وليد خيري يكتب.. صنايعي الكتابة على يوتيوب: قراءة في ورشة عمر طاهر "ما قبل الكتابة"

كتب: editor

وليد خيري يكتب.. صنايعي الكتابة على يوتيوب: قراءة في ورشة عمر طاهر "ما قبل الكتابة"

وليد خيري يكتب.. صنايعي الكتابة على يوتيوب: قراءة في ورشة عمر طاهر "ما قبل الكتابة"

مقدمة: في الحاجة إلى فن جديد

في عصر تتشكل فيه المعرفة وتنتقل عبر وسائط مرئية بقدر ما تنتقل عبر الكلمات المطبوعة، وربما أكثر، يبدو من الضروري أن يواكب النقد الفكري والأدبي هذا التحول. لم يعد الكتاب هو الوعاء الأوحد للأفكار العميقة؛ فمقاطع الفيديو، والبودكاست، والمحتوى الرقمي بأنواعه، أصبحت منابر جديدة للمبدعين والمفكرين. من هنا، تنشأ الحاجة إلى شكل جديد من المراجعة، "مراجعة الفيديو"، التي لا تكتفي بتلخيص المحتوى، بل تغوص في تحليله ونقده، ووضعه في سياقه الأوسع، تماما كما نفعل مع الروايات والدواوين الشعرية.

وتأتي ورشة "ما قبل الكتابة" للكاتب المصري المرموق عمر طاهر، والتي قدمها في أربع حلقات مصورة، كنموذج مثالي لتدشين هذا الفن النقدي الجديد. فهي ليست مجرد دورة تدريبية، بل هي شهادة شخصية يسكب فيها طاهر خلاصة ربع قرن من "اللت والعجن" في عالم الكتابة. عبر هذه الفيديوهات، لا يقدم طاهر قوانين جامدة أو نظريات معقدة، بل "وجهة نظر" شخصية، دعوة مفتوحة لتأمل "صنعة الكتابة" ببهجتها ومكابداتها. مقالي هنا هو محاولة لقراءة هذه التجربة المرئية، وتفكيك خطابها، وتقدير قيمتها، ليس فقط كدروس في الكتابة، بل كعمل إبداعي متكامل له رؤيته وأسلوبه.

فلسفة البساطة العميقة: "رز بلبن" بطعم خاص

"الكتابة فن وكل فن له قواعد.. الهدف إنك تعرفها وبعدين تكسرها". بهذه العبارة المباشرة، يضع عمر طاهر حجر الأساس لفلسفته في الكتابة. إنها دعوة للتمرد المدروس، للابتكار المبني على المعرفة. يرى طاهر أن الالتزام الأعمى بالقواعد لن ينتج سوى "طبق لطيف في خط إنتاج رز بلبن"، نسخة مكررة تفتقر إلى الروح. لكنه يسارع بالتحذير: "ما تجيش تقول لي أنا بفكر بره الصندوق وإنت أصلا ما تعرفش الصندوق فيه إيه". هذا التوازن الدقيق بين معرفة الأصل ثم تجاوزه بوعي هو جوهر العملية الإبداعية.

يستخدم طاهر مثالا عبقريا من عالم الرياضة، لاعب القفز بالزانة الذي قرر في السبعينيات أن يقفز بظهره بدلا من وجهه، فحطم الأرقام القياسية وغير شكل اللعبة إلى الأبد. هذا اللاعب "ذاكر الأصل وبعدين ركنه ثم بني عليه الجديد". هذا هو بالضبط ما يطلبه طاهر من الكاتب: أن يتعلم كيف يصنع "الرز بلبن" التقليدي أولا، قبل أن يضيف "التاتش بتاعه" الذي يحوله إلى شيء جديد له معنى.

هذه الفلسفة تمتد لتشمل اللغة نفسها. ينتقد طاهر فكرة "العمق" المرتبط باللغة المعقدة. فالعمق الحقيقي، من وجهة نظره، يكمن في المعاني، لا في الاستعراض اللغوي. ويستشهد بمقولة الشاعر الكبير فؤاد حداد: "البساطة في منتهى الأبهة"، وباعتزاز مارك توين بكتابته التي شبهها بـ"الماء" بينما كتب العباقرة "النبيذ الفاخر". إنها دعوة ضرورية في زمن كثر فيه الادعاء والتعقيد الفارغ. "القراءة السهلة أصلها كتابة صعبة"، هذه القاعدة الذهبية تلخص مجهود الكاتب الحقيقي، وهو ليس تعقيد الأمور، بل "تسهيل القراءة على المتلقي".

