فلسطيني: تعلمنا اقتسام اللقمة في غزة.. ونتمنى أن ننام إلى الصباح ولو مرة واحدة
فلسطيني: تعلمنا اقتسام اللقمة في غزة.. ونتمنى أن ننام إلى الصباح ولو مرة واحدة
كتب - محمد علي حسن وماريان سعيد:
البرنامج الصباحى هنا فى قطاع غزة لا يشبه أى صبح آخر، ففى كل يوم يستيقظ أسامة عمر، الرجل الذى عاش وكبر فى غزة، وهو يعرف أنه فى محاولة جديدة للبقاء على قيد الحياة، اليوم يبدأ بالبحث عن الماء أولاً، فى رحلة بحث عن صنبور لا يزال ينبض بقطرات ماء ضئيلة، ثم يجمع الحطب ليعدّ به طعاماً صار فكرةً بعيدة، وبعدها يخرج إلى الأسواق كمن يفتش فى ذاكرة قديمة عن رائحة خبز أو أثر ثمار، فمنذ شهر رمضان الماضى لم يعرف أهل غزة رائحة اللحم الطازج أو الدجاج والفواكه، أما الخضراوات فشحيحة إلى حد يُعتبر فيه العثور على ثمرة واحدة ضربة الحظ.
وتحدَّث «عمر» نفسه بفخر كبير قائلاً: أنا فلسطينى مقيم فى مدينة غزة، يوم داهمتنا الاقتحامات الإسرائيلية البرية فى حى «الدرج» نزحنا على عجلٍ إلى غرب غزة، وبقينا هناك شهراً كاملاً بعيداً عن بيتنا وعائلتنا الممتدة، ورفضنا أن ننحدر جنوباً، وتمسكنا بالشمال كمن يتمسَّك باسمه الأول، حين عدنا وجدنا منزلنا متضرراً جزئياً بفعل القصف، لكن البيت لم يكن الوحيد الذى صار ناقصاً، إذ فقدنا شهداء من العائلة والأحبة والأصدقاء».
وتابع «عمر»: «نعم نشعر بالخوف أحياناً ولا يتركنا الحزن أبداً، نحن باقون على أرضنا، لا نملك وطناً بديلاً، ولا كرامة إلا فى التشبث بهذه الأرض المحبوبة، لا حديث عن التهجير، فكل فلسطينى تمتد جذوره فى الأرض كجذور الزيتون حتى وإن كانت الثمار مؤجَّلة إلى موسم آخر».
وأضاف أسامة عمر، وهو يضغط على الجُمل بهدوء حتى لا يظهر الضعف بين أحرف كلماته: «كل شىء يضغط على صدورنا. الدواء صار أمنية، والأصعب هو ما يخص الأمراض المزمنة؛ زجاجة دواء صغيرة تتحول إلى عمر مؤجَّل، أما البنية التحتية فحدِّث ولا حرج، لا كهرباء كما ينبغى، لا ماء كما ينبغى، لا صحة ولا تعليم، ولا مدارس، والأطفال يعانون من سوء التغذية، وتعلمنا أن تقسيم اللقمة على عدد الإخوة، كل الاهتمام ينصب على كيف تؤمِّن لقمة عيش لأولادك يومياً، كيف تحافظ على من تبقَّى منهم وفيهم من حياة».
وواصل: «مرت شهور من الجوع القاتل، ونحن على أمل أن الغد سيأتى أقل قسوة، وفى ساعات البحث عن مياه نقية للشرب نتبادل الأخبار عن بئر لم تُملأ بعد، أو شاحنة وصلت ثم اختفت، فالحرب استنزفت طاقاتنا وأثقلت قلوبنا حتى صار التعب جزءاً من ملامحنا، كل يوم ننتظر وقف إطلاق النار؛ نعلّق عليه ما تبقَّى من أحلام بسيطة ونتمنى أن يعود الأطفال إلى فصولٍ لها جدران، وأن ننام إلى الصباح حتى ولو مرة واحدة، ورغم أن فى الأيام الأخيرة بدأت المساعدات تدخل إلى غزة بعد طول انتظار وظهرت المواد الغذائية والسلع الأساسية من جديد، وعادت بعض بضائع التجار إلى الرفوف بتثاقل يشبه التعافى، إلا أن الأزمة لم تختفِ، لكنها خفَّت قليلاً، ومعها انخفضت الأسعار بعض الشىء، فارتخى فى الصدور خيط كان مشدوداً، صرنا نرى فى السوق ما يقيم أود يوم إضافى، ونحسب أن الغد قد يسمح بثمرة أكثر، وبحصة دواء كانت مفقودة».