموت واقفين ولن نركع».

وقال: «فى هذه الصياغة بدأت فى كتابة أول أبياتى الشعرية وخواطرى، إن صح التعبير، على خزائن البيت، وعلى الجدران، وأحياناً على دفاتر المدرسة، وبدأت تكبر الفكرة مع كثرة المطالعة، ومعرفة العوالم من حولى، أيامها كنت فى المنفى بسوريا، وحملت أشعارى المتواضعة إلى منفاى الأبعد فى بولندا، وهناك بدأت أراسل بعض الصحف العربية، وتم نشر أول قصيدة لى فى صحيفة إماراتية، وكنت يومها فى الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة».

وتابع: «وُلدت فى دمشق، ولكن كان وجعى أكبر بكثير من ابن غزة، الذى يعيش على جزء من ترابه الوطنى، حيث المنفى يعنى الغربة، يعنى لا خال ولا عم ولا جار فلسطينى، أسرة منفردة بذاتها نتكلم فلسطينيتنا بهمس وبوجع وبألم وبأشواق كثيرة إلى أهلنا فى فلسطين، وفى غزة تحديداً، عشت مفارقاً لعائلتى الكبيرة فى فلسطين، فكان الشوق يكتبنى رسائل لهم فى الخفاء، دون أن أرسم ملامح وجوههم، وشخصياتهم ولا حتى أسماءهم، إلا ما ندر، لذلك تكونت فلسطينيتى بكثافة شعورية وعاطفية، ليس لها مثيل، فلسطينى بلا وطن فى أرض غريبة، رغم أنها تتكلم العربية، ولكنها تبقى أرضاً تنتمى إلى سواى، ولا تنتمى لى إلا بالعروبة وباللغة وبالدين، لذلك كانت فلسطين حلماً أرجوه وترجونى، وكنت أعبر عن ذلك فى أشعارى، وكلها بمعنى الفقد والحرمان والتأسى بأوجاع الغربة والأمنيات بالعودة».

ويضيف «عطا الله»: «كانت عودتى إلى قطاع غزة هى المفصل والمحطة الأكثر تأثيراً فى حياتى بعد 27 سنة فى الغربة، ومن منفى إلى منفى أبعد، عدت إلى سوريا، ومنها إلى غزة، وكانت المعجزة، لأنى لم أكن أحلم فى يوم من الأيام أن أعود إلى شبر من وطنى، وهنا بدأ الشِّعر يتحرك بطريقة أخرى، من دائرة أخرى، فى سماء أبعد، وهى تفاصيل الوطن، ترابه وزيتونه وسروه وطيوره، ورغم أن ذكرياتى الأولى وطفولتى كانت فى وطنى، ولكن هذا ما قدره الله، فكنت أميناً على ذكرياتى فى المنفى، كما كنت أميناً على أن يكون وطنى هو لباسى وسكنى وهو مهجتى وهو حياتى كلها، فبدأت بالعمل الدؤوب من أجل تكوين أسرة لى فى الوطن، فكونت وبنيت بيتين لى ولأولادى، لكى أتركهم على أرض صلبة، ولكن العدو الغاشم قدر لى أن أفقدهما بدمار كامل، وأصبحت مكتبتى رماداً، وأصبح بيتى وبيت أولادى ركاماً، لذلك كنت منذ اللحظة الأولى التى دخلتها قطاع غزة، كنت أنتمى إلى هذه الأرض، إلى وجدانها، إلى عروقها، إلى جذورها، إلى تربتها، إلى كل ما فيها، فانصهرت فيها باجتهاد وجهد كبيرين ونشاط ودآبة بالغة، وهنا ارتفع صوتى الشعرى من خلال الشاعر الكبير الراحل أحمد دحبور، الذى ساندنى ودعمنى من خلال منصبه وكيلاً لوزارة الثقافة الفلسطينية، وأصدر أول ديوان شعر لى عام 2003 تحت عنوان (وهل يكفى الورد؟)، لم أكن مقتنعاً يوماً بأن هذا العدو يقتنع بالورد، وكان لا بد لنا أن نتسلح ونتجهز له، وأن نحصن أنفسنا له، ولكن للأسف الشديد هذا حالنا اليوم».