صيدلية الكاتب: وصفات عملية لأمراض الكتابة

تتجاوز الورشة التنظير لتقدم مجموعة من الأدوات والتمارين العملية التي تشبه "صيدلية" متكاملة يلجأ إليها الكاتب لعلاج ما قد يصيبه من "إصابات" المهنة.

من أين تأتي الأفكار؟ يجيب طاهر عن هذا السؤال الأزلي بإجابات لا تخلو من طرافة وعمق. الأفكار، كما يقول، "في كل مكان ما عدا غرفة المكتب". هو يدعو إلى الحركة كمورد رئيسي للإلهام. كما يقترح سككا غير تقليدية لصيد الأفكار: القراءة في مجالات بعيدة عن اهتمامات الكاتب، قراءة نشرة علبة الدواء، الاستماع إلى الإذاعات القديمة حيث "صورة الراديو أحلى من صورة التليفزيون"، والمشي لمسافات طويلة الذي "بيدوب الدهون اللي مستخبية جوه الأفكار".

التعامل مع "قفلة الكاتب": يصف طاهر هذه الحالة المزعجة بأسلوبه الساخر بأنها "بداية النهاية على رأي شيرين". لكنه سرعان ما يقدم لها حلولا. يرى أن هذا الشعور بالفراغ هو شعور كاذب، وعلاجه يكمن في استدعاء القصص الكامنة داخلنا. يقترح "تمرين أصحاب الفضل"، وهو تمرين لكتابة قائمة بخمسة أشخاص علموك شيئا في الحياة، وكتابة قصة كل منهم. هذا التمرين لا "يفك عضلة الخيال المتخشبة" فحسب، بل "بيرجع لك ثقتك في نفسك" ويذكرك بأنك لست فارغا بل "متعبي قصص وأفكار وحكايات".

بناء العادة: الـ 21 يوما المقدسة: لمواجهة حجة ضيق الوقت، يقدم طاهر حلا عمليا. يستشهد بالقاعدة التي تقول إن تكوين أي عادة يحتاج إلى 21 يوما من المواظبة. يقترح تخصيص ساعة واحدة فقط كل يوم للكتابة، لمدة 21 يوما متتالية. ولجعل هذه الساعة مسلية، يقترح تمرينا طريفا: كل يوم، افتح سجل الهاتف، اختر رقما عشوائيا، واكتب عن صاحب الرقم. هذا التمرين اليومي يحول الكتابة من عبء إلى عادة مقدسة، ويقوي عضلة الكتابة لتكون جاهزة دائما.

العلاقة مع القارئ: "صفقة" الاحترام المتبادل

يولي عمر طاهر اهتماما كبيرا للعلاقة بين الكاتب والقارئ، وهي علاقة يصفها بأنها "صفقة". القارئ، في نظره، يمنح الكاتب "دقائق أو ساعات من عمره مش هيعرف يرجعهم"، وعلى الكاتب أن يحترم هذا الوقت الثمين. والمفارقة الجميلة التي يقدمها هي أن الخطوة الأولى لاحترام القارئ هي "إنك تطلعه من دماغك نهائيا" في المسودات الأولى، ليكتب بصدق مطلق دون قلق من إرضاء الآخرين.

ولكن، بعد هذه المرحلة، يعود القارئ إلى الصورة. يجب أن يضع الكاتب في اعتباره أن القارئ خلقه ضيق، لذا يجب الدخول في الموضوع مباشرة. كما يدعو إلى احترام "عقل ومشاعر القارئ". فالكتابة ليست عملية عقلية بحتة. "الشغل اللي معمول بالعقل بس بيتقال عليه صنعة، واللي معمول بالمشاعر بس بيتقال عليه فن، واللي معمول بالعقل والمشاعر بيتقال عليه فن متكامل". هذا التوازن هو الذي يخلق عملا مؤثرا وخالدا.

