خطة ترامب الاستعمارية
لا يمكن النظر إلى خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بخصوص وقف الحرب على قطاع غزة وإدارته، بعيداً عن «الثقافة الاستعمارية» لم تفارق العقل الغربى بعد، رغم حديث طويل لكُتاب ومفكرين غربيين على مدار سبعين سنة تقريباً عن نهاية الاستعمار العسكرى التقليدى، والدخول إلى أشكال ناعمة جديدة من الاستعمار والاستغلال، اقتصادية وثقافية وتقنية.
يبدو أن «ترامب» ينسى أن الإمبراطورية الأمريكية حين أرادت استعادة الشكل التقليدى للاستعمار أخفقت فى الصومال والعراق وأفغانستان، ومع ذلك عادت تجرب من جديد، ولعلها تتكئ هذه المرة على آخر جيوب الاستعمار التقليدى فى العالم المعاصر وهو «الاحتلال الإسرائيلى» لأرض فلسطينية.
لكن ظنى، ومهما كان حجم التفاعل والتساوق، فلسطينياً أو عربياً، مع خطة ترامب، فإن الأوضاع على الأرض ستؤدى إلى تآكلها مع الأيام، لاسيما أنها لا تعدو أن تكون «صناعة المضطرين»، دون استثناء طرف. فأمريكا، شريكة إسرائيل فى هذا العدوان، لم تفلح بعد عامين فى كسر إرادة المقاومة وإجبارها على الاستسلام، والمقاومة مجذوبة إلى نقطة ضعفها وهى الأوضاع الإنسانية البائسة فى قطاع غزة، والعالم العربى يريد لهذه الحرب أن تتوقف عند هذا الحد، بينما الفلسطينيون باقون فى أرضهم، رغم أن الخطة هذه لا تضمن ذلك، ولا تضمن التزام إسرائيل بالانسحاب حقاً من القطاع، ولا بمواصلة العدوان عليه. وأكثر المضطرين هو «نتنياهو» الذى يفشل فى تحقيق وعوده المتتالية لشعب إسرائيل فى تحقيق نصر كاسح، أو بمعنى أدق استئصال المقاومة، وفى مقدمتها حركة حماس.
وهناك عدة أشياء تبرز مستوى الثقافة الاستعمارية فى خطة ترامب، يمكن ذكرها على النحو التالى:
1- يكره المستعمر دوماً أن يتمكن الواقع تحت الاستعمار أو الاحتلال من صناعة سلاحه، حتى لو كان بسيطاً، وهو ما تمكنت منه المقاومة الفلسطينية فى قطاع غزة، رغم الحصار الإسرائيلى الخانق، والملاحقة المستمرة، وتنفيذ إسرائيل سياسة «جز العشب» التى تعنى الإضعاف المتواصل لقدرات المقاومة المادية والبشرية.
2- تبدو فكرة المقاومة فى حد ذاتها مرفوضة بالنسبة للمستعمر. إنها الصيغة التى تنغص حياة الجيوش الاستعمارية المنظمة التى تملك أعلى تقنيات عسكرية، إنها النحلة التى تزعج الفيل. إنها التجربة التى ثبت نجاحها فى تاريخ الإنسانية حين مكّنت فئة قليلة من أن تهزم فئة كثيرة، لا تكافؤ بينهما فى القوة. رأينا هذا فى فيتنام والعراق وأفغانستان. من هنا كلما سمع الأمريكيون كلمة «مقاوم» تحسسوا تاريخهم، وأدركوا أنها الشوكة فى خاصرة إمبراطوريتهم، التى توخزها، فتنزف دمها على مهل، حتى تفر، قبل مزيد من الخمود أو الهزيمة المحققة.
3- فى رأس ترامب، ومعه نتنياهو، هناك تزاوج أو تواشج بل تماهٍ بين النموذج الاستعمارى المادى القروسطى وبين التصورات الدينية الإنجليكانية أو التى تبنتها المسيحية الصهيونية، ولأن «ترامب» يتعامل مع إسرائيل على أنها رأس حربة لمشروع الإمبراطورية الأمريكية فى الشرق الأوسط، يدرك أن التهديد الحقيقى لهذا الرأس هو بقاء فكرة المقاومة، على مستوى الخطاب والممارسة.
4- تؤرق فكرة أصحاب الأرض أو تحريرها، الذهنية الاستعمارية الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً، وهى مستقرة فى اللاشعور السياسى لهذه الدول، لاسيما مَن قام على استئصال أمم أخرى، مثل الولايات المتحدة التى قامت على إبادة الرجل الأبيض للهنود الحمر سكان أمريكا الحقيقيين، ومثل الاستعمار الاستيطانى الذى رأيناه فى النموذج الفرنسى بالجزائر مثلاً، وهو يشبه فى بعض الجوانب المشروع الاستيطانى الإسرائيلى فى فلسطين.
لكل هذا لم يكن من المنتظر أن يطرح «ترامب» مبادرة أو خطة عادلة منصفة، تراعى الحقوق، وتمتثل للقانون الدولى، أو تحمل قدراً من التعاطف والشفقة على شعب يُذبح بلا ورع ولا تحسب، إنما خطة خارجة من تلافيف العقلية الاستعمارية، ليس بأطروحاتها التاريخية فحسب، إنما أيضاً بحضورها الراهن متمثلاً بوضوح فى الولايات المتحدة، التى حاولت غير مرة إعادة الاستعمار التقليدى البشع إلى العالم المعاصر، لكن كان الفشل المتواصل من نصيبها.