«الهم الشخصى بات هماً عاماً، والعام طغى على الشخصى، فعندما أقول دُمر بيتى، أقصد بذلك بيوتنا كلنا، سواء كنت فى خان يونس، أو كنت فى جباليا فى الشمال، أو كنت فى بيت لاهيا، أو كنت فى رفح أو فى غزة، كل فلسطينى دُمر بيته اليوم هو بيتى، كل فلسطينى خسر ما امتلك فى يوم من الأيام خسرته أنا أيضاً، كل فلسطينى فقد روحاً طيبة تخصه فقدتها أنا معه، وكدت أن أفقد ابنى فى الشهر الماضى، حيث أصيب فى كتفه بعد غارة غادرة بالقرب من خيمته، لذلك كل خسارة عامة هى خسارة شخصية، وكل خسارة شخصية هى خسارة عامة، فالفلسطينى واحد فى خصوصيته، وواحد فى همه العام»، وفقاً لـ«عطا الله».

وأشار إلى أن المشكلة ليست فى السياسة، بقدر ما هى قضية ومصير للفلسطينى، والسؤال الوجودى الذى يعيش فيه بقلق دائم ومستمر: «ما هو المصير، وأين المقام بعد ذلك، وماذا سيحدث لنا؟»، ويجيب بقوله: «كل هذه أسئلة صعبة تتلقاها الروح، ويحاول العقل أن يفكك فخاخها، لكى يسير بطريقة ما نحو النجاة، أو نحو الحرية، لا السياسة تثقل، ولا الشعر يثقل، ولكن الوجود هو مثقل بكل شىء، هو حمّال أوجه بالنسبة لنا، مرة نثبت بالعنفوان الثورى وبالإرادة وبالقوة، قوة الحق التى نمتلكها، لأننا نحن أصحاب الحق فى وطننا فلسطين، وليس الغرباء الذين أتوا من روسيا أو الاتحاد السوفيتى سابقاً، أو من بولندا، أو من أذربيجان، أو من أى مكان فى العالم، حتى من الوطن العربى، هذه فلسطين لنا، وستبقى لنا،».

وواصل: «الشعراء الأوائل محمود درويش، وسميح القاسم، وفدوى طوقان، وتوفيق زيادة، وغسان كنفانى، ومعين بسيسو، وهارون هاشم رشيد، والكثيرون من أبناء هذا الجيل، مثل يوسف الخطيب، وغيرهم، أسسوا داخلنا قدوة مشتعلة، وشعلة دائمة كى نقول الشعر على ناصية المقاومة والمواجهة، وعلى ناصية الثبات الأوحد فى حياتنا، أن لا بديل عن فلسطين إلا فلسطين، تعلمنا منهم أن نكون أوفياء الكلمة الحرة والمبدعة، التى تثبّت شعبنا على طريق الصمود والثبات، وعلى قيد الأمل المستمر فى العودة والرجوع إلى الوطن، وبناء الدولة المستقلة، نخرج مع كل فجر لكى ننادى من أعلى المآذن، لا نضيع فى التفاصيل الصغيرة، ولا نضيع فى الأوجاع الكبيرة والمثقلة، بل نثبت على أمل واحد ووحيد، واعتصاماً بالله سبحانه وتعالى أن لا بديل عن فلسطين إلا فلسطين، هذا ما تعلمناه من الجيل المؤسس، من جيل الكتاب والأدباء والشعراء، المقاومة إلى يومنا هذا، وسنستمر على ذلك حتى تحرير أرضنا، وحتى نستقبل شمسها بشىء من الزغاريد والأرز وأثواب النسوة البهية والمبهجة، وأطفالنا تبتسم ليوم تبتسم لنا فيه الحرية».