عمر طاهر: الكاتب متعدد الأبعاد

لا يمكن فصل هذه الورشة عن مسيرة عمر طاهر الإبداعية المتنوعة. فهو كاتب لا يمكن حصره في قالب واحد. تنقل بسهولة ورشاقة بين الرواية العميقة مثل "كحل وحبهان"، والقصة القصيرة، والكتابة الساخرة في "شكلها باظت"، والتأملات في مسيرات النجاح في "صنايعية مصر"، والكتابة عن الموسيقى في "إذاعة الأغاني". كما خاض تجربة السيناريو، والترجمة، والمحتوى الرقمي الناجح.

هذا التنوع هو تطبيق عملي لفلسفته التي طرحها في الورشة. هو يرفض أن يقف عند "شكل واحد في الكتابة"، ويدعو الكاتب لتجربة كل الأشكال الممكنة. أسلوبه في الورشة، الذي يمزج بين المعلومة الدقيقة والحكاية الطريفة، هو نفسه الأسلوب الذي يميز كتاباته. هو لا يلقي محاضرة، بل "بيحكي حكاية"، سواء كانت عن تاريخ صنايعي مصري أو عن قواعد الكتابة. عندما ينصح الكاتب بأن يكون "الراوي اللي روحه سهلة وحضوره جذاب"، فهو يصف نفسه دون أن يدري. هذه الورشة، إذن، هي دعوة مفتوحة للنظر داخل "مطبخ" عمر طاهر الإبداعي، لنرى كيف تطبخ الأفكار، وكيف تصنع الحكايات.

يختتم عمر طاهر حديثه بالتأكيد على أنه ليس هناك جهد مبذول ضائع. وهذا ربما يكون الدرس الأهم. فالكتابة، كما يقدمها، ليست إلهاما سماويا، بل هي "شغل"، وجهد، والتزام يبنى يوما بعد يوم. لكنه جهد ممتع، ومغامرة تستحق كل ما فيها من "شقاء"، لأنها في النهاية تمنحنا القدرة على أن ننتصر للأشياء التي تؤمن بها، وتترك أثرا قد لا ندرك مداه، فسطرا يكتبه الكاتب قد يصنع فارق في حياة إنسان.

لقد نجح عمر طاهر في تقديم وجبة شهية ومغذية، استخدم فيها مكونات بسيطة، لكنه طبخها بـ"نفس" فنان حقيقي، فجاءت فريدة في مذاقها، وسهلة في هضمها، وعميقة في أثرها. وهذه المراجعة شهادة بأن المحتوى الرقمي المرئي يمكن أن يكون، حين يصنع بحب وشغف، مصدرا للمعرفة لا يقل قيمة عن أعظم الكتب.

أخيرا، لماذا هذه المراجعة؟ لأننا بحاجة إلى أن نأخذ المحتوى التعليمي المرئي بجدية نقدية، وأن ندخله في صفحات الصحف والمواقع بجوار مراجعة فيلم وقراءة نقدية لرواية. يوتيوب ليس أقل شرفا من الورق، ما دام المحتوى يحترم عقل المتلقي، وما دامت المراجعة لا تتحول إلى إعلان. سلسلة عمر طاهر ما قبل الكتابة تستحق هذا النوع من النظر: تذكرك بأن الكتابة ليست معجزة وليست مهنة نخبوية معزولة؛ هي صنعة تصان بالعادة، وتحفظ بالدفتر، وتحب بالبشر. وإن كان لي أن أترك القارئ بواجب صغير بعد هذه الصفحات الثقيلة نسبيا، فسيكون: ابحث اليوم عن لحظة تترك أثرا فيك، اكتبها في سطرين، أعد قراءتها غدا، ثم أضف سطرا ثالثا. إذا فعلت، فلقد بدأت ورشتك الشخصية ما قبل الكتابة، سواء شاهدت السلسلة أو لم تشاهدها. لكن إن رأيت الفيديوهات، فستربح شيئا إضافيا: رفيق طريق يذكرك بأن الطريق أقصر مما نتصور حين نقطعها خطوة كل يوم.