وأوضح «عطا الله» أن الشعر قادر على أن يكون من منبرنا الدائم وصوتنا وحنجرتنا عالية فى وجه هذا الظلم، وهذه المقتلة الدموية الوحشية غير المسبوقة فى العصر الحديث، إن الشعر أعاننا ويعيننا على أن نقول ما نريد، على أن نطالب العالم بأن يقف معنا مع الحق والعدل، مع الذين استقاموا على منهج النصرة للإنسان والإنسانية، أن يرفض هذا القتل الأثيم، أن يرفض هذه الجرائم المكللة بكل قذارة وبكل وحشية، ما يرتكب اليوم فى غزة لا يستطيع أى بشرى إنسانى صاحب أخلاق ولو بنسبة متدنية جداً أن يتحملها، لذلك نجد العالم اليوم شوارع الدنيا كلها ترفض المحتل الغاصب، هذا الذى يرتكب هذه الجرائم فى قطاع غزة وفى الضفة، دمار بيوتنا أكثر من ستين ألف شهيد، مئات الآلاف من الجرحى والمصابين والمفقودين والأسرى، كل هذه الوحشية كان يجب على العالم وضميره أن يرفضها، خرجوا فى كل شوارع الدنيا ليقولوا لا لهذه الجريمة المستمرة، لذلك الشعر كان واحداً من أدواتنا التى استخدمناها لكى نسمع العالم، وأنا واحد من الذين جالوا من دمشق إلى عمان إلى القاهرة، التى فتحت لنا نواديها وبيوتها، وحتى بيوت أهلها الطيبين، ومنابرها، حتى فضائياتها فتحتها لنا لكى نقول قولة الشعر فينا وفى أوطاننا، ولكى نحث العالم على أن يقف معنا من أجل نصرتنا، نعم فى البصرة قلت ذلك، وفى الجزائر قلت الشعر أيضاً، وناديت العرب والإسلام والمسلمين وكل الإنسانيين أن يقفوا معنا، فكان التجاوب مُرضياً، وكان العطاء العربى والإسلامى فى مستواه الشعبى والمثقف جيداً إلى حد ما، ونطلب المزيد، حتى يقف حجر الشعر وصخرته العالية فى وجه هذا القاتل، لعله يرجع ويعود ويؤوب إلى إنسانيته التى خسرها فى غزة، فى قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وقتل كل شىء، لذلك كان الشعر نصيرنا وناصرنا فى كثير من المواقع والمواضع والميادين وما زلنا مستمرين».

«أقرأ غزة اليوم دمعة كبيرة بقدر المجرة التى خلقها الله، قطرة دم فى ثوب العالم الذى يتظاهر بالإنسانية، غزة اليوم جرح مفتوح على ملح، غزة وطن مكسور على جذع شجرته، وهى قمر ينز دمعاً فوق الأرض، غزة بئر جففها دخان وأدخنة الدبابات والمدفعيات، غزة بحر يابس، غزة مطر لا ماء فيه، غزة حزن متسع ويتسع للمدى كله، هكذا أقرأ غزة، ولكن من بين جثتين، من بين شهيدين، سيخرج نور، وسيشع نور، وسنكون للحرية أقرب»، وفقاً للشاعر الفلسطينى، الذى يختتم حديثه لـ«الوطن» بقوله: فى آخر مجموعة شعرية صادرة لى فى القاهرة، قصيدة بعنوان «غزة البلاد يا صبرها»، جاء فى مطلعها «وإن غزة ما هانت لمغتصب فلتأخذ المجد من جمر ويشتعل، قالوا رمت حجراً فى بئرها صمت، وكم تحرق أطفالاً هم الأمل، ونبقى على أمل، وسنبقى على أمل».


مواضيع متعلقة